الخشوع في الصلاة

سامي بن خالد الحمود

2010-05-11 - 1431/05/27
التصنيفات: الصلاة
عناصر الخطبة
1/ أهمية الخشوع 2/ خشوع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والسلف الصالح 3/ حالنا مع الخشوع 4/ الأمور المعينة على الخشوع 5/ الحذر من خشوع النفاق

اقتباس

وأصل الخشوع خشوع القلب؛ مهابةً لله وتوقيراً، وتواضعاً في النفس وتذللاً.. فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر، والوجه والجبين، وسائر الأعضاء والحواس. حتى الصوت والكلام: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) [طـه: 108].

 

 

 

 

أما بعد: كان حديثنا في الأسبوع الماضي عن عمود الدين وركنه الركين.. الصلاة.. قرة عيون الموحدين، وراحة نفوس المؤمنين، وذكرنا أن الصلاة تكون راحة نفوسنا وربيع قلوبنا بتحقيق أربع مراتب:

المرتبة الأولى: المحافظة عليها جماعة في بيوت الله، وتعلق القلب بها.

المرتبة الثانية: إحسان الصلاة وإتمام أركانها وواجباتها.

المرتبة الثالثة: المبادرة والتبكير إليها.

المرتبة الرابعة: الخشوع وحضور القلب.

وقد سبق الكلام في الخطبة الماضية وما قبلها على المراتب الثلاث الأول، ولعلنا نختم الكلام في هذه الخطبة عن:

المرتبة الرابعة والأخيرة من مراتب الصلاة: الخشوع وحضور القلب.

معاشر المصلين: يقول الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:1-2]، وقال سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة:45-46].

الخشوع في الصلاة بمنزلة الروح في الجسد، ولهذا قال بعض أهل العلم: "صلاة بلا خشوع ولا حضور جثة هامدة بلا روح".

وأصل الخشوع خشوع القلب؛ مهابةً لله وتوقيراً، وتواضعاً في النفس وتذللاً.. فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر، والوجه والجبين، وسائر الأعضاء والحواس. حتى الصوت والكلام: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) [طـه: 108].

وكان من ذكر النبي في ركوعه: "خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي" وفي رواية لأحمد: "وما استقلَّت به قدمي لله رب العالمين".

وحينما رأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة قال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه".

وإذا تأملنا في صلاة سيد الخاشعين صلى الله عليه وسلم نجد أنه كان يصلي بين يدي ربه خاشعاً مخبتاً، وكان صلى الله عليه وسلم ربما صلى فبكى، فيسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

وهكذا كان الصحابة والسلف الصالح من بعده؛ فقد روي عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه أنه كان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من شدة خشوعه وسكونه. وكان ابن الزبير يصلي في الحجر، فيرمى بالحجارة من المنجنيق فما يلتفت.

وهاهو زين العابدين علي ابن الحسين إذا توضأ اصفر وجهه، وإذا قام إلى الصلاة ارتعد. فإذا سئل عن ذلك، قال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟.

وفي أحد الأيام وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله النار؛ فما رفع رأسه حتى أطفئت. فقيل له في ذلك فقال: ألهتني عنها النار الأخرى.

وقالت بنت لجار منصور بن المعتمر: يا أبت أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة؟ قال: يا بنيته ذاك منصور يقوم الليل.

سرق رداء يعقوب بن إسحاق عن كتفه وهو في الصلاة ولم يشعر، ورُدّ إليه فلم يشعر لشغله بعبادة ربه.

كان إبراهيم التيمي إذا سجد كأنه جذم حائط ينزل على ظهره العصافير.

قال إسحاق بن إبراهيم كنت أسمع وقع دموع سعيد بن عبد العزيز على الحصير في الصلاة.

هكذا كان خشوعهم.

أما نحن فنشكو إلى الله قسوة في قلوبنا وذهاباً لخشوعنا. فلم تعد الصلاة عند بعضنا صلة روحانية بينه وبين ربه تبارك وتعالى، بل أصبحت مجرد حركات يؤديها الإنسان بحكم العادة لا طعم لها ولا روح؛ فأنى لمثل هذا أن يخشع؟.

لقد صلى بعض الناس في أحد مساجدنا، ولما كان في التشهد الأخير جاءه الشيطان وقال له: يا أبا فلان إن صاحب المحل قد أخطأ في الحساب فراجع الفاتورة، إني لك من الناصحين. فصدق المسكين وأخرج الفاتورة ليراجعها أمام الناس وهو يصلي؛ فالله المستعان.

وآخرُ تراه هادئاً ساكناً؛ فما إن يكبر حتى تبدأ يداه بالعبث بغترته أو عقاله أو لحيته أو ساعته؛ ولو خشع قلبه لخشعت جوارحه.

فلا يغرنك وقوف مصليين متجاورين في صف واحد؛ فإنه قد يكون بينهما من التفاوت في الأجر كما بين السماء والأرض. وقد قال عليه الصلاة والسلام " وإن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها " رواه أبو داود وحسنه الألباني.
وهذا يدل على أن الخشوع يتفاوت في القلوب بحسب حضورها وتعظيمها لله. وبمقدار هذا التفاوت يكون تفاضل الناس، في القبول والثواب، وفي رفع الدرجات، وحط السيئات.

 

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله ..

أيها الأحبة.. كيف نخشع في صلاتنا؟

لا شك أن للخشوع أسباب كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، فنذكر أهم هذه الأسباب:

وأعظم أسباب الخشوع في الصلاة: أن يستشعر قلب المصلي الوقوف بين يدي خالقه، وعظمة من يناجيه؛ فإنه متى ما استشعر ذلك؛ خشع في صلاته، وأقبل عليها، وسكنت جوارحه فيها، واستحق المديح القرآني (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:1-2].

ومن الأمور المعينة على الخشوع: إفراغ النفس من المشاغل عند الدخول في الصلاة، فحاول -أيها المسلم- أن لا تدخل إلى الصلاة وأنت مشغول البال مشتت الفكر، وعوِّد نفسك أن تؤجل التفكير في أمورك الدنيوية إلى ما بعد الصلاة؛ ولهذا جاء في حديث أنس أن رسول الله قال: "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء" متفق عليه.

ومن الأمور المعينة على الخشوع: النظر إلى مكان السجود؛ لأنك بذلك تقيد عينيك عن الحركة والانشغال بما حولك.

ومن الأمور المعينة على الخشوع والمطلوبة في الصلاة: عدم تحريك الأعضاء؛ ومنها اليدان، وهما أكثر الأعضاء حركة.

ومن الأمور المعينة على الخشوع: أن يتدبر المصلي ما يقوله من القرآن أو الأذكار، أو ما يسمعه من الإمام.

أيها الإخوة: وليس كل خشوع محموداً، فهناك خشوع حذر منه السلف، وسموه: خشوع النفاق. قال بعض السلف: "استعيذوا بالله من خشوع النفاق". قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: "أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع".
هذا الفعل هو أقرب إلى التكلف والتصنع.. ولهذا لما نظر عمر رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: "يا هذا، ارفع رأسك؛ فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر خشوعاً على ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق".

ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية...
 

 

 

 

المرفقات

في الصلاة3

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات