الحفيظ

إبراهيم بن صالح العجلان

2012-07-05 - 1433/08/15
عناصر الخطبة
1/ أشرف العلم وأعلاه 2/ معاني اسم الله الحفيظ 3/ من صور حفظ الله للعباد 4/ كيف يحفظ العبد ربه؟ 5/ ثمرات الإيمان باسم الله الحفيظ قولاً وعملاً 6/ إياك أن تجعل الله أهون الناظرين إليك 7/ لماذا خُذلت الأمة وكيف تستعيد عزها ومكانتها؟!

اقتباس

وإذا حفظ المولى سبحانه عبده فهي السعادة التي ليس فوقها شيء، وهي الأمنية التي تصغر دونها الأماني.. إذا حفظ الله عبده كلأه بعينه التي لا تنام وكساه بصونه الذي لا يرام.. وأعظم الحفظ وأكرمه وأشرفه أن يحفظ المولى على عبده قلبه من الزيغان ويحرس عليه دينه من الكفر والنفاق والطغيان، نعمة وأيّ نعمة يوم أن يثبت العبد على صراط الله وهدى رسول الله أمام...

 

 

 

 

إخوة الإيمان: هل حديث أحسن من الحديث عن الله جل جلاله وتقدست أسماؤه؟ وهل مجلس أروع وأذكى من مجلس يُعظّم فيه الخالق سبحانه؟ وهل ثمة علم أشرف من العلم بأسماء الله وصفاته.

هذا العلم الذي فرطنا في طلبه، وقصرنا في تفهمه حتى فترت بذلك عباداتنا، وتجرأت على الخطايا جوارحنا، إنه لا يستقيم إيمان العبد حتى يعرف ربه بأسمائه وصفاته..

لذا كان الحديث عن أسماء الله وصفاته في كلام الله تعالى قد جاوز ذكر الجنة ونعيمها والمعاد وأحواله كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وما ذاك إلا لأن العلم بأسماء الله وصفاته يدعو إلى عبادة الله وتعظيمه وخشيته وشكره ومحبته..

قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180]، وقال سبحانه: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: 65].

وهذه وقفة إخوة الإيمان مع اسم من أسماء الملك الديان نتفهم معانيه ونتأمل أسراره ونتطلب آثاره.

"الحفيظ " اسم من أسماء الله الحسنى تضمن صفة الحفظ، ومعناه يدور على العلم والإحاطة والصيانة والرعاية.

سمى نفسه سبحانه بهذا الاسم في مواضع من كتابه، قال تعالى: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [سبأ: 21]، وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) [الشورى: 6].

وعرف هذا الاسم الحسن أنبياء الله تعالى، فقال هود عليه السلام لقومه: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [هود: 57]، وقال يعقوب لبنيه: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].

حفظ الله سبحانه خلقه بعنايته وصانهم برعايته (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) [الأنبياء: 42]، ومن حفظه لخلقه أن أمسك سمائه أن تقع على أرضه، وثبت بعد ذلك هذه الأرض بالجبال الراسيات أن تميد بأهلها، حفظ هذا كله بلا مشقة ولا كلفة (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]، (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [فاطر: 41].

ومن حفظ الله تعالى أن حفظ وحيه وأمره في سمائه من كل مسترق وشيطان (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) [الصافات: 6- 7] (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: 32].

وحفظ المولى سبحانه الأشياء كلها (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [القمر: 53] (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) [ق: 4]، حفظ على العباد أعمالهم وأقوالهم في كتاب أحصاه الله ونسوه (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) [النبأ: 29] أوكل هذا الحفظ إلى ملائكة كرام (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) [الطارق: 4] (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10- 12].

وحفظ الحفيظ اللطيف كتابه العظيم الشريف عن كل تغيير وتبديل وتحريف وصانه عن كل تقديم وتأخير وتصحيف (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].

وحفظ الحفيظ العليم دينه ورسالة نبيه الكريم وجعلها باقية إلى يوم الدين (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 33].

فهذا إبراهيم عليه السلام رأى حفظ الله تعالى يوم ألقي في النار فجعلها الله له بردًا وسلامًا، هذا الحفظ ناله يوسف عليه السلام حينما راودته زوجة الملك فهمَّ بها فحفظ الله له دينه فصرف عنه السوء والفحشاء.

وعرف هذا الحفظ يونس بن متى (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فجاءته العناية الإلهية (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 87- 88].

وتجلت هذه العناية مع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فآواه ربه يتيمًا، وأعلى ذِكره كبيرًا، وحفظه من كيد الفجار وتآمر الأشرار حتى بلّغ دعوة ربه وأنزل عليه فيما أنزل (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [الزمر: 36] (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: 67].

إخوة الإيمان: وإذا حفظ المولى سبحانه عبده فهي السعادة التي ليس فوقها شيء، وهي الأمنية التي تصغر دونها الأماني.. إذا حفظ الله عبده كلأه بعينه التي لا تنام وكساه بصونه الذي لا يرام.

وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهن أمان

وأعظم الحفظ وأكرمه وأشرفه أن يحفظ المولى على عبده قلبه من الزيغان ويحرس عليه دينه من الكفر والنفاق والطغيان، نعمة وأيّ نعمة يوم أن يثبت العبد على صراط الله وهدى رسول الله أمام طوفان الشبهات ورياح الشهوات.

قنوات تهدم ومسلمات تهدم *** باطل يقدم وحق يكمم
ورويبض يُسَنَّم وفي دين الله *** وعلماء شرعه يلمز ويجترئ ويتكلم

فتن وأهواء لا يثبت أمامها ولا ينجو من حبائلها إلا من حفظه الله بالإيمان وعصمه بالتقوى..

تأمل أخي في حال كل هالك، وانظر شأن من سقط في تلك المهالك تجد من غوى بأدنى شبهة أو ضل بأقل شهوة، فرحماك رحماك (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].

يا أهل الإيمان: حفظ الله وعنايته سبيل ميسور، ومسلك سهل مذكور سنة الله تعالى وحكمه أن الجزاء من جنس العمل، إن في الثواب أو العقاب (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: 40] (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152] (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) [الحشر: 19].

فإن رام العبد حفظ الله فليحفظ حق الله وليحفظ أوامر الله، وليحفظ حدود الله.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " احفظ الله يحفظك"، وأعظم ما يحفظ العبد من حق ربه هو تجريد التوحيد لرب العالمين فلا يشرك مع ربه أحدًا، ولا يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغيره سبحانه.. قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا".

احفظ الله يا عبد الله.. بالمحافظة على ما أمرك الله بالمحافظة عليه، وأخصها هذه الصلاة (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238].

واحفظ الله يا عبد الله في طهورك إسباغا وإتماماً فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".

واحفظ الله يا عبد الله في لسانك وسمعك وبصرك، فلا تسخرها في الحرام، فإنها جوارح مستردة ونعم مستوفاة (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36].

واحفظ الله يا عبد الله في فرحك فصنه عن الآثام فقد أمرك به ربك وخاطب فيك إيمانك (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ..) [النور: 30].

ومدح سبحانه الحافظين فروجهم (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) [المؤمنون: 5] ووعدهم بالأجر العظيم والمغفرة الواسعة (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 35].

واحفظ الله يا عبد الله بالتقرب إلى الله بأنواع النوافل وسائر المستحبات، ففي الحديث القدسي يقول ربك جل جلاله: "وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ورجله التي يمشي بها ويده التي يبطش بها".

والمعنى عباد الله: أن الله تعالى يحفظ لعبده جوارحه فلا يسمع ولا يبصر إلا في الحلال ولا تمتد يده ولا تسعى رجله إلا فيما يرضي الله.

واحفظ الله يا عبد الله في خلواتك وجلواتك فلا تجعل الله أهون الناظرين إليك واستح من نظر الواحد القهار (شاشات القنوات ومواقع النت) وتذكر دائمًا (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) [الرعد: 10].

ويتأكد حفظ الله يا عبد الله إذا ضربت الشبهات والشهوات أطنابها وصلب عودها وكثر سوقها، هنا يمم وجهك شطر السماء، وألحح مسألتك لرب البشر أن يحفظ عليك دينك من هذه الفتن ويصون إيمانك..

فقد كان من دعوات المصطفى صلى الله عليه وسلم: "اللهم احفظني بالإسلام قائما واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا ".

إخوة الإسلام: وإذا حفظت الأمة دين ربها وعظمت شرعه وحكمت شريعته حفظ الله لها عزها وقوتها ومكنها في أرضه (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128]، هذا وعد من الله ومن أوفى بعده من الله، قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا..) [النور: 55].

وبقدر تضييع الأمة لأوامر الله ودينه وشرعه وشريعته تتخلى عنهم عناية الله ومدد السماء وما ذلت أمة الإسلام في دهرنا يوم ذلت إلا حينما استنصرت ولاذت بالآخر ونسيت أوامر الأول والآخر وتعامت عن حساب اليوم الآخر.. وصدق الله ومن أصدق من الله قيلا (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].

بارك الله لي ولكن في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ..

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد وكفى والصلاة والسلام على عبده المصطفى وعلى آله ومن اجتبى.

أما بعد إخوة الإيمان: ومن عجيب حفظ الله تعالى لعبده: أن يحفظه في ذريته من المكاره والأذى والشرور والردى، قال تعالى (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [النساء: 9]، وقص علينا ربنا خبر الغلامين اليتيمين الذين حفظ الله لهما كنزهما بسبب صلاح أبيهما.. قال سعيد بن المسيب لابنه ناصحا ومذكرا: "إني لأزيد في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك".

وقال الخليفة العادل في مملكته: عمر بن عبدالعزيز: "ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه".

وقال ابن المنكدر: "إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.."

ومن حفظ الله في حال القوة والشباب حفظه ربه إذا كبر وشاب، أبو الطيب الطبري عالم عابد همام قد جاوز المائة عام متعه الله بالعقل والقوة وحسن القعود والقيام، فسُئل عن ذلك فقال: "هذا جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظهما الله تعالى علينا في الكبر (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].

عباد الله: صلوا بعد ذلك على خير البرية وأذكى البشرية.. اللهم صل على محمد..
 

 

 

 

 

المرفقات

2

- مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات