الجمل في موصلة العمل

خالد بن علي أبا الخيل

2017-07-16 - 1438/10/22
عناصر الخطبة
1/ الكرامة في الطاعة ولزوم الاستقامة 2/ خطر النكوص عن الطاعة والعودة للمعصية 3/ فوائد مواصلة الأعمال والاستمرار عليها 4/ كثرة طرق الخير وقلة السالكين 5/ نماذج رائعة في الاستمرار على الطاعة والبعد عن المعاصي

اقتباس

عباد الله: إن دوام العمل الخير الكثير يثمر الأجر الكبير، بطريقةٍ لا تكلف الكثير، إنما هو الدوام واتصال المسير، فقليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع، وأحب الأعمال إلى الله وإلى رسوله أدومها، وكان...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الكبير المتعال، أحمده سبحانه وفق من شاء بمواصلة التواصل به والاتصال.

وأشهد أن لا إله إلا الله رغب بمواصلة العبادة بعد رمضان بالأعمال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد المداومين بالصالحات والفِعال وجميع الخصال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين دهرهم عبادةٌ واتصال.

 

أما بعد:

 

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإن تقواه أعظم العواصم في زمن القواسم، وأعظم المغانم في دار الغنائم، لعمرك ما ينال الفضل إلا تقيٌ القلب محتسبٌ صبور.

 

من النعم التي منَّ الله علينا بها: إكمال الصيام، وشهر القرآن والقيام، وأتم لنا شهرنا خير ختام، فصمنا وقمنا، وقرأنا وتصدقنا، وتهجدنا ودعونا، ومن كل خيرٍ يا ربنا أوليتنا، فالحمد لله على ما هدانا وأعطانا، ووفقنا وأولانا.

 

إن من أعظم المنن على الإنسان: أن يُرزق الاستقامة على صالح الأعمال، وأفضل الخصال أن يواظب ويلازم عبادة الكبير المتعال، وإذا حُبب للمرء الاستقامة على الطاعة، كُره له المعصية والإضاعة فهو الموفق التقي.

 

ومن كان على المعصية عاكفًا، وعن الطاعة ناكفًا فهو المحرم الشقي، لقد فارقنا بالأمس شهر رمضان المبارك، الذي ملئ ليالينا نورًا بالقيام، وحشا أيامنا بهجة بالصيام، وعفوًا ومغفرةً من الذنوب والآثام، وعلمنا الانتصار على النفس ومغالبة الهوى، ودلنا على سبيل الرشاد وجادة الهدى.

 

إن الاستقامة على الطاعة ومواصلة العبادة؛ كما يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، فواصلوا واستقيموا، واصبروا وصابروا.

 

أيها المسلمون: كثيرٌ من الناس في رمضان صلوا وعملوا، وقاموا وتهجدوا، وللإيمان ذاقوا، وللأُنس فرحوا، ثم لما خرج رمضان فتروا، وعن الطاعات كسلوا، وللمعاصي نكصوا بعد أن كانوا محافظون على الجمع والجماعات، ويحرصون على إفطار الصائمين والصائمات، وكانوا قائمين لبذل المعروف والصدقات، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.

 

أيها الصائم: كيف يسوغ لمن ذاق طعم العبادة، ولذة الطاعة، وارتدى ثوب الهداية أن يطعم مرارة الذنوب والقساوة، ويرتدي ثوب الانتكاس والغواية!

 

ولما سُئل بعض السلف عمن يتعبدون في رمضان، فإذا انسلخ رمضان تركوا! قال: "بئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان"، وصدق -رحمه الله- فأين آثار الصيام؟! وأين دروس القيام؟! وأين التربية السلوكية والتهذيبات النفسية؟! فالمرء لا يتقيد بشهورٍ وأعوام، ولا لياليٍ وأيام، بل رب شعبان ورمضان وشوال هو الملك العلام، وإنما تأتي مواسم الطاعات للمنافسة والمسابقة إلى الجنات، فتتضاعف الجهود وتزداد العبادات وطاعة المعبود، فهي مواسم وغنائم، وطاعاتٌ وكرائم.

 

أيها المسلمون: إنه لا يُقصر في العمل إلا من خدعه الأمل، ولا يدع الاستقامة على الخير والعبادة إلا من سول له الشيطان فأطاعه، وإلا لن يُعدم أهل الاستقامة توفيقًا ونجاحًا، وفوزًا وفلاحًا، ولذةً وانشراحًا.

 

أيها الإخوة المباركون: تقبل الله منكم ما قمتم به في شهركم.

 

إن مواسم الخيرات ما زالت متوالية، ونفحات الكريم ما برحت متتالية، فمتى تقاصرت همتك وضعفت عزيمتك؛ فاعلم أن الأعمال الصالحة لا حصر لها، وأن لذة الإيمان لا قيد لها، فمن تحسر على ذهاب رمضان فإن العمل الصالح في الميدان، ومن حزن على ما فاته من رمضان فأبواب الرحمن في كل زمان، فالصلاة والصدقة، والإحسان والقراءة، والتهجد والدعاء، وبذل المعروف في سائر الأعوام، والمؤمن لا يحده وقتٌ أو زمان، أو قيدٌ أو مكان، بل يمثل قول الملك الديان: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99].

 

إن مواصلة الأعمال لدليلٌ على حب الخير والاتصال، وللتواصل فوائدٌ وخصال.

 

من فوائد الاتصال بالكبير المتعال: أنه علامةٌ على الإيمان: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30]، وفي الحديث: "قل آمنت بالله ثم استقم".

 

ومن فوائد المداومة على الأعمال: أنها أحب إلى الكبير المتعال؛ ففي الحديث الصحيح: "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل"، وكذا محبوبٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد سأل مسروقٌ عائشة -رضي الله عنها-: أي العمل أحب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: "أدومه" (متفقٌ على صحته)، والاتصال بالعبادات هو منهج الأنبياء والصالحين: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [الأنبياء: 90]، فقد كان عمل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- دائما: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ) [الأحزاب: 21].

 

ومن فوائد اتصال الأعمال: اتصال القلب بالخالق وتعليق القلب به؛ لأن العبد لا ينفصل عن عبادة فبالتالي قريبٌ إلى ربه متصلٌ بخالقه.

 

ومن الفوائد في المواصلة: تعهد النفس عن الغفلة والنسيان، فالمداوم والمواصل في يقظةٍ وإحسان.

 

ومن فوائد المداومة: أنها سببٌ للسلامة والعافية في أوقات المضائق وحصول الطوارئ؛ ففي صحيح السنة: "أعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة".

 

ومن فوائد الاتصال -أيها الرجال-: أنها سببٌ لمحو السيئات، ومغفرة المعاصي والخطيئات، فالعبد يُخطئ بالليل والنهار: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: 114]، "وأتبع السيئة الحسنة تمحها".

 

ومن فوائد الاتصال بالعبادة: أنها سببٌ لحسن الخاتمة -رزقني الله وإياكم حسن الخاتمة-، فقد أجرى الكريم عادته أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات عليه بُعث عليه.

 

ومن فوائد المواصلة على الطاعة: أن من كان يداوم على عملٍ، ثم انقطع عنه لعذرٍ شرعيٍ كمرضٍ وسفرٍ كُتب له أجر ذلك العمل، ولو لم يعمله سنين؛ فقد جاء في البخاري: "إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا"، فمن منعه مانع ولولا المانع لعمله أعطاه الله نيته: "إنما الأعمال بالنيات"، فجاء عن عائشة -رضي الله عنها- عند النسائي مرفوعًا: "ما من امرئٍ تكون له صلاةٌ بليلٍ فغلبه عليها نومٌ إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه".

 

ومن الفوائد: دوام الامتثال والافتقار للواحد القهار ومنها؛ تكثير الحسنات وجمعها قبل عائقٍ يعيق عنها.

 

ومنها: سببٌ للمتاع الحسن، وسلامة العمر من الفتن والمصائب والمحن.

 

فيا عباد الله: بادروا أعماركم بأعمالكم، وحققوا أقوالكم بأفعالكم، واغتنموا الأوقات بالأعمال الصالحات، فلقد يسر الله لكم سبل الخيرات، وفتح لكم أبواب الطاعات، ونوع لكم طرق العبادات من ذكرٍ وصلوات، وحجٍ وعمرةٍ وصدقات، وبرٍ وإحسانٍ وتلاوات، ومعروفٍ وصلةٍ وقضاء حاجات، واستغفارٍ وتوبةٍ وتسبيحٍ وتفريج الكربات.

 

أيها المسلمون: إن طرق الخير كثيرة، فأين السالكون! وأبوابها مفتوحة فأين الداخلون؟! ونوافذها ممنوحة فلا يزيغ عنها إلا الهالكون.

 

تأملوا -بارك الله فيكم-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200]، وتأملوا: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت: 35]، وتأملوا: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69]، وتأملوا: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: 6].

 

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، وجعلني وإياكم من أهل الخير والحكمة، وصلى الله وسلم على خير أمة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله على ما أنزل على رسول الله، فاستقم كما أمرت، وأشهد أن لا إله إلا الله، جعل ثواب من استقام الجنة دار الخلد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، القائل: "قل آمنت بالله ثم استقم"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

عباد الله: إن دوام العمل الخير الكثير يثمر الأجر الكبير، بطريقةٍ لا تكلف الكثير، إنما هو الدوام واتصال المسير، فقليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع، وأحب الأعمال إلى الله وإلى رسوله أدومها، وكان عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ديمة.

 

إنه الصدق -عباد الله- كما يكون في الأقوال يكون في الأفعال.

 

وحقيقة الصدق مع الله: امتثال أوامر الله، ولزوم عبادته وطاعته، ومصدقًا قوله فعله.

 

إنه التطبيق الواقعي، والمنهج التربوي السلوكي.

 

تأملوا: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) [الأنفال: 70].

 

إنه الصدق الصادق، وتأملوا قوله سبحانه: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: 18] أثمر الصدق السكينة والراحة والفتح من الله.

 

وتأملوا: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) [محمد: 21]، فمن ثمار الصدق: وجود الخيرية، والصدق والإخلاص ركني ذلك التوحيد كالركني للبنيان.

 

أيها الإخوة: اسمعوا إلى هذه النماذج السلفية، والصور المشرقة الحيوية، وتطبيق العلم والعمل بمصداقية، وحرصٍ دؤوب وجديدة سواء في باب الطاعات والعبادات، أم في باب ترك الذنوب والسيئات، فهل لنا في هؤلاء القوم أسوة، وبالصفوة الكرام قدوة، وتشحذوا الهمة إلى العمل والقمة؟ ففي مسلم تقول أم حبيبة -رضي الله عنها- لما حدثت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى اثنتي عشر ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة"، قالت: "ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وقال عنبسة الراوي عنها: "ما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة"، وقال عمرو بن أوس: "ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة"، وقال النعمان بن سالم: "ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس"، هكذا سلسلةٌ في العمل والتربية الحسنة.

 

ولما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًّا وزوجته فاطمة: أن يقولا كل ليلة: "سبحان الله ثلاث وثلاثين، والحمد لله ثلاث وثلاثين، والله أكبر ثلاث وثلاثين"، قال عليٌ: تطبيقًا واستمرارًا "فما تركتهن بعد"، قال له رجلٌ: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين" (رواه أحمد والدارمي بسندٍ صحيح).

 

وقال ابن عُمر: "ما تركت استلام هذين الركنين في شدةٍ ولا رخاء منذ رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستلمهن" (متفقٌ عليه)، وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "أوصاني حبيبي -صلى الله عليه وسلم- بثلاثٍ لن أدعهن ما عشت: بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر"، وتقول عائشة -رضي الله عنها- لما قال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لكن أحسن الجهاد وأجمله حجٌ مبرور"، قالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

 

ولما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل"، قال ابن عُمر: "ما تركت قيام الليل بعد هذا".

 

هكذا -عباد الله- القوم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، طبقوا وامتثلوا فكانوا أئمة صدقٍ، يرجون الدرجات العالية، والمنازل والغرف الرفيعة الغالية.

 

وفي جانب المعاصي اسمعوا إلى صدق القوم والثابت الراسي، قال أبو بكر -رضي الله عنه-: لما قيل له: "هل شربت الخمر؟ قال: لم أشربها لا في الجاهليةٍ ولا في إسلام"، وقال أبو عاصم الضحاك: "منذ عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا"، وقال البخاري صاحب الصحيح: "ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها"، وقال عُمر بن عبد العزيز -عليه رحمة الله-: "ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله"، وقال القاسي بن قيس -رحمه الله-: "ما كذبت منذ احتلمت، وقال: والله ما كذبت كذبةً قط منذ اغتسلت" (يعني وجب عليه الاغتسال)، وقال زيد بن علي زين العابدين -رحمهم الله-: "والله ما كذبت كذبةً منذ عرفت يميني من شمالي، ولا انتهكت محرمًا منذ عرفت أن الله يعاقب عليه".

 

ومن الصور المشرقة: ما جاء عن شقيق بن سلمة -رحمه الله- قال: "قال أخي عبد الرحمن بن سلمة ما كذبت منذ أسلمت، إلا أن الرجل يدعوني إلى طعامه فأقول: ما اشتهيه، فعسى أن بكيت"، ولما كان أبو سفيان بن الحارثة على فراش الموت بكى أهله، فقال ومن مقاله: "لا تبكوا عليَّ والله ما عصيت الله منذ أسلمت".

 

رحم الله تلك الأشباح، وأنار تلك الأرواح، ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الفلاح والصدق والإخلاص والنجاح.

 

هذا، وصلوا وسلموا على أفضل من طلع عليه الصبح ولاح، وغرد قمريٌ وناح: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

المرفقات

الجمل في موصلة العمل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات