إلف النعمة

عبد العزيز بن عبد الله السويدان

2017-04-30 - 1438/08/04
عناصر الخطبة
1/ كثرة نعم الله على الخلائق 2/ التحذير من الغفلة عن ذِكْر النعمة 3/ مجاهدة النفس على تذكر نعم الله تعالى 4/ مساوئ نسيان نعم الله تعالى 5/ الحث على التفكر في نعم الله وشكرها.

اقتباس

كونك تشعر بأن ما فيك وما حولك هو منك ولك هذه مشكلة، أن تبصر لأنك ولدت بعينين، وتسمع لأنك تملك أذنين، وتشتري لأنك تملك المال، وتتحدث لأن لك لسانًا قادرًا على التعبير. أن تذهب للتسوق فتضع ما تريد في العربة وتدفع التكلفة وتعود لمنزلك؛ لأن هذا حقك في الحياة أن تشعر بالجوع، فتذهب إلى مطعم أو تتناول شيئًا من طعام البيت بكل هدوء وتأكل وتشبع، أن هذا أمر إنساني فطري طبيعي وهو كذلك أمر طبيعي ولكن في حياة المؤمن ينقصه بُعد آخر ينقصه التفكر...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

من صفات الله تعالى الكرم فالله الكريم، نقف عند هذه الصفة اليوم.

 

معاشر المسلمين: بعث إليَّ أحد الفضلاء مقالة قصيرة لكنها كبيرة بالمعاني التي تضمنتها ورغبت أن أعرج على تلك المعاني اليوم، إن شاء الله.

 

سمى صاحب المقال موضوعه "المرض الصامت"، وقصد به إلف النعمة والغفلة عن نعم الله.

 

من المعروف نظريًّا أن أحدًا منا لا ينكر نعم الله عليه، الكل يقر بنعمه تعالى، ولكن هذا الإقرار في شكله النظري لا يحرِّك القلب التحريك الكامل لا يحركه، يحرك الذهن؟ نعم، يحرك اللسان؟ نعم، لكن القلب يظل جامدًا.

 

وقد كان لبني إسرائيل أكبر تحذير من الغفلة عن ذكر النعمة؛ لأنهم اشتهروا بالجحود، سبحانه يقول: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 40].

 

الذكر له أكثر من معنى، الذكر بالقلب ضد النسيان، والذكر باللسان ضد الإنصات والذكر كذلك معناه الشرف، المقصود لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها.

 

قال المفسرون في النعمة التي أنعمها عليهم قولان: أحدهما عموم نعمه التي أنعم بها على خلقه، والثاني وهو قول الحسن البصري أنه أراد نعمه على آبائهم؛ إذ نجَّاهم من آل فرعون، وجعل منهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب وفجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى إلى آخرها من النعم المذكورة في سيرته.

 

وأيًّا كان؛ فإن مجاهدة النفس على تذكر نعم الله –تعالى- أمر يغيب كثيرًا، وقد أشار القرآن إلى بعض النعم، ثم ذكر خاصية تمتاز بها تلك النعم أنها غير قابلة للإحصاء ولا للعد، نعم الله لا نهاية لها، لا يستطيع أحد أن يحصيها ولا أن يعدها.

 

يقول سبحانه (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل:18].

 

يتفكرون، يعقلون، يتذكرون.. المطلوب إذاً التفكر، التذكر، والعقل، وليس مجرد القول باللسان، كونك تشعر بأن ما فيك وما حولك هو منك ولك هذه مشكلة، أن تبصر لأنك ولدت بعينين، وتسمع لأنك تملك أذنين، وتشتري لأنك تملك المال، وتتحدث لأن لك لسانًا قادرًا على التعبير.

 

أن تذهب للتسوق فتضع ما تريد في العربة وتدفع التكلفة وتعود لمنزلك؛ لأن هذا حقك في الحياة أن تشعر بالجوع، فتذهب إلى مطعم أو تتناول شيئًا من طعام البيت بكل هدوء وتأكل وتشبع، أن هذا أمر إنساني فطري طبيعي وهو كذلك أمر طبيعي ولكن في حياة المؤمن ينقصه بُعد آخر ينقصه التفكر (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) [سبأ: 46].

 

التفكر ليس عملية ذهنية معقدة أبداً، ولا هي شاقة، بل هي من أسهل وأسرع ما يكون في أجزاء أجزاء الثانية، فقط دع قلبك يشاركك النعمة، اترك قلبك يشاركك النعمة نعمة الأكل، نعمة الملبس، نعمة الصحة، نعمة الأمن، نعمة العقل، نعمة الكلام، نعمة السمع والبصر وغيرها من النعم.

 

الخوف يا أخي ليس من عدم إقرار النعم والاعتراف بها، الخوف هو من إلف النعم بحيث تنسى كونها نعمة، وتتصور أنها حق لك فحسب.

 

الخوف من أن يغفل قلبك فتنسى أنه لولا الله ما كنت ولا تنفست ولا أمنت ولا هنأت بطعام أو شراب، لولاه ما تكلمت ولا سمعت ولا فتح لك أي باب.

 

وهو المعنى الصريح الصحيح لعبارة التفويض الكاملة التي طالما رددت ولم يستشعر حقيقة ومعناها "لا حول ولا قوة إلا بالله".

 

الحول سابق كل حول والقوة مستغرقة كل قوة، لا حول ولا قوة إلا بالله، عيب أن تأكل دون أن تذكر بين فترة وأخرى من يبيتون جوعًا لا يملكون الطعام، أو لا يستطيعون أكله من شدة المرض، فتحمد الله أن من عليك ومكنك.

 

أن تتذكر أنك لا تملك سمعك ولا بصرك، قد من يرزقكم (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ) [يونس: 31]، الله هو الذي يملك سمعك وبصرك، أنت لا تملكه هو الذي يملكه ويملك كل ما فيك فتبصر وتسمع وتتكلم بإذنه تعالى وبفضله ومنه تبارك وتعالى وفي لحظة الإيمان تتذكر من فقد هذه النعم فتحمد الله.

 

أن تقف في طابور أمام محاسب المتجر، وتدفع مشترياتك، فتحمد الله أن مكَّنك من الاقتناء من التملك من الشراء، ثم تعود لمنزلك سالمًا، فتحمد الله على بيت قدره الله أن يؤويك وأسرتك، ترتاح فيه، تسعد فيه، تنام فيه قال تعالى (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) [النحل: 80]، هو الذي جعل من البيوت سكنًا -جل وعلا-، والسكن مشتق من السكون وهو القرار.

 

أسأل الله تعالى ممن فقدوا بيوتهم من إخواننا المسلمين أن يرد عليهم هذه النعمة.

 

معاشر الإخوة: الانغماس في الحياة يحدث نوعًا من التخدير يُنسي النعم والمنعم الجليل، فإننا ننام بالليل ثم نصحو لصلاة الفجر باكرًا قبل طلوع الشمس، فإذا أشرقت شمس الصباح وطلع النور مضى كلٌّ إلى وجهته، وخرجوا من بيوتهم ملايين البشر وأكثر في نور الصباح وتحت شمس مشرقة، مشهد يتكرر كل صباح، ألفناه حتى ما عاد يمثل لنا آية من آيات نعمه -جل وعلا-.

 

مَن أيقظهم مِن نومهم؟ مَن مكَّنهم مِن السعي خارج بيوتهم؟ مَن سخَّر لهم الشمس تنير لهم الطريق؟ مَن يشكر هذه النعم، بل مَن يستشعر ويتفكر فحسب؟!

 

عجبًا للإنسان إن تكرار النعمة ينسيه إياها، وينسيه شكر منعمها، وكأن لسان حال الإنسان يقول هذه الشمس التي تبث الحياة في الأرض هي من حقي، ويجب أن تطلع كل صباح، وينسى أنها هبة من الخالق -تبارك وتعالى- ولو شاء منعها من الإشراق.

 

منطق عجيب، ولكنها الحقيقة ألا ترون القرآن كتاب الله يذكر بهذه النعمة المتكررة التي ألفناها حتى نسينا كونها نعمة؟

 

في سورة القصص يقول -جل في علاه- في نعمة الصباح (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ) [القصص:71].

 

ويقول في نعمة الليل الذي نسكن فيه وننام (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [القصص:72].

 

وبعدها بيَّن -جل وعلا- أن ذلك كله من رحمته (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [القصص:73].

 

معاشر الإخوة: أليس من المشتهر أن أحدنا لو افتقد نعمة اعتاد عليها يصبح ساخطًا متذمرًا، وكأن حقًّا من حقوقه سُلب منه، خذوا على سبيل المثال: لو أدار أحدنا صنبور الماء صباح يوم ما ولم يجد الماء العذب يخرج منه، يغضب ويتذمر ويتأفف ولو كان يشكر الله كل يوم على نعمة الماء لما تذمر؛ لأن الأصل أننا لا نملك من هذا الكون شيئًا، وما نحن فيه من نعم غامرة هو استثناء من هذا الأصل، فالله خالق كل شيء ومالك كل شيء ونحن لا نملك أي شيء.

 

ولذا ورد ذكر الماء أكثر من مرة في القرآن، وهو دليل على أن الإنسان ينسى ويألف وأنه يحتاج إلى التذكير بهذه النعمة يقول سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ) [الملك:30]، ويقول سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ) [الواقعة:69].

 

الماء لا نملكه والليل لا نملكه والصباح لا نملكه، كل هؤلاء من نعم الله ألفناها حتى نسينا أنها نعم تستحق الشكر.

 

أيها المسلمون: ينبغي معالجة الغفلة والاجتهاد في التفكر في أنفسنا، وما مكنا فيه من حيازته من أغراض في هذه الدنيا وفي الكون من حولنا وما به من نعم، ونذكر نعمة الله ونقاوم الإلف الذي قسى قلوبنا وجعلنا بعيدين عن عبادة التفكر والشكر (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة:164].

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين...

 

 

المرفقات

النعمة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات