الرضا بالقدر والصبر على البلاء

خالد بن عبدالله الشايع

2021-11-19 - 1443/04/14 2021-11-24 - 1443/04/19
عناصر الخطبة
1/الابتلاء سنة الله في الحياة 2/وجوب الصبر على أقدار الله المؤلمة 3/الفرج بعد الشدة آت لا محالة

اقتباس

فرِّغ خاطرك للهمِّ بما أُمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا، وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه، فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه، فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو السرة، فلما...

الخطبة الأولى:

 

أما بعد: فيا أيها الناس: لا يزال الصراع قائما بين الحق والباطل، فهي سنة الله في الحياة، ولا يزال البلاء يصب على الناس صبا ليختبر الله إيمان الناس: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)[العنكبوت: 2]، ولقد ابتلى الله الأنبياء والمرسلين، ومن بعدهم الصالحين، وهكذا يبلى المرء على قدر دينه، وما نعيشه الآن من بعد الناس عن دينهم، في أصقاع المعمورة، أنموذجا قائما للبلاء، فموقف المؤمن منه موقف الصابر الثابت المجاهد، حتى يزول البلاء أو يتوفى المؤمن أجله.

 

معاشر المؤمنين: إن الحياة  تسير وفق قدر الله، فنحن لا نقدر شيئا ولا نغير القدر، فالمسلم مطالب بفعل السبب والرضا بالقدر، وإذا فتش المؤمن فيمن حوله، وجد الناس كلهم عليهم بلاء، يزيد على هذا وينقص عن هذا، ولكن لا تجد معافى من البلاء، إلا من رحم الله، فالصبر الصبر على أقدار الله المؤلمة، ولا يجزع المسلم، ولا يتسخط بل يرضى ويسلم، ومتى ما علم المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنها بتقدير الله، فإن الله يعينه على الصبر، ويقويه على التسليم والرضا، قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)[التغابن: 11].

 

عباد الله: قد تبتلى بمرض، أو بفقد عزيز، أو ببلاء في ذريتك، من طلاق أو عنوسة أو عقوق، فيجلب عليك الشيطان بخيله ورجله، ويحمل على قلبك هموم هذا الأمر، وتجد أن هذا الهم يحاصرك من كل جهة، وأنت تسعى في الأرض بكل سبيل لرفع هذا الهم، تحاول إيجاد حلول له، تخشى أن تموت قبل أن تحل هذه المشاكل، وكأن الأمر بيدك! ألم تعلم أن الله هو المقدر له؟ ألم تعلم أن الله كتب ذلك قبل أن يخلقك؟ ألم تعلم أن لهذا الهم انقضاء، ولابد، ولكن الله هو الذي يعلم متى ينقضي ألم تعلم أن الخيرة فيما اختار الله -سبحانه- لم الانزعاج إذا؟ ولم التضجر والهم؟

توكل على الله، فإن الله أرحم بك من نفسك عليك، وإن الله له الحكمة البالغة التي تخفى عليك، ولو كشف الغيب لك لعلمت أن الأمور تجري على الخير، ولكن الإنسان خلق عجولا.

 

يا صاحب الهم إن الهم منفرج *** أبشر بخير فإن الفارج الله

 

عباد الله: كلما قوي إيمان العبد، كلما رضي عن ربه وقدره، وكلما قوي إيمان العبد، كلما سار مع القدر حيث يسير به؛ فالبعض من الخلق يتعب نفسه بشيء لم يكلفه الله به، فتراه يعطل كل مصالحه، ليرفع هذا البلاء، وكأنه هو المكلف بذلك، ويسوء ظنه بربه، فيخشى أن يضيع أولاده من بعده، وكأنه هو الرازق لهم، أو هو مدبر أمورهم.

فأقول لأمثال هؤلاء، هونوا على أنفسكم، فلن تغيروا قدر الله، فقط افعلوا السبب الشرعي وتوكلوا على الله فلن يكون إلا ما قدر الله.

 

اللهم اجعلنا على بلائك صابرين، ولقضائك راضين.

 

أقول قولي هذا....

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: فيا أيها الناس: البلاء مهما عظم سينجلي ولا شك، كالليل يعقبه النهار، ومن تأمل تاريخ الأمم قبلنا، وسيرة خير خلق الله من هذه الأمة علم ذلك يقينا، فكل شيء في هذه الدنيا إلى زوال، فانظر الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهم، كم بلاء وقع عليهم ثم انجلى، ونبينا في أول أمر الدعوة أصابه بلاء عظيم هو الذين آمنوا معه ثم كانت العاقبة لهم، قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)[البقرة: 214].

 

واعدد من شئت من فضلاء الأمة أصابهم البلاء ثم انجلى كأن لم يكن، ولكن تحلى بالرضا والصبر، وسل الله العافية، واعلم أنك على خير، فأمر المؤمن كله خير، أخرج مسلم في صحيحه من حديث صهيب قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ".

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فرِّغ خاطرك للهمِّ بما أُمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك ؛ فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا، وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه، فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه؛ فتأمل حال الجنين: يأتيه غذاؤه وهو الدم، من طريق واحدة وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق، فتح له طريقين اثنين، وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لبنا خالصا سائغا، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح طرقا أربعة أكمل منها: طعامان وشرابان؛ فالطعامان من الحيوان والنبات، والشرابان من المياه والألبان، وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ، فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة.

 

لكنه سبحانه فتح له -إن كان سعيدا- طرقا ثمانية، وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، فهكذا الرب -سبحانه- لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه، وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن، فإنه يمنعه الحظ الأدنى الخسيس، ولا يرضي له به، ليعطيه الحظ الأعلى النفيس، والعبد لجهله بمصالح نفسه، وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئا، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان عليا.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات...

 

المرفقات

الرضا بالقدر والصبر على البلاء.doc

الرضا بالقدر والصبر على البلاء.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات