الترف والمترفون

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-04-21 - 1436/07/02
عناصر الخطبة
1/قصة جوع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه 2/ ذم أصحاب الترف والإسراف 3/ الترف داء عضال ومرض قتّال 4/ تصرفات المترفين المتهورة وغير المسئولة توقع في البلاء 5/ آثار الترف على الدول والمجتمعات 6/ وجوب الحذر من مسالك المترفين

اقتباس

إن الترف داء عضال ومرض قتّال إن استشرى في أمة ذهب بعزمها وأورثها كسلاً وخمولاً وركونًا إلى الدنيا ومحبة لها وحرصًا عليها، فلا يرتجى من أفرادها نفعًا، ولا يُنتظر منهم دفاعًا عن حق، والتاريخ يشهد بهذا..، فإن للترف أثرًا بالغًا في الدول والمجتمعات، بل هو معول هدم لطاقاتها وقدراتها، فهو يغري صاحبه بالإخلاد إلى الأرض، والخوض في الدنايا والتعلق بالمناصب والجاه والمال ونسيان معالي الأمور، وعدم المخاطرة بالنفس في طلب العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى عليه الله وملائكته والمؤمنون وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

 

 أما بعد: فوصيتي لنفسي ولإخواني تقوى الله -عز وجل- في السر والعلن، فأهل التقوى هم الآمنون يوم الفزع الأكبر، وهم المفلحون السعداء يوم يخسر ويشقى أقوام، جعلني الله وإياكم ممن يأمر بالتقوى ويعمل بأعمال أهلها، آمين.

 

أيها المسلمون: خرج النبي الكريم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذات يوم من بيته فقابله في الطريق أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقال لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أخرجكما من بيوتكم هذه الساعة؟" فقالا: "أخرجنا الجوع يا رسول الله" فقال النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم-: "وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الذي أخرجكما "، "قوموا" فقاموا معه فأتوا حائط لرجل من الأنصار فإذا هو غير موجود، فلما رأت زوجته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت مرحبا وأهلاً، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أين فلان؟" قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء.

 

فلما جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قال: " الْحَمْدُ للهِ. مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أكْرَمَ أضْيَافاً مِنِّي".

 

قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذا، وأخذ السكين ليذبح لهم فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إياك والحلوب"، فذبح لهم وأكلوا من الشاة ومن ذلك الْعِذْقِ وشربوا فلما شبعوا ورووا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" (أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة).

 

إن الله -عز وجل- يسأل عباده عن هذا النعيم سؤال تعديد النعم عليهم أين كانت، قال سبحانه (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر:8]، لما نزلت هذه الآية قال الزبير يا رسول الله وَأَيُّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ عَنْهُ ؟ وَإِنَّمَا هُمَا الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، قَالَ: "إِمَّا أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ" (أخرجه الترمذي).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أول ما يُسأل عنه يوم القيامة –يعني العبد- عن النعيم أن يقال له ألم نُصِحّ لك جسمك ونروّيك من الماء البارد" (رواه الترمذي والحاكم).

 

 وصح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال: "النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يُسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم".

 

وفي قوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء:36]، قال مجاهد فيما صح عنه "عن كل شيء من لذة الدنيا".

 

فيا أصحاب الترف، يا أصحاب الترف والإسراف تذكروا كيف كان عيش النبي -صلى الله عليه وسلم- وكيف كان عيش أصحابه، تذكروا وأنتم تنعمون بأنواع المآكل والمشارب مع قلة شكر هذه النعم ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما شبع آل محمد -صلى الله عليه وسلم- من خبز شعير يومين متتابعين حتى توفي النبي -صلى الله عليه وسلم-".

 

وقالت لعروة بن الزبير كما في الصحيحين: "والله يا ابن أختي إن كنا ننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ما أوقد في أبيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نار"، فسألها عروة قائلاً: يا خالة فما كان يعيّشكم؟ قالت "الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح وكانوا يرسلون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ألبانها فيسقينا".

 

وليس هذا فقط، فقد بل قال النعمان بن بشير في الصحيحين: " لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِّيَكُمْ -صلى الله عليه وسلم- وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ"، والدقل رديء التمر، ولو شاء -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- لسارت معه جبال الدنيا ذهبًا لكنه دعا ربه بأن يجعل رزقه ورزق آله ما يسد الرمق فقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا".

 

أيها المسلمون: حين نسمع ونقرأ مثل هذه الأحاديث، فهل هناك مكان للمقارنة بين ما نحن فيه من نعم غِزار وخير مدرار وبين هذه الأخبار، إننا لنستحي من ربنا -جل وعلا- الذي غمرنا بعطائه ونعمه ونستغفره من تقصيرنا في شكره وضعفنا في أداء حقه وإسرافنا في المآكل والمشارب بل ونشكو إلى الله من إسرافنا في الخطايا والذنوب.

 

 إننا -عباد الله- ونحن نعترف ونعرف ما جرى لخاتم الرسل والأنبياء وأكرم الخلق على الله -جل وعلا-، وما جرى لأصحابه من فقر وشدة وجوع ومسغبة، لا نقول للناس طلقوا الدنيا ووزعوا جميع ثرواتكم وأغلقوا أمكنة تجاراتكم ولا تأكلوا من الطيبات، ولو قلنا ذلك ما أطاعونا، لكننا نرغب لأنفسنا ولإخواننا أن نقرر حقيقة مهمة ألا وهي هوان الدنيا على الله، وأن الغنى ليس بكثرة المال وعظم الجاه وأن الإغراق في شهوات الدنيا هو من شأن المترفين الذين ذمهم الله في القرآن فهم المنعمون الذين يتغذون باللذات ويتناولون الشهوات قد أبطرتهم النعمة وقادهم ما فيه من سعة العيش إلى الطغيان وكفران النعم فويل لهم مما كسبوا، قال تعالى (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) [المزمل:11].

 

أيها المسلمون: إن الترف داء عضال ومرض قتّال إن استشرى في أمة ذهب بعزمها وأورثها كسلاً وخمولاً وركونًا إلى الدنيا ومحبة لها وحرصًا عليها، فلا يرتجى من أفرادها نفعًا، ولا يُنتظر منهم دفاعًا عن حق، والتاريخ يشهد بهذا.

 

 المترفون -وهم من يتنعمون باللذات الحسية سواء كانوا من علية القوم وهو الغالب أو من غيرهم- هم من يعترضون على المرسلين وأتباعهم من المصلحين ويردون دعوة الحق ويتبجحون بالأسباب المادية الفانية ويفتخرون بما هم عليه من نعيم وجاه، قال ربنا جل وعز: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ: 35-  37].

 

وقال تعالى وتقدس: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء:16]، فسُنة الله -عز وجل- أنه إذا قدّر لقرية هلاكا فإنها تأخذ بأسباب الهلاك فيعم الفسق والشر فتحق عليهم السنة الإلهية وينزل بهم الدمار بما كسبت أيديهم ويصيبهم العذاب؛ لأن الأمة حينئذ رضيت فلم تأخذ على أيدي المترفين بل تركتهم يمارسون شهواتهم المردية وأهوائهم المضلة فنشروا الفسق فأدى هذا الفسق إلى الدمار والبوار.

 

إن تصرفات المترفين المتهورة وغير المسئولة توقع في البلاء، تأملوا في قصة قارون المترف حينما وجّه له أهل الإيمان النصح فقالوا: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 76- 77]، بادر قائلاً: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)، فكانت النتيجة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ).

 

وتأمل -عبد الله- صورة من صور الترف، ألا وهي الاستخفاف بالناس استنادًا إلى الماديات الزائلة قال تعالى عن فرعون: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) [الزخرف: 51- 56].

 

وثمة صورة أخرى ذكرها الله عن المترفين، وهي ما عابه سبحانه على قوم لوط حين قال (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ)، فهم يقيمون المنتديات المحرمة في بيوتهم وفي غيرها مع ارتكاب المعاصي جهارا، والإسراف في تناول اللذات وتضييع الحقوق والواجبات، فيا بؤسًا لأهل الترف حينما يقال لهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ).

 

إن الترف -يا عباد الله- دركات بعضها أسوأ من بعض وألوان وأنواع بعضها يرقق بعضًا، فمن الناس من طغيانه وتوسعه في طلب المال إما من الحرام والمتشابه وإما إغراق في الحلال ينسيه ما خُلق من أجله ويعلقه بمباهج الحياة.

 

وقد حذر الله من ذلك في قوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد:20].

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين محذّرًا: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم".

 

ومن هذا النوع التوسع في المآكل والمشارب والتفنن في إعداد الطعام، وكثرة الحديث عنه والتفاخر به، والله تعالى لم يحرّم علينا ذلك لكن كرهه لنا وحثّنا عن الارتفاع عن جميع ذلك والتعلق بنعيم لا يزول قال سبحانه: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).

 

وسبق ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من كفاف العيش.

 ومن كلام الحكماء:

كل العيش قد جربناه *** فوجدناه يكفي منه أدناه

 

والشبع وملء البطن دائمًا يكسل عن العبادة، ويسبب عدم القدرة على صيام التطوع ويضعف الورع، ويقسي القلب، ويجلب كثرة النوم، وهو من الترف المضيّع للأوقات المنقّص للدرجات، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "من أخذ الدنيا من وجوهها المباحة وأدى واجباتها وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا فلا عقاب عليه إلا أنه ينقص من درجته في الآخرة بقدر توسعه في الدنيا".

 

قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "لا يصيب عبد من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريما".

 

وقال عمر -رضي الله عنه-: "لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم، ولكني سمعت الله عير قوم فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا)".

 

اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

 

أما بعد

فإن للترف أثرًا بالغًا في الدول والمجتمعات، بل هو معول هدم لطاقاتها وقدراتها، فهو يغري صاحبه بالإخلاد إلى الأرض، والخوض في الدنايا والتعلق بالمناصب والجاه والمال ونسيان معالي الأمور، وعدم المخاطرة بالنفس في طلب العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وإنما أهلك الرومان والفرس واليونان وأسقط بلاد الأندلس بأيدي الأعداء داء الترف وبلاء البطر، قال الله جل وعز: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص:58].

 

قال القرطبي: "البطر هنا هو الطغيان بالنعمة"، وقيل: "سوء احتمال الغنى بألا يحفظ حق الله فيه".

 

وجميعه يرجع إلى الترف الذي هو التوسع في كل شيء، حتى يدخل العبد في الدوائر الممنوعة شرعًا.

 

أيها المسلمون: واجب علينا أن نحذر من الترف، وأن نبتعد عن أعمال المترفين من بطر النعمة ونسيان الآخرة، والإغراق في الشهوات وتضييع الصلوات، والإسراف في المآكل والمشارب فسُنة الله لا تحابي أحدًا، والله يمهل ولا يهمل، وما ربك بغافل عما تعملون، والسعيد من اتعظ بغيره، والتاريخ مليء بالعبر والعظات بمن أبطرتهم النعم وقل شكرهم عليها، وأسرفوا وأترفوا، والله المستعان وحده.

 

اللهم إنا نسألك شكر نعتمك وحسن عبادتك ونسألك قلوبا سليمة وألسنة صادقة ..

 

 

المرفقات

والمترفون

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات