الإيثار

محمد راتب النابلسي

2016-01-31 - 1437/04/21
عناصر الخطبة
1/ شروط قبول الأعمال 2/ أنشطة تجعلك تقطف ثمار الدين 3/ فضائل خلق الإيثار 4/ أعظم صور التكافل والإيثار في المجتمع النبوي 5/ قصص في إيثار السلف الصالح لغيرهم 6/ دعوة إلى الإيثار ومساعدة المسلمين

اقتباس

من هو الأعور الدجال؟ هو الذي يرى بعين واحدة، في بعض معاني هذا المصطلح، لا أقول هذا هو المعنى الدقيق، هو الذي يرى الدنيا ولا يرى الآخرة، يرى المادة ولا يرى الروح، يرى حاجاته ولا يرى قيمه، الذي يتحرك وفق شهواته لا وفق مبادئه، يسعى للدنيا ولا يسعى للآخرة، هو أعور، والدجال هو ..

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.

 

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

أيها الإخوة المؤمنون: هناك نشاطات في حقل الدين كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، ولكن ثلاثة أنشطة من هذه النشاطات تجعلك تقطف ثمار الدين:

 

النشاط الأول: نشاط لمعرفة الله -عز وجل- من خلال كتابه، وسنة نبيه، ومن خلال الكون، ومن خلال أفعاله، إذا صحت العقيدة قطعت الخطوة الأولى السليمة.

 

النشاط الثاني: أن تلتزم الأمر والنهي، أن يجدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك.. الطاعة، التقوى، الاستقامة، هذا النشاط حركي، موقف، كلمة طيبة تنطق بها أو تصمت عن كلمة لا ترضي الله، أن تعطي لله وتمنع لله، وتغضب لله وترضى لله، وتصل لله وتقطع لله، أن يكون ولاؤك للمؤمنين ولو نالك منهم أذى، وتكون براءتك للكفار والمفسدين ولو نالك منهم خير، الخطوة الثانية أن تلتزم أمر الله -عز وجل-.

 

والنشاط الثالث: أن تعمل صالحاً؛ فالعمل الصالح يرفعك ويقربك لله -عز وجل-. (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا[ سورة الكهف:110].

 

والعمل الصالح لا يقبل إلا بشرطين: أن يكون خالصاً لله -عز وجل-، ويوافق الكتاب والسنة؛ فإذا كان خالصاً قبله الله -عز وجل-، وإذا وافق السنة قبله الله -عز وجل-، وكلاهما شرط لازم غير كاف.

 

اسأل نفسك سؤالاً ماذا قدمت لله؟ ماذا قدمت بين يدي الله -عز وجل-؟ لو أن الله سألك يوم القيامة ماذا فعلت من أجلي؟ ما العمل الذي قدمته وبذلته؟ ما المال الذي أنفقته؟ ما الدعوة التي دعوت بها؟ ما الخدمة التي قدمتها؟

 

البند الثالث هو محور هذه الخطبة.

 

البند الأول أن تتعرف إلى الله من خلال كتابه، وسنة نبيه، وخلقه، وأفعاله، أي أن تصح عقيدتك أو تصوراتك، والبند الثاني أن تلتزم الأمر والنهي، وأن تستقيم على أمره.

 

أيها الإخوة الأحباب: بالاستقامة تسلم وبالعمل الصالح تسعد، والسلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان، ولا يشقى ولا يهلك الإنسان إلا بسبب خطأ في تصوره؛ لأن الإنسان مجبول على حب ذاته، وحب سلامة ذاته، وحب كمال وجوده، وحب استمرار وجوده.

 

أيها الإخوة الأحباب: متى تعطي؟ متى تنفق؟ متى تبذل؟ متى تمضي وقتاً لوجه الله؟ متى تنفق من جاهك في سبيل الله؟ متى تنفق من مالك في سبيل الله؟ متى تعمل صالحاً؟ إن لم يصح تصورك أن الله سيكافئك عن هذا العطاء أضعافاً مضاعفة لا يمكن أن تعطي؛ فالذي لا يعطي عقيدته ضعيفة، والذي لا يعطي ضعيف إيمانه ومتعلق بالدنيا.

 

من هو الأعور الدجال؟ هو الذي يرى بعين واحدة، في بعض معاني هذا المصطلح، لا أقول هذا هو المعنى الدقيق، هو الذي يرى الدنيا ولا يرى الآخرة، يرى المادة ولا يرى الروح، يرى حاجاته ولا يرى قيمه، الذي يتحرك وفق شهواته لا وفق مبادئه، يسعى للدنيا ولا يسعى للآخرة، هو أعور، والدجال هو الذي يكذب، أرأيت إلى هذا الوصف الجامع المانع لإنسان العصر الحديث، يرى الدنيا ولا يرى الآخرة، ويتكلم بخلاف الواقع، فإذا أرادوا -مثلاً- أن يقصفوا بلداً إسلامياً كان التبرير تحقيق السلام في المنطقة؛ أليس هذا منتهى الكذب والدجل؟

 

أيها الإخوة الأحباب: لا يمكن أن تعطي شيئاً إلا إذا أيقنت أن الله سيكافئك عن هذا الشيء أضعافاً مضاعفة، أنت حينما تؤمن بالآخرة تبني حياتك على العطاء، وتجعل أساس حياتك العطاء؛ لأن هذه الدنيا فرصة لا تعوض بدفع ثمن الآخرة، ثمن الآخرة يؤدى في الدنيا استقامة وعمل صالح.

 

سوف ننتزع من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرة أصحابه الأطهار ومن سيرة العلماء العاملين بعض المواقف في المؤاثرة، إما أن تكون صاحب أثرة، وإما أن تكون صاحب مؤاثرة، إما أن تبني حياتك على العطاء أو على الأخذ.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي الله عَنْه- أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي فَقَالَ هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْلَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "ضَحِكَ الله اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ الله (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:9]". (البخاري).

 

أيها الإخوة الكرام: عَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا قَالَ فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَصِيبَهُ قَالَ فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ قَالَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ.

 

فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي فَقَالَ مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ قَالَ نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ.

 

وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ قَالَ فَجَاءَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ فَقَالَ اللهمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي قَالَ فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ قَالَ فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله اشْرَبْ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله اشْرَبْ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ.

 

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ الله أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا قَالَ: فَقُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ" (مسلم)

 

دققوا في محاسبة النفس وفي موقف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!

 

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "إِنَّ الله قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ" (مسلم عَنْ عَائِشَةَ).

 

أرأيتم إلى المؤاثرة؟

 

عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنَّ الأشعريِّينَ إذا أرْمَلُوا –أي: انتهى طعامهم ونفذ - في الغَزْوِ، وقَلَّ طَعَامُ عِيالهم بالمدينة: جَمَعُوا ما كان عندهم في ثَوْب واحد، ثم اقْتَسَمُوا بينهم في إناء واحد بالسَّويَّةِ، فهم مِنِّي وأنا مِنْهُم". (أخرجه البخاري ومسلم).

 

اسأل نفسك دائماً ماذا قدمت لأخيك؟ هل قدمت له جزءاً من مالك؟ أو من وقتك؟ أو خبرتك؟ أو علمك؟

 

"مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" (البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).

 

أيها الإخوة الكرام: مرة ثانية: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، قد تداوم على مسجد ثلاثين عاماً ولا تقدم شيئاً لا من مالك، ولا من وقتك، ولا من علمك، ولا من صنعتك، ولا من خبرتك، لا تقدم شيئاً لإخوانك، "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه". "طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ" (البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).

 

وفي لفظ مسلم: "طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ" (مسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله).

 

أيها الإخوة الكرام: تصور تعامل المسلمين اليوم مع القرآن الكريم وتعامل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع القرآن ووازن بين الاثنين!

 

عن ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِي الله عَنْهم- يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَقُولُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ الله. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ" فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ تَابَعَهُ رَوْحٌ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ رَايِحٌ" (البخاري).

 

أنت حينما تقرأ آية هل تفكر أن تفعل شيئاً؟ حينما تختم ختمة في رمضان هل تفكر أن تقدم شيئاً؟ أو تعين ضعيفاً؟ أو تطعم جائعاً؟ أو تتبنى داعية؟ أو تتبنى طالب علم؟ هل تفكر أن تقدم شيئاً؟ هكذا كان أصحاب رسول الله، حينما قال الله -عز وجل-: (لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [سورة الفتح:18].

 

أخوتنا الكرام: إسلام سكوني غير موجود، الإسلام حركي وبذل وتضحية وإيثار وعطاء وعمل صالح.

 

أيها الإخوة الكرام: سيدنا عمر -رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنه- فقل لها: إن عمر بن الخطاب يقرئك السلام ثم سلها أن أدفن مع صاحبي إلى جنب سيدنا الصديق قالت: كنت أريده لنفسي فلا أؤثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. هو خليفة المسلمين وطلب إذناً من السيدة عائشة أن يدفن إلى جنب صاحبيه، وكانت السيدة عائشة قد رغبت بهذا المكان لها، فلما سألها عمر آثرته على نفسها، دققوا في الورع قال: "ما كان شيء أهم إليّ من ذلك المضجع، فإذا قبضت فاحملوني ثم اسألوا السيدة عائشة – استأذنوها- فإن أذنت لي فادفنوني، متى أراد أن يستأذنها؟ بعد الموت، هو حيّ خليفة رسول الله، أمير المؤمنين معه سلطة أما بعد الموت فانتهت خلافته وإمارته وسلطته، ينبغي أن تستأذنوها ثانية بعد الموت فإني لا أعلم أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض.

 

فمن استخلفتم بعدي فهو الخليفة فاسمعوا له وأطيعوا فسمى عثمان وعلياً وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وولج عليه شاب من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة بعد هذا كله، فقال: ليتني يا بن أخي ذلك كفافاً لا عليّ ولا ليّ، أوصِ الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيراً، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيهم بالأنصار خيراً الذين تبوؤوا الدار والإيمان، أن يقبل من محسنهم، ويعفى عن مسيئهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يوفى لهم بعهدهم، ويقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم.

 

وعن قيس بن سعد بن عبادة -رضي الله عنه-ما كان من الأجواد المعروفين حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما كان لك عليهم من الدين، قال: أخزى الله ما لا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً ينادي من كان لقيس عليه مال فهو منه في حلّ؛ فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده!.

 

أيها الإخوة الكرام: هي قصص كالخيال لكنها واقعة؛ لأن الإيمان هو الذي صنعها.

 

و عن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من مال، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه، فإذا أنا به فقلت أسقيك؟ فأشار إلي أن نعم فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي إلي أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك؟ فسمع به آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين.

 

هم يموتون وينازعون، والله لا أحب أن أروي شيئاً سلبياً، لكن أحياناً يغضب الإنسان ويتكلم بكلمة الكفر لشيء تافه جداً.

 

وعن مالك الداري أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أخذ أربعمائة دينار فجعلها في سرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، أي أعطه إياها لينفقها على نفسه، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى فقدها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل وقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية اذهبي لبيت فلان بكذا، وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فنحى بهما إليها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال إنهم إخوة بعضهم من بعض.

 

وحكي عن أبي الحسن أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى الري ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا هذه الأرغفة وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلما رفع إذ الطعام بحاله لم يأكل أحد منه شيئاً إيثاراً لصاحبه ‍‍!

 

أيها الإخوة الكرام: حينما اشتدت بعض الحالات في المدينة في عهد عمر ترك عمر أكل اللحم إطلاقاً حتى قرقر بطنه فقال عمر يخاطب بطنه: قرقر -أيها البطن- أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين.

 

وضع على مائدة سنام الناقة وقدمت إلى عمر فبكى وقال: بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها.

 

أيها الإخوة الكرام: تحدثت عن الإيثار؛ لأنه من صفات المؤمن لأن المؤمن جاء للدنيا ليعمل عملاً صالحاً، ويكون هذا العمل الصالح ثمناً للجنة التي يسعى إليها، فلا بد أن يؤثر، أما حينما يستقل كل مسلم بنفسه ولا يفكر بأن يعطي شيئاً لا من وقته، ولا من جهده، ولا من ماله، ولا من خبرته، ولا من علمه، يكتفي أن يعجب بالكلمات التي تلقى، والخطب الرنانة التي ينطق بها الخطباء، ويعجب بالكتاب الفلاني، والندوة الفلانية، والمنهج الفلاني، والعالم الفلاني، ولا يفعل شيئاً، لا شأن له عند الله، ليس في الإسلام إعجاباً سلبياً، ليس في الإسلام سكوناً.

 

حقيقة الإيمان إذا استقرت في قلب المؤمن لابد من أن تعبر عن ذاتها بعمل صالح، كما أن الوردة إن لم يكن لها رائحة فليست وردة، وكذلك المؤمن إن لم يكن له عمل صالح فلا يتمتع بحقيقة الإيمان (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) [سورة الكهف:110].

 

أيها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا؛ فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

 

أيها الإخوة الكرام: كلكم يعلم أن المسلمين في محنة، أسوق لكم هذه القصة التي هي أغرب من الخيال ومع ذلك وقعت:

 

دخل أبو عبيدة بن الجراح على بطريرك بيت المقدس بعد حصار دام قرابة أربعة أشهر من دون فائدة، فقال له: أين أميركم؟ وكان أبو عبيدة هو أمير الجيش فقال: أنا، فنظر البطريرك له بتمعن فقال: لا ليس أنت، إننا نعرف أميركم آتوني به، هو وحده من يتسلم مفاتيح بيت المقدس، فبعث ابن الجراح للفاروق يطلب منه أن يأتي هو كي يتسلم مفاتيح بيت المقدس، ويكفي المسلمين شر القتال، فشاور أصحابه فأشار عثمان بلا، وأشار علي بنعم.

 

فاستخار أمير المؤمنين ربه فذهب ابن الخطاب مع فتى له على دابة واحدة، وعمر قسم الرحلة ثلاثة أقسام: قسم يركب هو، وقسم يركب الفتى، وقسم تستريح الدابة، هل بعد هذا من عدل؟! هل بعد هذا من زهد أو خشونة أو تواضع أو رحمة؟!

 

ذهب أبو عبيدة ليستقبل عمر وجده على هذه الحالة فقال: يا أمير المؤمنين نأتيك بدابة أخرى غير هذه الدابة، فرفض عمر قال: اركب أنت مكان الغلام، النوبة كانت للغلام، فرفض عمر، فظل يدعو أن يدخل عمر الشام ودوره هو على الدابة، لقد دخل عمر الشام وفتاه على الدابة وهو يمشي إلى جانبه!

 

أيها الإخوة الكرام: جاء أبو عبيدة ببرذون -مركب وقتها كان فخماً- وهي دابة يركبها وجهاء الشام، وأتى بلباس جديد من كتان أبيض، فلما لبسها عمر وركب هذا البرذون أنكر نفسه فخلع الثياب، وأمر بلباسه، ودفع البرذون وأمر بناقته، وقال: "الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله!"

 

سيدنا أبو عبيدة يعيش في الشام قال: يا أمير المؤمنين لقد صنعت صنعاً عظيماً عند أهل الأرض فدفعه بصدره وقال: "لو أن أحداً غيرك قالها لفعلت به الأفاعيل، لقد كنتم أذل الناس، وأخفر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلب العزة بغير الله يذلك الله -عز وجل-!"

 

لا تحتاج هذه القصة إلى تعليق، المسلمون اليوم يبتغون العزة بغير الله ويبتغون العون من عند غير الله، المسلمون اليوم يلتمسون الدعم من غير الله، وينبطحون أمام أعداء الله، ويبذلون ماء وجوههم من أجل أن يسلموا ولن يسلموا، مهما ابتغينا العزة بغير الله أذلنا الله -عز وجل-.

 

خليفة عظيم يركب دابة مرة هو ومرة فتاه ومرة يريحان الدابة لم يرض أن يرتدي ثوباً أنيقاً يدل على أنه أمير المؤمنين، ولم يرض أن يركب برذوناً يدل على أنه عظيم المسلمين، لكنه اعتز بالله فأعزه الله.

 

ذهب عمر لهذا البطريرك وعندما لقيه قال: نعم هذا هو الموجود عندنا في الكتاب بصفته إنه من يتسلم المفاتيح، أجرى معهم معاهدة، دققوا في معاهدة المسلمين: عاهدهم عمر أن لهم الأمان لا يقتلون، ولا يعذبون، ولا تجري دماؤهم أنهاراً، ولا تهدم دورهم، ولا تشرد أسرهم، ولا تثكل أمهاتهم، ولا ييتم أطفالهم، ولا يذبح شيوخهم ولا تهدم كنائسهم، بل لو أرادوا أن يذهبوا لبلاد الروم فلهم الأمان حتى يصلوا، بل حتى حيواناتهم ومزارعهم وأشجارهم أخذوا عليها الأمان..

 

هؤلاء هم المسلمون الذين فتحوا بلاد الأرض والذين قال عنهم بعض المؤرخين: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب وأرحم من المسلمين.

 

أيها الإخوة الكرام: هذا التاريخ لن يعاد إلا بجهد كبير، كما قلت في أول الخطبة جهد إيماني في معرفة الله، وجهد سلوكي في طاعته، وجهد في بذل الغالي والرخيص من أجل الله -عز وجل-، أما أن نبقى على حالنا فلسنا مستعدين أن نلتزم بشيء، ولا أن نقدم شيئاً، ولا نغير شيئاً، ولا نحرك ساكناً، ولا ننفق درهماً.. نعيش كي نستمتع ونتسلى بالأخبار، ونتصدر المجالس، ونقول: فلان أصاب وفلان أخطأ وفلان خطب وما أروع خطبته، هذا الإسلام السكوني لا يعرفه أصحاب رسول الله، أرأيتم إلى مؤاثرتهم وبذلهم وعطائهم وإلى أنهم ناموا جياعاً من أجل ضيف رسول الله.

 

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت؛ فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

 

اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين.

 

اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

 

المرفقات

1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات