الحياة الطيبة

إبراهيم بن صالح العجلان

2012-03-05 - 1433/04/12
عناصر الخطبة
1/ كل البشر يبحثون عن السعادة 2/ النور والسعادة في اتباع الوحيين: الكتاب والسنة 3/ مفتاح السعادة وأساسها في الإيمان بالله تعالى 4/ من أسباب نوال الراحة والطمأنينة والاستقرار 5/ سِرُّ الحياة الطيبة في القناعة والرضا 6/ من أعظم أبواب السعادة وأوسعها 7/ أسباب تكدُّر الحياة وتنغُّصها

اقتباس

هل تبحث عن انشراح الصدر، وطمأنينة النفس، وراحة البال؟ هل تتألم كثيراً من تراكم الهموم، وتتأفف ملياً من تتابع الغموم؟ هل تريد أن يهنأ لك العيش، وتبسم لك الحياة؟ لست وحدك ذلك الرجل، فكل من على هذه البسيطة يبحث عما تبحث عنه، ويتمنى العيش في هذه الجنة المنشودة ..

 

 

 

 

أما بعد.. فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.

هل تبحث عن انشراح الصدر، وطمأنينة النفس، وراحة البال؟ هل تتألم كثيراً من تراكم الهموم، وتتأفف ملياً من تتابع الغموم؟ هل تريد أن يهنأ لك العيش، وتبسم لك الحياة؟ لست وحدك ذلك الرجل، فكل من على هذه البسيطة يبحث عما تبحث عنه، ويتمنى العيش في هذه الجنة المنشودة.

فأين نجد هذه الحياة الطيبة المستقرَّة؟ كيف نتذوقها في أنفسنا؟ كيف نعيشها في مجتمعاتنا، ونؤمنها لأجيالنا وأبنائنا؟

أبشر أُخيَّ فكتاب ربِّك، وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم فيهما الهدى والشفاء، فمن اتبع النور الذي فيهما، وتمسك وعضَّ عليهما، أخذ بحظ وافر من العيش الهنيء، والحياة الطيبة (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[الروم:6].

لقد فقه رجالات من أئمة الإسلام هذه الكنوز في الوحيين، فطابت حياتهم، وذاقوا حلاوتها، وأحسوا بنشوتها، حتى نطقت ألسنتهم بما غار في مكنوناتهم فها هو أحدهم يقول: إننا لنحس بسعادة لو يعلم بها الملوك، وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيف.

وآخر يعبر عن طيب عيشه فيقول: إنه لتمر عليَّ ساعات أقول فيها: لو أهل الجنة في مثل ما أنا فيه الآن لكانوا إذاً في عيش طيب.

يا من تطلب انشراح الصدر، وسعادة القلب.. اعلم رعاك الله أن مفتاح السعادة، وأُسَّها وأساسها هو في الإيمان بالله تعالى رباً، وخالقاً، ومدبَّراً.

إذا عرف العبد ربَّه بأسمائه وصفاته، وأنه المالك المدبِّر بيده نواصي العباد، حينئذٍ تطمئن نفسه، ويثبت جأشه، ويقوى قلبه، لأنه يعلم أنَّه يأوي إلى ركن شديد، ويحتمي بملِك عظيم، قد توكل عليه، وفوَّض أمره إليه.

ومن مقتضيات هذا الإيمان.. أن يعرف العبد أنَّ ربه تعالى قد خلقه لغاية، وأنه سبحانه شرع شرائع وحدَّ حدوداً، فمن أطاع ربه أفلح ونجح، ومن أعرض خاب وخسر، فحينئذ يعلم العبد أنَّه يعيش لهدف، ويسير إلى هدف.

فلا أمر يُحزنه، ولا شيء يقلقه؛ لأنه يسير في الدَّرب الذي رسمه له مولاه وخالقه. إنه إيمان غيبي لربٍّ ملِك عظيم، إيمانٌ يورث المحبة والرجاء والخوف، فتنطق حينها الجوارح بهذا الإيمان، فتنطلق في بحار الأعمال الصالحة، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل:97].

وحين يتعلق قلب العبد بخالقه تعظيماً ورجاء وخوفاً، وتعمل من الصالحات جوارحه اتِّباعاً وإخلاصاً، فقد أصاب العبد حينها نور التقى، وإذا استقر في القلب التُّقى، فلْيبْشُرِ العبد بعدها بالراحة والهناء، يقول الله تعالى واعداً ومؤكداً (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[يونس:62].

ووالله إنك لترى المؤمن التقي من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأسرهم قلباً، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة.

أخي المبارك.. إن ضاقت بك الهموم، وأحاطتك الغموم، فافزع إلى الصلاة، يشرح الله صدرك، ويُذهب عنك ضيق نفسك، ويرسل في قلبك نبضات الطمأنينة والأمن، عرف ذلك أعلم الناس بربه صلى الله عليه وسلم فقال: "وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة"، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وفي محكم التنزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)[البقرة:153].

إخوة الإيمان: ما أعظم الذكر، وما أسهله على اللسان، وما أثقله في الميزان، وما أنجعه لشفاء كل جنان!

فيا كل متكدِّر مضطرب متنغص، الأمان أمامك، والراحة بين يديك، فاغرُف منها كيفما شئت (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد:28].

يا أهل الإيمان: ومن أسباب نوال الراحة والطمأنينة والاستقرار، لزوم التوبة والاستغفار.
فبالاستغفار تُدفع الكوارث والقلائل (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الأنفال:33].

وبالاستغفار تستمطر الخيرات والنعم المباركات (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)[نوح10: 11].

وبالاستغفار تُدرك ألوان الزينة، وأنواع النعيم التي تهنأ معها النفوس (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [نوح 10: 12]بالاستغفار تنقشع الأحزان، وتزول الأشجان.

وأيم الله.. إنك لتجد عند المدمن على الاستغفار من طيب العيش، وتسهيل الأمور ما لا تجده عند غيره، وصدق الله ومن أصدق من الله قيلاً: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)[هود:3].

عباد الله: سِرُّ الحياة الطيبة: القناعة بالرزق، والرضا بما قسم الله، وإذا رُزق العبد القناعة أشرقت عليه شمس السعادة، وما قلَّ وكفى خير مما كثُر وألهى.

خذ القناعة من دنياك وارض بها *** لو لم يكن لك إلا راحة البدنِ
وانظر لمن حوى الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير الطيب والكفنِ

إنَّ عدم القناعة بالأرزاق يورث الهموم والأحزان، والخوف من المستقبل الغائب، فيؤمل العبد ويؤمل حتى يغدوَ في القبر مع آماله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كَفافاً، وقنَّعه الله بما آتاه" رواه مسلم.

إخوة الإيمان: ومن أعظم أبواب السعادة وأوسعها: اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وربَّ صدقة لمسكين، أو مسحة لرأس يتيم، أو مشية في حاجة غريم تكون سبباً لدعوات لك في ظهر الغيب، تسعد معها دنيا وآخرة.

نحن نرى أنه كلما كان الإنسان أعظم بناء لمستقبله ارتاحت نفسه، وطاب عيشه، فكيف بمن يستعين على بناء الآخرة بصنائع المعروف، والإحسان إلى عباد الله، وفي الحديث " كل امرأ في ظل صدقته يوم القيامة " رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

يا كلَّ طالب للحياة الهنية: كظم الغيظ، والعفو عن المسيء سببٌ لنوالها والتلذذ بطعمها، فأطفئ أُخيَّ نار الغضب في قلبك بماء الصفح والمسافحة، واجعلها تاجاً على رأسك، أما إن طفقت تغضب لكل كبير وصغير، وتحاسب على كل عظيم وحقير فأنت تزرع كوابيس القلق بيديك، وتتعايش بين أشباح النَّكد والهم باختيارك وإرادتك.

تيقن رعاك المولى وحباك... أن مسامحة الخلق رفعة لك بين الخلق، وصيانة لك من العداوة التي توغر الصدور، وتجعلها أفراناً مضطرمة بجمر الكراهية والحقد، وفي الحديث: "وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً" رواه مسلم.

فيا كل مسامح أبشر بالعز والرفعة، وأبشر بالرضا والمغفرة (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)[النور:22].

وأبشر أيضاً بجنة عالية قطوفها دانية، أعدها الله لعبادٍ قال عنهم: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[البقرة:134].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[الشورى 34: 35].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد فيا أيها الناس: وكما أنَّ لانشراح الصدر، وطيب العيش أسبابًا، فكذلك تكدُّر الحياة وتنغُّصها لها أسباب عدَّة ذكرها المولى سبحانه، من أعظمها وأكبرها:

- أن يختار الإنسان طريق الشقاء، وسبيل الضلال، فيقع في الشرك، أو الكفر، أو في شيء منهما، قال الله تعالى مبيِّناً حال أهل الضلال (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)[الأنعام:125]، والجزاء من جنس العمل، وما ربك بظلاَّم للعبيد، فحين ضاقت نفوسهم عن الحق والهدى، جازاهم ربهم بضيق في صدورهم، ووحشة في قلوبهم، جزاء وفاقاً (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام:125].

- ومن أسباب ضِيق النَّفْس، وكربة القلب: عصيان الخالق جلَّ جلاله، فالمعاصي تورث في القلب ظلمه، وفي الصدر كآبة، لا يشعر معها العاصي بسعادة، ولا يهنأ بعيش، وإن حصل له معها سرور فهو فرح عابر، سرعان ما يزول، وتبقى الحسرة والكَمَد.

قال ابن القيم رحمه الله: "وسِرُّ ذلك أنَّ الطاعة توجب القرب من الله، فكلما قوي القرب قوي الأُنس، والمعصية توجب البعد من الربِّ، وكلما ازداد البعد قويت الوحشة، ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوِّه للبعد الذي بينهما".

ويكفي المعصية شُؤماً أنَّ الله سمَّاها ضلالاً مبيناً (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)[الأحزاب:36].

- ومن أسباب تكدُّر العيش: الإعراض عن طاعة الرحمن، والغفلة عن ذكر الملك الديَّان، وكما أنَّ حياة القلب وأُنْسَه وطمأنينتَه بذكر الله، فإنَّ موته وقبره في الإعراض عن ربِّه ومولاه، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)[الأنبياء:124]، وهذه المعيشة الضَّنْك ذكر بعض أهل التفسير أنَّها في عذاب القبر، وذهب آخرون أنها في الحياة الدنيا، قال ابن القيم: "والصحيح أنَّها تتناول معيشة في الدنيا، وحالة في البرزخ".

فاتقوا الله أيها المؤمنون: واحرصوا على أسباب السعادة وتشبثوا بها يطيب عيشكم، وتهنأ حياتكم، نسأل الله بمنه وكرمه أن يُصلح عيشنا وحالنا في الدنيا، وأن يجعل لذتها موصولة بلذة الآخرة، وأن يُباعد عنَّا أسباب الضِّيق والعناء، وأن لا يجعلنا من أهل دار الشقاء.

 

 

 

 

 

المرفقات

الطيبة1

الطيبة - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات