التعدي على الأراضي

محمد بن إبراهيم الشعلان

2022-10-12 - 1444/03/16
التصنيفات: المعاملات
عناصر الخطبة
1/ أسباب التعدي على أراضي الغير 2/ النتائج المترتبة على ذلك التعدي 3/ أربع فواقر قد تصيب المتعدي على الأراضي 4/ حرمة التعدي على الأراضي العامة ومنحها وتملكها 5/ بطلان بيع المِنَحِ قبل تخصيصها أو تملّكها

اقتباس

هذا السلوك الخاطئ -عباد الله- هو التعدي على الأراضي التي يملكها أصحابها، فيأخذونها كلها أو جزءاً منها بغير حق وهم يعلمون أنهم ظالمون ومغتصبون، فيغيرون علامات الأرض التي جعلت على حد الأرض بينهم وبين أصحابها، حتى يلتبس الأمر ويضيع الحد، ولا شك أن هذا العمل ظلم وعدوان، وفيه إثارة للفتن والشحناء، وشروع في الفساد.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وإليه ترجعون، أحمده -سبحانه- وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم ما يُسر العباد وما يعلنون.

 

وأشهد أن نبينا وقدوتنا وإمامنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- فتقوى الله خير زاد، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197].

 

عباد الله: سلوكٌ خاطئٌ وقع فيه زمرة من الناس -هداهم الله- وهو ناتج إما عن جهل بالواقع أو بالحكم، فهذا يعذر فيه صاحبه، كما قال -تعالى-: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة:286]، قال الله: قد فعلتُ. وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

 

وهذا يجب عليه أن يتثبت ويسأل أهل الذكر حتى تبرأ ذمته، قال الله -تعالى-: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:43]، وإذا لم يسأل فسوف يستمر على جهله:

إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي *** يسائل من يدري فكيف إذن تدري

 جهلتَ ولم تعلم بأنـك جاهـلٌ *** فمن لي بأن تــدري بأنـك لا تدري

 

وإما ناتج عن علم ومكابرة واستهتار، فصاحب هذا العمل على خطر عظيم، وقد عرض نفسه للعقاب والويل إن استمر على مكابرته وعناده.

 

هذا السلوك الخاطئ -عباد الله- هو التعدي على الأراضي التي يملكها أصحابها، فيأخذونها كلها أو جزءاً منها بغير حق وهم يعلمون أنهم ظالمون ومغتصبون، فيغيرون علامات الأرض التي جعلت على حد الأرض بينهم وبين أصحابها، حتى يلتبس الأمر ويضيع الحد، ولا شك أن هذا العمل ظلم وعدوان، وفيه إثارة للفتن والشحناء، وشروع في الفساد.

 

وفيه إلجاء لصاحب الأرض المغتصبة إلى واحد من ثلاثة أمور: إما التظلم عند أصحاب الشأن فتحصل المخاصمة في المحاكم، وقل أن تسلم الخصومة من السباب ورفع الأصوات والأيمان المكذوبة، وإما أن يغض الطرف ويلتزم الصمت لكون المتعدي ذا قدرة ومنعة، وإما أن يقبل ما يدفع له ثمناً لأرضه المأخوذة أو للجزء الذي أخذ منها ولو كان زهيداً لا يماثل عشر قيمتها.

 

وإني أقول لمن يفعل هذا العمل: احذر أربع فواقر أن تصيبك واحدة منها إذا استمر عدوانك وظلمك:

 

الفاقرة الأولى: التعرض للعنة من الله -عز وجل- التي مقتضاها الطرد والإبعاد من رحمة الله، ومن طرد وأبعد من رحمة الله فقد باء بالخسران والهلاك والويل والثبور. وهل يرضى المسلم لنفسه أن يكون مبعداً ومطرودا من رحمة الله أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين؟.

 

المسلم العاقل لا يرضى بذلك أبداً ولو كان الثمن نفسه الغالية التي بين جنبيه، ففي الحديث الصحيح، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة -رضي الله عنه- قال: كنت عند علي بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسر إليك؟ قال: فغضب علي -رضي الله عنه- وقال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسر إلي شيئاً يكتمه الناس، غير أنه حدثني بكلمات أربع. فقال الرجل: ما هن يا أمير المؤمنين؟ فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض"، وفي رواية: "ولعن الله من سرق منار الأرض".

 

الفاقرة الثانية: الثمن الباهظ العظيم الكبير الذي سيتقاضاه المغتصب للأرض المعتدي عليها بغير حق يوم القيامة، إنه ثمن كبير وكبير لعمل سهل ويسير على النفس! فقد ثبت في الحديث الصحيح عن سعيد -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَن ظلم من الأرض شيئاً طوقه من سبع أرضين"، وفي رواية، قال -عليه الصلاة والسلام-: "من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين"، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "شيئا" وهذا نكرة فتعم أي مقدار من الأرض، حتى ولو كان المأخوذ أقل من شبر اليد أو عقدة الإصبع.

 

وقد جاء في بعض الروايات مقيداً بالشبر، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "مَن ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين"، وفي مسند ابن أبي شيبة عن مالك الأشعري -رضي الله عنه- قال: "أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه فيطوقه من سبع أرضين".

 

الفاقرة الثالثة: إحاطة دعوة المظلوم بمن ظلمه، هذه الدعوة التي ليس بينها وبين الله حجاب، فقد ثبت في الحديث الصحيح في بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ إلى اليمن أن مما أوصى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معاذا قوله: "واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"، أي: ليس لها صارف يصرفها ولا مانع يمنعها، فهي مقبولة وإن كان المظلوم عاصياً في نفسه، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه" حسن الحافظ ابن حجر إسناده.

 

وقد ثبت في صحيح البخاري -رحمه الله- عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أنه قال لمولى له استعمله على الحمى يدعى هنيا: "يا هُني، اضمم جناحك عن المسلمين"، أي: اكفف يدك عن ظلمهم، "واتق دعوة المسلمين"، وفي لفظ: "المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة".

 

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا *** فالظلم مرتعه يفضي إلى الندمِ

تنـام عيـــنـك والمظلوم منتبـه *** يدعو عليــك وعيـن الله لم تنم

 

الفاقرة الرابعة: المحق الذي قد ينزل بالظالم في ماله بسبب هذا الغصب وهذا الظلم الذي وقع منه على أخيه، وهذا شيء مشاهد وواقع.

 

فليحذر المسلم من الظلم والاعتداء حتى لا يصاب بواحدة من هذه الفواقر.

 

واعلموا -عباد الله- أن الجزاء المرتب على من يقتطع شيئاً من أرض أخيه في حق خاص [يماثله اقتطاعه من الأراضي العامة]، لأن اقتطاع شيء من الحقوق العامة التي وضعها ولي الأمر للمصلحة العامة يعتبر ظلماً وعدوانا، وقد يكون أشد إثماً، كمن يقتطع شيئاً من طريق عام فيضيقه على السالكين، أو يقتطعه كله، أو يؤذيهم فيه بأذىً حسي أو معنوي، فيعكر عليهم سيرهم، فقد جاء في الحديث عن الحكم بن الحارث السلمي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من أخذ من طريق المسلمين شبراً جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين" حسن الحافظ ابن حجر إسناده.

 

فعلينا -عباد الله- بتقوى الله، والتعاون على البر والتقوى، ونحذر الظلم والعدوان، فإن عاقبة الظلم والعدوان وخيمة في الدنيا والآخرة.

 

وهناك أمر آخر يقع فيه الناس، وفيه تعدٍّ على الحقوق العامة التي وضعها ولي الأمر لمصلحة المسلمين، هذا الأمر هو تطبيق الأراضي الممنوحة من ولي الأمر لشخص على مرافق عامة لتكون ملكاً خاصاً له، ولا شك أن هذا عمل آثم، وتصرف يخرق الأمانة ويسيء إلى الأمانة، وإذا كان صاحب المنحة عالماً بهذا العمل فهو مشارك لصاحبه في الوزر والإثم. فليتق الله من كان يقوم بهذا العمل، ولا يضيع على المسلمين مرافقهم العامة بهذا العمل الخاطئ.

 

وأيضا،ً مما يقع فيه بعض الناس قيامهم بشراء المنح قبل تخصيصها أو بعد تخصيصها وقبل تملكها بصك شرعي، فهذا عمل غير صحيح، ومعاملة خاطئة؛ لأن من منح لم يستلم منحته بعد ويعرف مكانها ويقبضها القبض الشرعي؛ فالبيع والشراء إما أن يقع على شيء مجهول أو يقع على شيء لا يقدر البائع على تسليمه.

 

وقد ذكر العلماء أن من شروط صحة البيع أن يكون المبيع معلوماً للمتعاقدين، وأن يكون مقدوراً على تسليمه.

 

فلننتبه -عباد الله- لهذا حتى لا نقع في المشاكل التي تنتج عن هذا.

 

 

المرفقات

على الأراضي

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات