الانتصار على الأعداء في يوم عاشوراء

عايد بن علي القزلان التميمي

2012-11-17 - 1434/01/03
التصنيفات: عاشوراء
عناصر الخطبة
1/ قصة موسى انتصار للحق على الباطل 2/ دروس تربوية في قصة موسى وفرعون 3/ صيام يوم عاشوراء والحكمة منه 4/ كيف نصوم عاشوراء 5/ السعيد من طال عمره وحسن عمله
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

لَقَدْ أَرْسَل اللهُ موسى -صلَّى اللهُ عَلَيه وعلَى نَبِيِّنَا وإخْوَانِهما من النَّبِيين والمُرسلين- أَرْسَلَهُ بالآياتِ البَيِّنات إلى فِرْعَونَ الذي تَكَبَّر على الملأ وقَالَ: أنا ربكم الأعلى فجَاءَهُ مُوسى بالآيات البَيِّنات ودَعَاهُ إلى تَوحِيدِ رَبِّ الأرْضِ والسَّمَاوات، فَقَال فِرْعَونُ مُنْكِراً وجَاحِداً: (وَمَا رَبُّ العالَمِين)، فَأَجَابَهُ مُوسى: (هو رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)، فقال فِرْعَونُ لمن حَولَهُ ساخراً ومُسْتَهْزِئاً بمُوسَى: (أَلَا تَسْتَمِعُونَ)...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحَمْدُ لله الذي امتنّ على عباده بنبيه المرسل وكتابه المنزّل، الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسّع على ذوي الأبصار طرق الاعتبار بما بث في كتابه العزيز من القَصَصِ والأخبار، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أمَّا بعدُ:

 

فيا عِبَادَ الله: تَأمَلُوا ما قَصَّهُ الله في كتابه المبين عَنْ أنبِيائِه وأتباعهم وما حصَلَ لهُمْ من التأييد والنَّصرِ والتمكين، وما قصه عن أعدَائِه الكافرين، ومَا حل بِهِم مِنَ العذابِ والخُسرَان؛ يقول ربنا في محكم التنزيل: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

 

عباد الله: وإنَّ مِمّا قَصه الله علينا في كتابهِ قصَّةَ مُوسى -عليه السلام- مع فِرعون، تِلْكَ القِصّةَ التي تُبَينُ، انتِصَارَ الحَقّ على الباطلِ، وتَبْعثُ في قلبِ المُؤمن الثبات أمام الأعداء مهما بَلَغوا من القوةِ الظاهرة. فإنَّ قوة الباطل لا تُقَاوِم قوةَ الحق .

 

عباد الله: إنَّ فِرْعَونَ على ما أُوتِي مِن القوةِ والجَبَرُوت كانَ يَتَخَوف من ظُهورِ الحقِّ على يد خُصومه موسى -عليه السلام- ومن آمَنَ معه.

 

عبادَ الله: لَقَدْ أَرْسَل اللهُ موسى -صلَّى اللهُ عَلَيه وعلَى نَبِيِّنَا وإخْوَانِهما من النَّبِيين والمُرسلين- أَرْسَلَهُ بالآياتِ البَيِّنات إلى فِرْعَونَ الذي تَكَبَّر على الملأ وقَالَ: أنا ربكم الأعلى فجَاءَهُ مُوسى بالآيات البَيِّنات ودَعَاهُ إلى تَوحِيدِ رَبِّ الأرْضِ والسَّمَاوات، فَقَال فِرْعَونُ مُنْكِراً وجَاحِداً: (وَمَا رَبُّ العالَمِين)، فَأَجَابَهُ مُوسى: (هو رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)، فقال فِرْعَونُ لمن حَولَهُ ساخراً ومُسْتَهْزِئاً بمُوسَى: (أَلَا تَسْتَمِعُونَ)، فذكَّره مُوسَى بِأَصْلِهِ وأنَّهُ مَخْلُوقٌ من العَدَم وصائِرٌ إلى العَدَم مِثْلَ آبائِهِ الأوَّلِين، فقال مُوسَى هو: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)، وحينئذ بُهِت فِرْعَون فادَّعى دَعوَى المُكابِر المَغْبُون فقال: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)، فَرَدَّ عليه مُوسَى ذلك وبيّن لَهُ أن الجُنون إنما هو إنْكار الخَالِق العظيم فقال: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)، فلما عَجَز فِرْعَونُ عن رَدِّ الحَقِّ لَجَأَ إلى ما لَجَأَ إليه العَاجِزُون المُتَكَبِرون، فَتَوَعَّدَ موسى بالاعتقالِ والسِّجنِ وخابَ فقال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) ولَمْ يَقُلْ: لَأَسْجُنَنَّك، ليزيد في إِرْهَابِ مُوسَى، وإن لدى فِرْعَونَ من القوةِ والسُّلْطَان والنُّفُوذ ما يُمَكِّنُهُ من سِجْنِ الناس الذين سيكونُ موسَى من جُمْلَتِهم على حَدِّ تَهْدِيدِه وإرْهَابه، وما زال مُوسَى يَأتي بالآياتِ كالشَّمس، وفِرعَون يُحاول أن يقْضِي عليها بالردِّ والطَّمْسِ حتى نَاَدى في قَومِه: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ).

 

أيها المؤمنون: وكان من قِصَّة إِغْرَاقِهِم أن الله أوحى إلى مُوسَى أن يَسْرِي بِقَومِه ليلاً من مِصْرَ، فَاهْتَمَّ لذلك فِرْعَون اهتماماً عظيماً، فَجَمَع فرعون قومه وخرج في أَثَرِ موسى مُتجهين إلى جِهَة البحر: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، أي أنَّ البَحْرَ من أَمَامِنَا فَإِن دخَلْنَاهُ غَرَقْنَا، وفِرْعون وقَومَهُ خَلْفَنَا، فإن وقَفْنَا أَدْرَكْنَا -أي لَحِقَ بِنا-، فقال مُوسى: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، فلما بَلَغ مُوسى ومن معه من المُؤْمِنِينَ البَحْرَ أمر اللهُ مُوسَى -عليه السلام- أن يَضْرِب بعصاه البحر فضربه فَانْفَلَق البَحر اثْنَي عشَرَ طَرِيقًا، وصار ماء البحر بِقُدْرَة الله بين هذه الطُرُق كالجبال العظيمة، فلما تكَامَل موسى وقومه خارجين من البحر وتكامل فرعون بجنوده داخِلِين أمر الله البحر أن يعُود إلى حالهِ، فَانْطَبَقَ على فِرعون وجنوده فكانوا من المُغْرَقِين.

 

فانظروا -رحمكم الله- إلى ما في هذه القصة من العِبَرِ والآيات، كيف كان فرعون يَقتُل أبناءَ بني إسرَائيل خَوفاً من مُوسَى، فَتَربَّى موسى في بيته تحت حِجْر امرأتِه، وكيف قَابَل موسى ذلك الطاغية مصرحًا معلنًا بالحق قائلاً: ألا إن ربكم هو الله رب العالمين، فأنجاه الله منه، وكيف كان ماء البحر السَائِل شيئًا جَامِداً كالجبالِ بِقُدْرَة الله، وكان الطريقُ يابِساً لا وَحْلَ فيه في الحَال، وكيفَ أهْلَك الله ذلك الطَاِغية فِرْعَون بِمِثلِ ما كان يَفْتَخِرُ به، فقد كان يَفْتَخِر بالأنهارِ التي تَجْرِي من تحتِه فَأَهْلَكَهُ اللهُ بالماء، ولا شك أن ظهور آيات الله في مخلوقاته نعمةٌ كبرى يَسْتَحِق عليها الحمد والشكر، خصوصًا إذا كانت في نَصْرِ أولياء الله وحزبه ودَحْرِ أعداء الله وحزبه.

 

عِبَاد الله: لقد أنْجَى اللهُ مُوَسى -عليه السلام- وقومه من فِرْعَون وجُندَه في اليومِ العاشِرِ من شهرِ الله المُحَرم، وهو يوم عاشُورَاء الّذي أعزَّ الله به الحق وخذلَ الباطِلَ، فهو يوم له فضيلة عظيمة وحُرْمة قديمة، قد صامهُ موسى -عليه الصلاة والسلام- شكراً لله -عز وجل-، وصامه نبينا مُحَمَّد -صلى الله عليه وسلم- وأمر بِصِيامِه مع صوم يوم قبله أو يوم بعده، وقال النبي -صلى الله عليه وسلَّم-: "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".

 

فينبغي للمسلم أن يصوم يوم عاشوراء وكذلك اليوم التاسع وهو الأفضل، ولتحصل بذلك مخالفة اليهود التي أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بها.

 

ومن فاته صيام اليوم التاسع فليصم اليوم العاشر والحادي عشر لمخالفة اليهود، وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الإمام عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: "يجوز صيام يوم عاشوراء يوماً واحداً فقط، لكن الأفضل صيام يوم قبله أو يوم بعده، وهي السُنَّة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ". قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يعني مع العاشر". ومن صام التاسع والعاشر والحادي عشر يكون فيه فائدة أيضاً، وهي الحصول على صيام ثلاثة أيام من الشهر.

 

بارك اللهُ لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، يحقُ الحقَّ بقوته، ويذهب الباطل بقدرته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسِل بالحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيراً.

 

أمَّا بعدُ:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله، وأصلحوا أعمالكم.

 

فإن الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والسعيد من طال عمره وحسن عمله، والشقي من طال عمره وساء عمله، فعن أبي بكرة -رضي الله عنه- عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟! قَالَ: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ". قَالَ: فَمَنْ شَرُّ النَّاسِ؟! قَالَ: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ". رواه الترمذي.

 

فهل من عائد إلى الله؟! وهل من قاصد لثوابه وجنته؟! وهل من مستنصر به؟! فالنصر قريب، (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).

 

وإن في شَهر الله المحرم لذكرى لنَصْرِ الله للمؤمنين على الكافرين، فأروا الله من أنفسكم خيرًا يُنْجِز لكم ما وَعَدَكُم.

 

عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله.

 

 

 

المرفقات

على الأعداء في يوم عاشوراء

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات