الجدية في الحياة

ياسر الطريقي

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ أهمية الجدية 2/ الأمر بالجدية في القرآن والسنة والحث عليها 3/ من مجالات الجدية 4/ معاول هدم الجدية 5/ قواعد مهمة للجادين في الحياة 6/ أمور جدية وأمور هزلية

اقتباس

التسويفُ، وتَبْدِيدُ العُمُرِ وإِضَاعَةُ الأوقات، ومُصَاحَبَةُ البَطَّالِين، والاستغراقُ في المباحات، والإكثارُ من الكماليات، معاولُ هَدْمٍ تُوهِنُ بِنَاءَ الجِدِّيَةِ في النُّفوس، وتَصْدَعُهُا، فَلْيَحْذَرْهَا الجادُّ ولْيَجْتَنِبْهَا. إن الجِدِّيَة صفةُ المسلمِ البارزةُ في جميعِ شُؤونِ الحياة، وفي كُلِّ المَجالات، تَعْمُرُ الأوقات، وتَحْكُمُ التَحَرُّكَات، نَحْتَاجُ اليومَ إلى الجِدِّيةِ في زَمْنٍ ..

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله، من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

أيها المؤمنون: المسارعةُ والمبادرةُ في الخير، والجدُّ والاجتهادُ في العمل صفةٌ يَتَّسِمُ بها أولو العزمِ والحزم، وذوو الهمةِ العالية.

 

وقدوةُ الجادين، وإمامُ المُبادرين هو سيدُ المرسلين، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، والجِدِّيَةُ خَلَّةٌ من خِلالِ أهل الإيمان، وأولياءِ الرحمن الذين امْتَدَحَهُم ولِيُّهُم في كتابِه، فقال: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:61]، أَيْ: يُبادرون بالطاعات في أولِ وَقْتِها، فمتى ما بَدَتْ لهم فُرْصَةُ خَيْرٍ تعجلوا إليها، وهمُّوا بها.

 

نتحدثُ اليومَ عن الجِدِّيَة؛ لأنَّ العُمُرَ قَصِير، واللُّبْثَ في هذِه الدُّنيا يسير، فلا بُدَّ مِنْ الجِدِّ والاجتهاد لِنُدْرِكَ المُرَاد، ونُبَادِر لِنَسْعَدَ يومَ الحصاد:

 

إذا أنتَ لم تَزْرَعْ وأَبْصَرْتَ حَاصِدًا *** نَدِمْتَ على التَّفْرِيطِ في زَمْنِ البَذْرِ

 

وهكذا يأمُرنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بالمُبادرةِ إلى الأعمالِ الصالحةِ قَبْلَ تَعَذُّرِها والاشتغالِ عنها بما يَحْدُثُ من الفِتَنِ المُتكاثرةِ المتراكمةِ كَتَراكُمِ ظَلامِ الليلِ المُظْلِم، كما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ".

 

عبادَ الله: الجِدِّيَةُ مطلبُ حَياة؛ لأنَّ الواجبات أَكثَرُ من الأوقات، فلا بُدَّ من الجِدِّ في اسْتِثْمَار أوقاتِنا لِنُؤَدِّيَ أَمانَاتِنا، ونَقُومَ بمسؤولياتِنا، ونَصِلَ إلى غَاياتِنا.

 

نَحْتَاجُ اليومَ إلى الجِدِّيةِ في زَمْنٍ أَكْثَرَ فيهِ فِئَامٌ من الناسِ الهزْلَ واللهْو، وتوسعُوا في المُباحات، حتى أَشْغَلَتْهُم عن الواجبات، فَضْلاً عن المندُوبَات، واستثْقَلُوا العَمَل، وأَطَالُوا الرُّقُود، واستعذَبُوا القُعُود، ورَكَنُوا إلى السُّكونِ والجُمُود، والنَّفْسُ كالماءِ تَأْسَنُ بالرُّكُود:

 

إني رأيتُ وقُوفَ الماءِ يُفْسِدُهُ *** إنْ سَاحَ طَابَ وإنْ لمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

 

ومَنْ تَدَبَّرَ القرآنَ وَجَدَ الدعوةَ إلى الجِدِّيةِ في التَمَسُّكِ بالكتابِ، وأَخْذِهِ بِقُوةٍ واجتهاد، والأَمْرَ بالعملِ والمبادرةِ إليه، والنهيَّ عن الأقوالِ التي لا رَصِيدَ لها من الأفعال، والتحذيرَ من التفريطِ والإهمال.

 

ومَنْ تَأَمَّلَ أحداثَ السيرةِ العَطِرَة، ونُصُوصَ السُنَّةِ الشريفة وَجَدَها تُؤَكِّدُ تِلكَ المعاني القرآنية، وتُبَيِّنُها، فالنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جَادٌّ، يأمرُ بالجدِّ وتَرْكِ الكَسَلِ، ويَدْعُو لِحُسْنِ العمل، ففي صحيح مسلمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَال: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ".

 

ويحثُّ -صلى الله عليه وسلم- على الجدِّ في عِمَارَةِ الأرضِ، واسْتِغْلالِ كُنُوزِهَا، واستِثْمَارِ الطاقاتِ البشريةِ، وتَوْظِيفِ مَلَكَاتِها ومَوَاهِبِها، ويقولُ كما في البخاريِّ وغيرِه عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: "مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بها"، ويقولُ كما في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". وفي المسندِ عن أنس -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ".

 

وعلى نَهْجِهِ وهَدْيِهِ سَارَ السلفُ، فحَبَّذُوا العملَ، وكَرِهُوا البَطَالةَ والكَسَل، أُثِرَ عن الفاروقِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أنه قال: "إني لأَكْرَهُ أَنْ أَرَى أَحَدَكُم سَبَهْلَلا، لا في عملِ دُنْيَا، ولا في عملِ آخِرَة". ورُوِيَ نَحْوُه عن ابنِ مسعودٍ -رضي الله عنه-.

 

عبادَ الله: الجِدِّيَةُ صفةُ المسلمِ البارزةُ في جميعِ شُؤونِ الحياة، وفي كُلِّ المَجالات، تَعْمُرُ الأوقات، وتَحْكُمُ التَحَرُّكَات.

 

جِدِّيَةٌ في التمسكِ بالإسلامِ والالتزامِ بالشعائِرِ والأحكام: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162 – 163].

 

جِدِّيَةٌ في استشعارِ مَسْؤُولِيَّةِ الدعوةِ، وتبليغِها قَولاً وسُلُوكًا وعَمَلاً: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108].

 

جِدِّيَةٌ في التَّعَلُّمِ والتعليمِ، والدراسةِ والتدريس، يَجْتَهِدُ المرءُ في رَفْعِ الجَهْلِ عن نَفْسِهِ، وعن الناس، ومَنْ جَدَّ في العلمِ مُخْلِصَاً عَلا قَدْرُهُ وارْتَفَعْ: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة: 11].

 

جِدِّيَةٌ في القيامِ بمسؤوليةِ تَربِيةِ الأُسْرَةِ تَرْبِيَةً قَوِيمَة، وتَنْشِئَتِهِم تَنْشِئَةً صالحة، وتطهيرِ البيوتِ من المنكرات، وحثِّ الأهلِ والأولادِ على الاشتراكِ فيما يَنْفَعُهُم من حِلَقِ تَحْفِيظِ القرآن ودُورِ الذِّكر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم:6].

 

جِدِّيَةٌ في صُحْبَةِ الأَخْيَارِ، والتعاونِ على البرِّ والتقوى، والتَنَاصُحِ، والحُبِّ في الله والبغضِّ لله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67].

 

جِدِّيَةٌ في الأماني والتطَلُّعَات، وتَشَوُّفٌ لأعالي القِمَمِ، وشَرِيفِ المقامات، واجتهادٌ في بُلُوغِها، وصِدْقٌ في العمل، دُونَ كَلَلٍ أو مَلَلْ، وإلا أَصْبَحَتْ أَمَانِيَ كَاذِبَة، وتَطَلُّعَاتٍ زائِفة، كأولئكَ الذين تَمَنَّوا الجهادَ دُونَ صِدْقٍ في الاسْتِعْداد: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة:246].

 

وعلى المسلمِ الجَادِّ أَنْ يَلْتَزمَ بَرْنَامَجًا عَمَلِّيًا لِتَحْقِيقِ هَدَفِه وبُلُوغِ أُمْنِيَتِه، كما أرشدَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ربيعةَ بنَ كَعْبٍ الأسلمي -رضي الله عنه- حِينَ قالَ لهُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَومًا -كما في صحيح مسلم-: "سَلْ"، فَقُال: "أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ"، قَالَ: "أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ"، قال: "هُوَ ذَاكَ"، قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ".

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

أيها المؤمنون: التسويفُ، وتَبْدِيدُ العُمُرِ وإِضَاعَةُ الأوقات، ومُصَاحَبَةُ البَطَّالِين، والاستغراقُ في المباحات، والإكثارُ من الكماليات، معاولُ هَدْمٍ تُوهِنُ بِنَاءَ الجِدِّيَةِ في النُّفوس، وتَصْدَعُهُا، فَلْيَحْذَرْهَا الجادُّ ولْيَجْتَنِبْهَا، ولْيَعْلَمْ أَنَّ للجادِّينَ قَواعِدَ يسيرونَ عليها، ويَتَمَثَّلُونَها، ويعملونَ بها:

 

القاعدةُ الأولى: "اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ". قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:2-3]، وقال سبحانه: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) [البقرة:282].

 

القاعدةُ الثانية: لا تُؤَجِّلْ عَمَلَ اليومِ إلى الغَد، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:99-100].

 

وقال سبحانه: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون: 10].

 

القاعدةُ الثالثة: أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وفي صحيح البخاري أن سَلْمَانَ -رضي الله عنه- قال لأبي الدرداء -رضي الله عنه-: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "صَدَقَ سَلْمَانُ".

 

القاعدةُ الرابعة: اعْمَلْ، فإنَّ لمْ تستطعْ فَأَعِنْ غَيرَك، فإنْ لم تستطعْ، فَأمْسِكْ عن الشر، كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟! قَالَ: "يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ"، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟! قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ"، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟! قَالَ: "يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ الْخَيْرِ"، قيل: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟! قَالَ: "يُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ".

 

القاعدةُ الخامسة: ترتيبُ الأَولَوِيات والبَدْءُ بالأَهَمِّ فالمُهِم، والتدرجُ في العملِ والسعيِ للهدف، كما أرشدَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- معاذًا حين بَعَثَهُ إلى اليمن كما في الصحيحين حيثُ قال: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ".

 

ثم اعلموا -رَحِمَكُمُ الله- أَنَّ مِنَ الجِدِّيَةِ أن يكونَ للمرءِ وقتٌ يُرَوِّحُ فيهِ عن نَفْسِهِ وأهلِه وولدِه باللهوِ المباحِ المفيد، فقد سابقَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عائشةَ -رضي الله عنها-، وأَذِنَ لها أنْ تَنْظُرَ إلى الحبشةِ وهم يلعبونَ بِحِرَابِهم، وكان يُمازِحُ أصحابَه، ولا يقولُ إلا حَقًّا.

 

والجادُّ ودودٌ لطيف، هَيِّنٌ لَيِّن، قُدْوَةٌ للناسِ في جِدِّيَتِه وأخْلاقِه وحُسْنِ عِشْرَتِه.

 

وليسَ من الجِدِّيَةِ في شيء عُبُوسُ الوجهِ، وتَقْطِيبُ الجَبِين، فليسَ هذا من سُنَّةِ سَيدِ المرسلين، وفي الصحيحين عَنْ جَرِيرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلا رَآنِي إِلا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي".

 

ألا فصلوا وسلموا على خير خلقِ الله محمدِ بن عبد الله كما أمر الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وارْضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن سائرِ أصحابِ نبيك أجمعين، وعنا معهم بفضلك وإحسانك وجودك يا أرحمَ الراحمين.

 

اللهم أعز الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداءَ الدين من اليهود والنصارى والرافضةِ والعلمانيين. اللهم انصر عبادَك الموحدين في الشام وفي كل مكان، اللهم انصرهم نصرًا مؤزرًا، على عدوك وعدوهم، اللهم ولِّ عليهم خيارهم، واكفهم شر أشرارهم.

 

اللهم مُنزلَ الكتاب، مُجري السحاب، هازمَ الأحزاب، اهزمْ طاغيةَ الشامِ وحزبَهُ، اللهم اهزمهُم وزلزلهُم، اللهم إنا ندرأُ بك في نحورِهِم، ونعوذ بك من شرورِهِم.

 

اللهم وأصلح إمامنا، وولي أمرنا، وارزقه البطانةَ الصالحة التي تعينه على الحق، وتدله إليه. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم ادفع عنا الغلاء، والوباء والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا، وعن سائر بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين.

 

اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا كربًا إلا نفسته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا غائبًا إلا رددته يا حي يا قيوم.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

 

 

 

 

 

المرفقات

في الحياة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات