السلام عليكم أيها النبي

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-01-22 - 1436/04/02
عناصر الخطبة
1/ تأملات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم 2/ من معالم عظمته نشأته يتيمًا 3/ شمائل النبي صلى الله عليه وسلم 4/صبر النبي صلى الله عليه وسلم وجوده وحلمه 5/ هل عرف العالم مثل محمد صلى الله عليه وسلم؟!

اقتباس

هل عرف العالم أرحم من هذا الرسول الكريم؟ هل في البشرية إنسان في مثل كماله وجماله وخشيته وخشوعه وصدقه ورحمته ويقينه؟!حيي ستير أشد حياءً من العذراء في خِدرها، وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه، يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا يأكل الصدقة.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله المحمود على كل حال الموصوف بصفات الجلال المعروف بمزيد الإنعام والإفضال، أحمده سبحانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والجلال، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله وخليله الصادق المقال، طبعه الله على كريم السجايا وشرف الخصال.

 

اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، وسارعوا إلى جنته ومرضاته، ولا تغرنكم الحياة الدنيا بما فيها من زهرة العيش ولذاتها؛ فقد قرب الرحيل وذهب بساعات العمر وأوقاته، ألا وإن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي ما يدري ما الله قاضٍ فيه؛ فليأخذ المرء من نفسه لنفسه، ومن صحته لمرضه، ومن حياته لموته، فما بعد الموت من مستعتب ولا دار إلا الجنة والنار.

 

معاشر المسلمين: اغتبطوا بفضل الله عليكم هو سماكم المسلمين من قبل، وافرحوا بفضله عليكم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 2].

 

وابتهجوا بمنة الله عليكم ببعثة محمد -مز صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164].

 

رسول الله وخليله ونبيه الكريم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ختم الله به النبوة والرسالة وكمَّله وزكَّاه وأدَّبه ورباه فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]، وقال سبحانه: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 2- 4].

 

نبينا محمد رضع اليتم من ولادته، ثم لم يكمل السادسة حتى فقد أمه، ومع ذلك كمَّله الله وزكَّاه وحفظه ورعاه، وإن كان اليتم أحيانا في حق غيره نقصًا، إلا أنه بالنسبة له -صلى الله عليه وسلم- نعمة وكمال، وكذب من أسرف وقال غير هذا؛ لأن الله -جل جلاله- قال في حقه: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: 1- 6].

 

نشأ -صلى الله عليه وسلم- على كمال الإدراك والاستقامة، وكان على تربية كاملة مع أن شأن الأيتام أن ينشئوا في الغالب على نقائص؛ لأنهم لا يجدون من يُعنَى بتهذيبهم وتعهد أحوالهم الخلقية، أما نبينا -صلى الله عليه وسلم- فقد جاء في الحديث "أدبني فأحسن تأديبي"، فكان تكوين نفسه الذكية على الكمال خيرا من تربية الأبويين.

 

نبينا محمد -صلى الله عليه وآله- شرح الله له صدره، ورفع ذكره، وجعل توقيره ومحبته فرضًا على العباد (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) [الشرح: 1- 8].

 

نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كامل في تواضعه وعبادته وأخلاقه، وإيمانه وفضله، وتعامله مع الآخرين والأعداء، كامل في عطفه على الصغار بل والحيوان والطير، كامل في حربه وسلمه، ونفسيته وأحاديثه، ومن زعم خلاف ذلك فهو على شفا هلكة.

 

نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- عند ربه -عز وجل- وعند ملائكة السماء وعند أهل الأرض هو سيد ولد آدم، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض وأول شافع بيدي لواء الحمد تحته آدم فمن دونه".

 

أمَا اختاره الله من بين العالمين وجعله أهلا لحمل رسالته (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124]، أما صانه الله -جل جلاله- عن أدناس الجاهلية وأبعدهم عن مشاهد كفرهم، فما عظَّم لهم صنمًا ولا حضر لهم مشهدًا، وما جرّبوا عليه كذبًا، بل كانوا يلقبونه بالأمين -صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين-.

 

أمَا جاءه جبريل -عليه الصلاة والسلام- وهو إذ ذاك صغير يلعب مع الغلمان، فأخذ محمد فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، وأخذ منه علقة سوداء، وقال: "هذا حظ الشيطان منك"، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمَهُ -أي: ضمّ بعضه إلى بعض- ثم أعاده في مكانه، يقول أنس: "قد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره عليه الصلاة والسلام".

 

لذا لا عجب أن ينشأ على التمام والكمال فواهب الكمال هو الذي كمَّله، ومعطي الخلاق الحسنة هو الذي أعطاه.

 

ملك الملوك إذا وهب *** لا تسألن عن السبب

 

قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه، وأرغم الله أنوف الروافض أحفاد المجوس- قال علي: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-, دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ، وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ، وَلا عَيَّابٍ وَلا مُشَاحٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يَشْتَهِي، وَلا يُؤْيِسُ مِنْهُ رَاجِيهِ وَلا يُخَيَّبُ فِيهِ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ: الْمِرَاءِ, وَالإِكْثَارِ, وَمَا لا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ: كَانَ لا يَذُمُّ أَحَدًا، وَلا يَعِيبُهُ، وَلا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ، وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ، وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ".

 

أيها المسلمون: رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- خير الناس بِشْرًا وتواضعًا، وحلمًا وصفحًا، وإحسانًا ومعروفًا؛ كان يداعب أهله ويمزح مع أصحابه، قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا؟ قال: "نعم غير أني لا أقول إلا حقًّا".

 

كان عمله ديمة، وكان -صلى الله عليه وسلم- يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، ولا يحب المبالغة في المدح، بل ينهى عنه فهو القائل: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".

 

لقد كانت الأَمَة من إيماء المدينة تأخذ بيده -صلى الله عليه وسلم- وتذهب به إلى أيّ طريق في المدينة، يستمع شكواها، ويقضي حاجاتها، وكان إذا دخل على أصحابه لم يقوموا له، عن أَنَسٍ قَالَ: "لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ".

 

وقال أنس: "خدمت النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، والله ما قال لي أُفّ قط، ولا قال لشيء لِمَ فعلت كذا، وهلا فعلت كذا"، زاد الترمذي: "وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحسن الناس خُلقاً، وما مسست خزاً قط ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كفّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عَرَق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

 

لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح، ما ضرب -صلى الله عليه وسلم- بيده شيء قط إلا أن يجاهد في سبيل الله -عز وجل-، ما ضرب خادما ولا امرأة؛ كما قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وكانت تقول أيضًا: "ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منتصرًا من مظلمة ظُلمها قط، ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان من أشدهم غضبًا وما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مَأْثَمًا".

 

رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- كان أجود الناس، لا يدّخر شيئًا لغدٍ، ما سُئل شيء قط، فقال: لا.

 

قال ابن عباس: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، أعطى مئات الإبل والبقر والدنانير والدراهم، وغير ذلك من متاع الدنيا، وأعطى رجلاً غنمًا بين جبلين، ولحق -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى وما ترك إلا سلاحه وبغلته وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة.

 

حيي ستير أشد حياءً من العذراء في خِدرها، وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه، يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا يأكل الصدقة.

 

رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناسٌ قِبل الصوت فتلقاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عَرِي في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا، قال: وجدناه بحرا، أو إنه لبحر، قال: وكان فرسا يبطئ: "وجدناه بحرًا" أي: واسع الجري.

 

قال علي رضي الله عنه "كنا إذا حمي البأس، واشتد القتال، ولقي القومُ القومَ؛ اتقينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

 

أما حلمه فعجب؛ يعفو عند المقدرة، ويحسن إلى المسيء، جاء أعرابي فجذب بُرْدَته حتى أثَّر ذلك في رقبته -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: "يا محمد! أعطني من مال الله الذي عندك، فإنك لا تعطيني من كدك ولا من كدّ أبيك" فالتفت إليه وتبسم، ثم أمر له بعطاء.

 

وكانوا في سفر معه -صلى الله عليه وسلم- فنام تحت شجرة، وعلق سيفه في غضن من أغصانها، فجاء أعربي وأخذ السيف وسلّه، فاستيقظ -صلى الله عليه وسلم- والسيف في يد الرجل، وهو يقول: "من يمنعك مني؟" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الله"، فقال في الثانية: "من يمنعك مني؟"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الله"، فرد السيف وجلس، فعفا عنه -صلى الله عليه وسلم- ولم يعاقبه.

 

اللهم صلّ وسلم على هذا النبي الكريم، اللهم اجزه عنا أفضل ما جزيت نبيًّا عن أمته، وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته.

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.

 

أما بعد: فإن رسول الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قد أرسله الله للثقلين، وأعطاه من الأدلة والبراهين والمعجزات ما يقطع حجج المعارضين، ويرغم أنوف الكافرين، وكان من مقاصد هذا إقامة الحجة على اليهود والنصارى الذين كفروا به حسدًا وكبرًا، فمن هذه الآية التي أعطاه القرآن العظيم فقد تضمن حديثًا عن الأمم السابقة مع عظيم البلاغة وقمة الفصاحة: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88].

 

جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- عالم من علماء اليهود هو عبد الله بن سلام، لما قدم النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة، فقال: يا محمد إني سائلك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خبّرني بهن آنفًا جبريل". قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها". قال: "أشهد أنك رسول الله".

 

وأجاب الله دعوته -عليه الصلاة والسلام-، أجاب دعائه ونبع الماء من بين أصابعه عدة مرات ، وسلّم الحجر والشجر عليه بالرسالة، وبارك الله للطعام بسبب دعوته لله مرارًا، ومع إكرام الله -تعالى- له فقد كان خائفًا من ربه يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان يذكر الله على كل أحيانه، وكان الصحابة يعدون له في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة يقول: "رب اغفر لي وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم".

 

كان -صلى الله عليه وسلم- يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقيل له في ذلك فقال: "أفلا أكون عبدا شكورًا"، قام في ليلة يردد فقال: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:118]، يرددها ويبكي.

 

وقرأ عليه ابن مسعود سورة النساء فلما بلغ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا) [النساء:41]. قال: "حسبك الآن" قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تزرفان.

 

وحين كسفت الشمس قام إلى الصلاة فجعل ينفخ في آخر سجوده من الركعة الثانية ويبكي، ويقول "لم تعدني هذا، وأنا فيهم، لم تعدني هذا، ونحن نستغفرك".

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- رحيما بأمته وبزوجاته وببناته وبأصحابه وبأطفال المسلمين، قال أنس: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرحم الناس بالعيال، وهو القائل: "إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز مما أعلم من شدة وَجْدِ أمه من بكائه".

 

تدمع عيناه على فراق أحبابه مع عظيم إيمانه بقضاء الله وقدره، وعظيم صبره واحتسابه، لما دخل على ابنه إبراهيم وهو في سياق الموت دمعت عيناه، وقال: "إنها رحمة" ثم أتبعها بدمعة أخرى، وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون".

 

ولما أرسلت إحدى بناته تطلب أن يحضر إليها؛ لكون ابنها في النزع الأخير، قال للرسول: "قل لها: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب"، فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينها، فقام مع بعض أصحابه ودخلوا، فَرُفِعَ إليه الصبي ونفسه تُقَعْقِعُ، ففاضت عيناه، فقال بعض أصحابه: ما هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء".

 

ولما مات عثمان بن مظعون قبَّله ودموعه تسيل على خديه، وحين زار قبر أمه بكى وأبكى من حوله، وقال: "استأذنت ربي بأن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزورا القبور فإنها تذكّر الموت".

 

ولما جاء الوحي من السماء بخبر أصحابه الشهداء في مؤتة زيد وجعفر وابن رواحة وأنهم قُتلوا أخبر أصحابه وهو على المنبر وعيناه تزرفان، ثم دخل على زوجة ابن عمه جعفر تقول: دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعا بني جعفر فرأيته شَمّهم وقبّلهم وزرفت عيناه، قلت يا رسول الله: "؟" قال: "نعم، قُتل اليوم"، قالت: فقمنا نبكي، فقال: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد شُغلوا عن أنفسهم"، قال عبد الله بن جعفر: فجاءت أمنا فذكرت يتمنا فقال: "ألعيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟!"

 

هل عرف العالم أرحم من هذا الرسول الكريم؟ هل في البشرية إنسان في مثل كماله وجماله وخشيته وخشوعه وصدقه ورحمته ويقينه؟! اللهم لا، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آل وصحبه أجمعين.

 

 

المرفقات

عليكم أيها النبي

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات