الدين والعلم

هلال الهاجري

2021-03-19 - 1442/08/06 2021-03-31 - 1442/08/18
عناصر الخطبة
1/مواقف في محاربة العلم في العصور الوسطى 2/تطوُّر الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى 3/من شهادات علماء أوروبا يتميز الحضارة الإسلامية 4/السَّبب الحقيقي في تخلُّف حضارة المسلمين 5/توقير وتشجيع العلماء المسلمين في شتى المجالات النافعة.

اقتباس

الإسلام يُشجِّعُ العلماءَ والمُخترعينَ، ويسعى إلى تحصيلِ الكفايةِ العامةِ في جميعِ الميادينِ، بل ويُصحِّحُ نيَّةَ العملِ لربِّ العالمينَ، وهذا الذي حدثَ في عُصورِ النَّهضةِ، ثُمَّ لمَّا ضَعفَ التَّمسكَ بالإسلامِ وانتشرتْ المُنكراتُ، وأصبحَ التَّقديرُ والعطاءُ للمغنِّينَ والمُغنِّياتِ، واستبدلَ الخليفةُ العُلماءَ بالتَّافهينَ والسَّفهاءِ، سقطتْ الحضارةُ، بل سقطتْ الدَّولُ...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

في عامِ 1633 للميلادِ، وقفَ جاليليو عالمُ الفلكِ والرياضياتِ والفيزياءِ والطبيبُ والمُخترعُ أمامَ محكمةِ كنيسةِ الفاتيكان بسببِ اختراعاتِه واكتشافاتِه وتَجاربِه العلمية، فقالَ: "أنا جاليليو، وفي السبعينِ من عُمري، سجينٌ جاثٍ على ركبتيَّ، وبحضورِ فخامتِك، وأَمامي الكتابُ المقدسُ، الذي ألمسُه الآنَ بيدي، أُعلنُ أني لا أُشايعُ، بل ألعنُ وأحتقرُ، خَطأَ القولِ، وهَرطقةَ الاعتقادِ في جميعِ النَّظرياتِ المنسوبةِ لي".

 

هذا موقفٌ من مواقفِ الكنيسةِ المُحرَّفةِ، وتسلُّطِ القساوسةُ الظَّالمونَ في محاربةِ العلمِ وأهلِهِ في القرونِ الوسطى، والتي كانتْ تُسمى بعصرِ الظُّلماتِ في أوروبا، حتى أنَّهم حَكَموا على أكثرِ من تسعينَ ألفِ عالمٍ من عُلماءِ الطَّبيعةِ بأحكامٍ مُتنوِّعةٍ ما بينَ السِّجنِ إلى القتلِ بل إلى الحرقِ.

 

بسببِ هذا، قامتْ الثَّورةُ في أوروبا والتي تُسمى بثورةِ التَّحريرِ على الكنيسةِ، ثورةِ العلمانيةِ لفصلِ الدِّينِ عن العلمِ، وحُقَّ لهم ذلكَ في دِينٍ مُحرَّفٍ يُحاربُ العلمَ وأهلَه، حتى قالَ أستاذُ اللاهوتِ مارتن لوثر: "أنتَ لا تستطيعُ أن تقبلَ كُلاً من الإنجيلِ والعقلِ، فأحدُهما يجبُ أن يَفسحَ الطريقَ للآخرِ".

 

وطبعاً لقد فسحَ الإنجيلُ المحرَّفُ الطَّريقَ للعقلِ فانطلقَ، وصنَّفَ العلماءُ في ذلكَ الكُتبَ الكثيرةَ لتحقيقِ رأيهم في عدمِ اجتماعِ الدِّينِ والعلمِ، والمقصودُ كما هو واضحٌ أنَّه دينُ النَّصارى المُحرَّفُ.

 

المُشكلةُ ليستْ هُنا، المُشكلةُ أنَّ الذينَ يَتَّبعونَ الغربَ عُمياناً، في الخيرِ والشَّرِ، وبعلمٍ ودونَ علمٍ، عاشوا الموقفَ، وقلَّدوا أسيادَهم، وردَّدوا في بلادِ الإسلامِ بجهلٍ أو بخُبثٍ: الدِّينُ هو الذي يُعيقُ العلمَ والحضارةَ.

 

ألا يَعلمُ هؤلاءِ المساكينُ أنَّ الحَضارةَ الإسلاميةَ في عُصورِ ظُلماتِ أوروبا كانتْ قد بلغتْ أوجَّها، ووصلتْ مَجدَها، ودعوني أنقل لكم كلامَ القومِ، حتى يكونَ الشَّاهدُ من أهلِها.. نقلَ المؤرخُ الفرنسيُّ الشَّهيرُ سديو في تَاريخِه الكَبيرِ، الذي أَلَّفَهُ في عِشرينَ سَنةٍ، بَحثًا عن تَاريخِ المسلمينَ، وعَظيمِ حَضارتِهم، ونَتاجِهم العِلميِّ الهَائلِ، يقولُ: "ولقد كَانَ العَربُ والمسلمونَ -بما قَاموا به من ابتكاراتٍ عِلميةٍ- ممن أرْسَوا أَركانَ الحضارةِ والمعارفِ، نَاهيكَ عَمَّا لهم من إنتاجٍ، وجُهودٍ عِلميةٍ، في مَيادينِ عُلومِ الطِّبِّ، والفَلكِ، والتَّاريخِ الطَّبيعيِ، والكيمياءِ، والصَّيدَلَةِ، وعُلومِ النَّباتِ، والاقتصادِ الزراعيِّ، وغيرِ ذلك من أنواعِ العلومِ التي ورِثناها نحنُ الأوروبيينَ عَنهم، وبحقٍّ كَانوا هم مُعلمينا والأساتذةُ لنا".

 

والأعجبُ من ذلكَ أنَّ هذه الحضارةَ نشأتْ في وقتٍ قياسيٍّ مُقارنةً بالعلومِ التي وصلوها، والاختراعاتِ التي اكتشفوها، حتى أَبدى البَاحثُ اليَهودي فرانز روزانتال إعجابَه الشَّديدَ، ودهشتَه البَالغةَ، لسموِّ الحضارةِ الإسلاميةِ، وسُرعةِ تَشكُّلِها، فيَقولُ: "إنَّ تَرعرعَ هذه الحضارةِ، هو مَوضوعٌ مُثيرٌ، ومن أكثرِ الموضوعاتِ استحقاقًا للتَّأملِ والدراسةِ في التَّاريخِ، ذلك أنَّ السرعةَ المذهلةَ التي تَمَّ بها تَشكُّلُّ وتَكوُّنُ هذه الحضارةِ، أَمرٌ يَستحقُ التَّأملَ العَميقَ، وهي ظَاهرةٌ عَجيبةٌ جِدًّا في تَاريخِ نُشوءِ وتَطوِّرِ الحضارةِ.. ويمكنُ تَسميتَها بالحضارةِ المعجزةِ، لأنَّها تَأسستْ وتَشكَّلتْ وأَخذتْ شَكلَها النِّهائيَّ بشكلٍ سَريعٍ جدًّا، ووَقتٍ قَصيرٍ جِداً، بحيثُ يُمكنُ القَولُ: إنِّها اكتملتْ وبَلغتْ ذَروتَها حَتى قَبلَ أن تَبدأ".

 

بل إنَّ حضارةَ الإسلامِ العظيمةَ كانتْ هي السببُ فيما وصلَ إليه الغربُ اليومَ من التَّطوِّرِ والصِّناعةِ، يقولُ الباحثُ روبرت بريفولت: "إنَّ معظمَ النشاطِ الأوربي في مجالِ العلومِ الطبيعيةِ إلى القرنِ الخامسِ عشرَ الميلادي، كانَ مستفادًا من علومِ العربِ ومعارفِهم"، والشَّهاداتُ في ذلكَ كثيرةٌ جداً.

 

ودعوني أسألكم: هل سمعتُم يوماً أنَّ عالماً للفيزياءِ أو الكيمياءِ أو الفلكِ أو الطّبِّ قد حاكمَه علماءُ الشَّريعةِ على اكتشافاتِه العلميةِ الصَّحيحةِ؟، أم أنَّ علماءَ العلومِ المتنوعةِ كانوا ولا زالوا محلَّ تقديرٍ وإجلالٍ في دينِنا الحنيفِ، بل هم على ثَغرٍ عظيمٍ من القيامِ بفرضِ الكفايةِ في مجالِهم، حتى تكتملَ قوَّةُ الإسلامِ العلميةِ كما تكتملُ القوَّةُ العسكريةُ، تحقيقاً لقولِه -تعالى-: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)[الأنفال: 60].

 

أقولُ ما تَسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ الحليمَ العظيمَ لي ولكم وللمسلمينَ، ويا فوزَ المستغفرينَ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

اللهمَّ لكَ الحمدُ كلُّه، ولكَ الملكُ كلُّه، وبيدِك الخيرُ كلُّه، وإليكَ يَرجعُ الأمرُ كلُّه، عَزَّ جارُك، وجَلَّ ثناؤك، ولا إلهَ غَيرُك، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ الغنيُّ الحميدُ، يَفعلُ ما يَشاءُ، ويَحكمُ ما يُريدُ، له الحمدُ في الأولى والآخرةِ، وله الحكمُ وإليهِ تُرجعونَ.

 

أما بعدُ: أيُّها الأحبَّةُ! ماذا لو قلتُ لكم أنَّ السَّببَ الحقيقيِّ في تخلُّفِ حضارةِ المُسلمينَ، هو ضَعفُ الإسلامِ والدِّينِ، أتعلمونَ لماذا؟.. لأنَّ الإسلامَ الصَّحيحَ هو الذي يُشجِّعُ العلماءَ والمُخترعينَ، ويسعى إلى تحصيلِ الكفايةِ العامةِ في جميعِ الميادينِ، بل ويُصحِّحُ نيَّةَ العملِ لربِّ العالمينَ، وهذا الذي حدثَ في عُصورِ النَّهضةِ، ثُمَّ لمَّا ضَعفَ التَّمسكَ بالإسلامِ وانتشرتْ المُنكراتُ، وأصبحَ التَّقديرُ والعطاءُ للمغنِّينَ والمُغنِّياتِ، واستبدلَ الخليفةُ العُلماءَ بالتَّافهينَ والسَّفهاءِ، سقطتْ الحضارةُ، بل سقطتْ الدَّولُ.

 

ولكن أليسَ هذا الفجورُ موجوداً في بلادِ الكفَّارِ؟، بلى، ولكنَّهم سعوا لتحقيقِ الحضارةِ واتَّخذوا لأجلِ ذلكَ الأسبابَ الدُّنيويةَ، فأعطاهم اللهُ ما أرادوا، وقد قالَ اللهُ -تعالى-: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ)[هود:15]، وحيثُ إنَّ نيتَّهم الدُّنيا فقط، فقد ذمَّهم -سبحانَه- بقولِه: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)[الروم: 7].

 

فحتى تعودَ حضارةُ الإسلامِ، لا بُدَّ من تعظيمِ وتوقيرِ العُلماءِ في جميعِ العلومِ النَّافعةِ، لا بُدَّ أن يُفرَّغوا للعلمِ والاختراعاتِ، ويُعطَوْا لأجلِ ذلكَ كِفايتَهم، لا بُدَّ للأجيالِ أنَّ ترى العالمَِ والمُخترعَ هو صاحبُ المقامِ العظيمِ في المجتمعِ، وهو المشهورُ الذي يُشارُ إليهِ بالبَنانِ، وليسَ اللَّاعبينَ أو المُطربينَ أو الفنَّانينَ، حينَها ستخرجُ أجيالٌ تُعيدُ لهذهِ الأمةِ أمجادَها، وسيمدحَهم التَّاريخُ كما مدحَ أجدادَها، وسيضربُ لهم الأعداءُ ألفَ حسابٍ، وسترجعُ قيادةُ العالمِ إلى الإسلامِ، وستَنعَمُ حينَها الشَّعوبُ في سلامٍ.

 

اللهمَّ أصلِح أحوالَ المسلمينَ في كلِّ مكانٍ، اللهم رُدَّنا إلى دينِنا ردًّا جميلاً، اللهم وفِّقنا لطاعتِك والعملِ بشريعتِك.

 

اللهم من أرادَنا وأرادَ دينَنا، أو أرادَ شبابَنا، أو أرادَ نساءَنا بسوءٍ، فاخزِه في هذه الدنيا قبلَ الآخرةِ، اللهم اجعلْ عملَه في بَوارٍ، اللهم اجعل كيدَه في خَسارٍ، اللهم أرِنا فيه عجائبَ قدرتِك.

 

اللهم من أرادَ ثوابتَ دينِنا بسوءٍ فأشغله في نفسِه، اللهم من أرادَ قِيَمَنا بسوءٍ فأشغله في نفسِه، اللهم اجعله عبرةً للمُعتبِرينَ، اللهم ولِّ على المسلمينَ خيارَهم، واكفهم شرارَهم وفجارَهم يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

 

اللهم وفِّق خادمَ الحرمينِ ووليَ عهدِه لما تُحبُّ وترضى، اللهمَّ اجعلهما حصناً حَصيناً لأحكامِ الإسلامِ وجميعَ حُكَّامِ المُسلمينَ يا ربَّ العالمينَ، اللهمَّ من أرادَ بلادَ الحرمينِ أو بلادَ المسلمينَ بسوءٍ، اللهمَّ فاكفِنا شرَّه، ورُدَّ كيدَه في نحرِه، يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

 

المرفقات

الدين والعلم.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات