أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟

عبدالعزيز بن حمود التويجري

2021-03-05 - 1442/07/21 2021-03-23 - 1442/08/10
عناصر الخطبة
1/قصة ضمام بن ثعلبة مع النبي -عليه الصلاة والسلام- 2/عظم تواضع النبي -عليه الصلاة والسلام- 3/رقي تعامل النبي -عليه الصلاة والسلام- 4/أهمية الصدق في الدعوة إلى الله.

اقتباس

أصبح ضمام داعية وموجها مربيا من دورةٍ ومدرسةٍ لم تتجاوز بضعَ دقائق!, تعلم منها خمس أحكام تحمل مباني الإسلام العظام, فخرج وهو يردد: والله لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -عليه الصلاة والسلام-: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ"...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله على ما أولى وهدى، وأشكره على ما وهب وأعطى، لا إله إلا هو العلي الأعلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. 

 

أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب70-71].

 

قال أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟, فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ, فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ!, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "قَدْ أَجَبْتُكَ", فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ؛ فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟, فَقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ", فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟, فَقَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ", قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟, قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ", قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟, قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ", قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟, فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ نَعَمْ", قال: وعَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قال: "نعم"، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ثم قال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ"(أخرجه البخاري ومسلم).

 

لا أحد أعلى من النبي -صلى الله عليه وسلم- نسبًا ولا حسبًا، ولا أرفع منه جاهًا ومنصبا، ولا أحد أكرم منه خُلقًا وعلما, ومع هذا إذا جلس مع أصحابه لا يُعرف أيهم هو؟! ليس عليه لباس يُشهِره أو حُجّابُ على بابه!, لا يغضب إذا نودي باسمه, ولم يلقب بألقاب ترفعه؛ بل رد على من بجّله وقال له: أنت سيدنا وأعظمنا طولا؛ قال: "قولوا بقولِكم، أو بعضِ قولِكم، ولا يَسْتَجْريَنَّكم الشيطانُ".

 

النفوس الكبار لا تحتاج إلى مسميات تُعَرِفُها, أو ألقابُ تَرْفعُها, لا يضرها مظاهرها إذا ارتفعت قيمتُها الدينيةِ والخُلقية, ولا ينخفض معدلها في ميزان السماء إذا لم يُبرقها لمعان الإعلام، أو تُشهرها وسائل اتصال.

 

مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟", قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟", قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَن لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ لَهُ, فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ هَذَا"(أخرجه الْبُخَارِيُّ).

 

علو النفس وقيمتها حينما تسمو عن الترهات، سموُ تأنف معه النفس أن تلج موارد العطن، من أجل مشرب أو نظر, قيمة النفس تأبى أن تهين كرامتها في تهريج وسخف، أو متابعة فريق تغضب لخسارته, أو تُذل نفسه من أجله.

 

لَا تَسْقِنِي مَاءَ الْحَيَاةِ بِذِلَّةٍ *** بَلْ اسْقِنِي بِالْعِزِّ كَأْسَ الْحَنْظَلِ

 

السمو حيما تتعلق بنور السماء، وترتدي طهر الحياء, قالَ ضِمامُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ؛ فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ, فَقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ", دورة عملية تطبيقية مثالية في تنزيل الناس منازلهم، واحتواء طبائعهم، وخفض الجناح لسائلهم!.

 

الدورات التدريبية في التعامل، والكلام المنمق والتشدق في المقال لغو إذا لم يجسد في الحياة؛ "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ, إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ".

 

واحلمْ وإنْ سفهَ الجليسُ، وقلْ لهُ *** حُسْنَ المَقَالِ إذَا أتَاكَ بِهُجْرِهِ 

وَأحَبُّ إخْوَانـي إليّ أبَشَّهُـم *** بصديقهِ في سرهِ أو جهرهِ 

لا خيرَ في برِّ الفتى ما لمْ يكنْ *** أصفى مشارب برهِ في بشرهِ

 

وأكرم من تعامل بحسن وإن جفا الأقربون. 

 

إِذَا أَكَلُوا لَحْمِي وَفرْتُ لُحُوْمَهُمْ *** وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدَا

لَهُمْ جُلَّ مَالِي إِنْ تَتَابَعَ لِي غِنًى *** وَإِنْ قَلَّ مَالِي لَا أُكَلِّفُهُم رَفْدَا

 

الأخلاق الكبار وسماحة النفس ومعرفة قيمتها لَا تَأْتِي فَجْأَةً، وَلَا تُدْرَكُ جُمْلَةً؛ بَلْ هِيَ أَخْلَاقِيَّاتٌ وَتَرْبِيَةٌ تُبْذَرُ فِي النفوس، حَتَّى تشب معها وتتطبع بها, قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ"(أخرجه مسلم).

 

أستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات فاستغفروه؛ إن ربي رحيم ودود.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِهِ الْمُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اجْتَبَى. 

 

أَمَّا بَعْدُ: مسك الختام  في قول ضِمَامُ: "آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي", أصبح ضمام داعية وموجها مربيا من دورةٍ ومدرسةٍ لم تتجاوز بضعَ دقائق!؛ تعلم منها خمس أحكام  تحمل مباني الإسلام العظام, فخرج وهو يردد: والله لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -عليه الصلاة والسلام-: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ".

 

المسألة ليست طول تعليم وارتقاء في مناصب، أو حمل شهادات واجتياز مقابلات، حتى يكون معلمًا وداعية؛ السر: "لَئِنْ صَدَقَ"، ما جزاء هذا الصدق؟؛ "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ"، الصدق في التعليم والتوجيه والدعوة, لا يُعَلِّم ويدعو لينال رتبة؛ إنما يُعلِم لينال الجنة.

 

الصدق في أخذ الأحكام والعمل بها كما جاءت, لا كما تهوى النفس, صدقُ في إقامة الصلاة؛ "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي", صدق في أداء الزكاة, طيبة بها النفس؛ "تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ", صدقٌ في الصيام؛ "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ", صدقٌ في الحج؛ "الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ".

 

الملخص والخاتمة: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ"؛ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].

 

اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص في أقوالنا وأعمالنا, وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ, اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ, رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

 

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

المرفقات

أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات