التحذير من تشبه الرجل بالمرأة

محمد بن صالح بن عثيمين

2015-11-07 - 1437/01/25
عناصر الخطبة
1/تعليق ابن عثيمين على تمثيل رجل لدور امرأة في إحدى الحفلات وتحذيره من ذلك 2/أصناف المشاهدين لتمثيل رجل لدور امرأة 3/مفاسد تمثيل الرجل لدور المرأة 4/دعوة الرجال إلى الاكتفاء بالتمثيليات التوجيهية المفيدة

اقتباس

أيها المسلمون: إن مما يقضى به العجب، ولا ينقضي به أن يقوم شاب رجل فضله الله على المرأة: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)[البقرة: 228]. فينزل نفسه مختارا إلى درجة المرأة ليمثلها في لباسها وهيئتها وكلامها على أن هذا الشاب، لو قيل له: يا شبيه المرأة لاستشاط غضبا، ورأى ...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الحكيم العليم الرب العظيم خلق، وقدر، وأعطى كل شيء خلقه، ثم هدى، ويسر.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلي الأعلى له الحكم، فلا مضاد لحكمه ولا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على الخلق أجمعين، أهدى الناس طريقا، وأقومهم دعوة، وأفصحهم بيانا، وأنصحهم قصدا وإرادة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه واتباعه المتمسكين بهديه، المتبعين لشريعته، المبتعدين عن اتباع الشهوات والأهواء المخالفة لذلك.

 

أما بعد:

 

ففي هذا الأسبوع عرضت في التلفزيون وقائع الحفلات التي أقيمت في الأندية في مدن "القصيم" وشاهد الناس من بين وقائع هذه الحفلات ما يقوم فيه الشباب بتمثيل المرأة في لباسها عباءة مقطع ملون خمار على الرأس، وفي كلامها وهيئتها تمثيلا متقنا كأنه المرأة تماما.

 

سبحان الله! سبحان الله! لقد كنت أتحاشى أن أتكلم عن هذا الموضوع من على هذا المنبر، ولكن:

 

إذا لم يكن إلا الأسنة مركب *** فما حيلة المضطر إلا ركوبها

 

لقد كنت أفضل أن يكون الكلام بيني وبين القائمين بهذه الأدوار، ولكن لما أصبح الأمر شائعا بين الناس الذين شاهدوا ذلك، أو سمعوا عنه كان لزاما علينا أن نبين ذلك بيانا شائعا مثلا بمثل ووفاء بعهد الله: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)[آل عمران: 187].

 

وحذر العقوبة في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[البقرة: 159 - 160].

 

وكتمان العلم إخفاؤه عندما تدعو الحاجة إلى بيانه جوابا لسؤال أو اقتضاء الحال.

 

أيها المسلمون: إن مما يقضى به العجب، ولا ينقضي به أن يقوم شاب رجل فضله الله على المرأة: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)[البقرة: 228].

 

فينزل نفسه مختارا إلى درجة المرأة ليمثلها في لباسها وهيئتها وكلامها على أن هذا الشاب، لو قيل له: يا شبيه المرأة لاستشاط غضبا، ورأى ذلك مسبة له.

 

فالله أكبر! ما هذا التناقض يغضب من قول يشبه به بالمرأة، ويراه مسبة له، ثم يحقق بنفسه تلك المشابهة، والفعل أبلغ من القول؛ لأنه أمر واقع؟!

 

إن تمثيل الشاب لدور المرأة لا يجدي نفعا، ولا يدفع ضررا، ولا يحل مشكلة.

 

إن المشاهدين له سيكونون ثلاثة أصناف: صنف يسخر به، ويحتقره، وصنف يعجب بما شاهده منه من إتقان دور التمثيل، وصنف ثالث يخطر في نفوسهم أشياء أخرى.

 

أما أن يكون صنف رابع يفكر في إصلاح المجتمع بناء على ما شاهد، فأظنه معدوما أو كقطرة من بحر. إن إصلاح المجتمع لا يكون بمثل هذه الطرق المحرمة، إن الطرق المحرمة فاسدة بنفسها: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"[البخاري (2424) مسلم (1504) الترمذي (2124) النسائي (3451) أبو داود (3929) ابن ماجة (2521) أحمد (6/213) مالك (1519)].

 

والفاسد بنفسه لا يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح، كما أن الماء النجس لا يطهر.

 

لقد أصلح الله -تعالى- بنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين الذين خلفوه في العلم والإيمان والدعوة والعمل، أصلح الله بهم شعوبا وأمما، وما سلكوا هذه الطريق وأمثالها في الدعوة إلى الله وإصلاح عباده.

 

أفلا يجدر بنا إن كنا صادقين في الدعوة إلى الله وإصلاح عباده أن نسلك طريق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وخلفائه الراشدين، لا أن ندعو إلى الله -تعالى- وإصلاح عباده بما نعصي الله به.

 

إن تمثيل الرجل لدور المرأة كما أنه لا يصلح الأمة، ولا يحل مشاكلها، فهو أيضا خطير من الناحية الشرعية، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"[البخاري (5546) الترمذي (2784) أبو داود (4097) ابن ماجة (1904) أحمد (1/251) الدارمي (2649)].

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل"[أبو داود (4098) أحمد (2/325) والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم].

 

إن النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلم بهذا الكلام، وهو يعني ما يقول، ويدرك تماما خطر ما يقول ليس بتكلم بكلام لغو عابر لا يقصد معناه، ولا يدرك خطره كلا أبدا.

 

إن معنى ما يقول هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.

 

وما أعظم خطر الطرد والإبعاد عن رحمة الله على من طرد، وأبعد إنه الخسارة في الدنيا والآخرة، إنه تخلي الله عن العبد حتى يخلو به شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء، فلا يوفق لخير أبدا، قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "لقد خاب، وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض".

 

إن القائم بتمثيل دور المرأة في مثل هذه المناسبات، كما عرض نفسه لهذا الخطر العظيم -الطرد والإبعاد عن رحمة الله- عرض الحاضرين أيضا لمثل ذلك الخطر، فإن من أقام مع العاصي حين معصيته مختارا للإقامة كان مثله، وبهذا الوعيد الشديد والخطر العظيم صار تشبه الرجل بالمرأة، وتشبه المرأة بالرجل من كبائر الذنوب التي لا بد فيها من توبة نصوح، ورجوع إلى الله صحيح، يندم فيه المرء على ما جرى منه، ويعزم على أن لا يعود.

 

فاتق الله -أيها الشاب المسلم-: في نفسك، واستغن بما أحل لك من التمثيليات التوجيهية، أو الترفيهية المباحة، ولا تشغل نفسك بما يضرك، لا تغرنك الأماني، ولا تغرنك الدنيا، فبعد الشباب هرم قريب، أو موت أقرب، وبعد الموت بعث وجزاء: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا *  وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)[النساء: 123 - 124].

 

وفقنا الله جميعا لما يحب، ويرضاه، وجنبنا ما فيه سخطه وعقابه، إنه جواد كريم.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

وصلى الله، وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

 

المرفقات

من تشبه الرجل بالمرأة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات