أيتام بين آبائهم

سامي بن خالد الحمود

2011-06-26 - 1432/07/24
عناصر الخطبة
1/ مظاهر ضعف تربية الأولاد 2/ حسن التعامل مع رفقة الولد 3/ بعض الآباء يحول بين ابنه وبين الاستقامة ومرافقة الصالحين

اقتباس

استمع إلى مشاعر هذا الشاب الذي يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا, وقد سجن أربعَ مراتٍ في دار الملاحظة بسبب قضايا سرقة يقول: والدي يكرهني ويطردني من البيتِ لأي سببٍ تافه, وإذا ذهب إلى المناسبات تركني لوحدي في البيت, إنه لا يعدل بيني وبين إخواني, وإذا أخذتُ منهم شيئًا ضربني, وهذه الدار أرحمُ لي من أبٍ يطردني..

 

 

 

 

عندما تحدثنا قبل أسبوعين عن حق الوالدين، قال لي بعض الشباب: أليس لنا حق؟ هل من وصية للآباء في حق أبنائهم؟ فأقول: كيف لا، والله تعالى هو الذي يوصي الآباء بقوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: 11].

إنّ مهمة تربية الأولاد مهمّة عظيمة، ولاسيما في هذا الزمان الذي تلاطمت فيه أمواج الفتن، واشتدت غربة الدين، وكثُرت فيه دواعي الفساد، حتى صار الأب مع أولاده بمثابة راعي الغنم في أرض السِباع الضارية، إن غفل عنها أكلتها الذئاب.

ونحن نسمع بأنواع من الجرائم والانحرافات التي يقع فيها الشباب، فإن من أهم أسباب انحراف الناشئة ما يقع في بعض الأسر من ضعفٍ وقصورٍ في تربية النشء, هذا القصور له مظاهرُ شتى في أسرنا, منها:

إهمال الوالدين تربيةَ أولادهم، وغفلتُهم أو تغافلهم عن هذا الواجب العظيم الذي جعله الله أمانة في أعناقهم، سيُسألون عنها يوم القيامة، والله –تعالى- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6], كيف نقيهم النار؟ بتعليمِهم، وتربيتِهم التربيةَ الصالحة، فإذا لم نَقُم بهذا الواجب فلا نلمَّ إلا أنفسَنا.

في بحث ميداني، التقينا بشاب عمره تسعة عشر عامًا، سُجن خمسَ مراتٍ في عدةِ قضايا، آخرُها قضيةُ سلب، يقول: كان والدي يتعاطى المخدرات ثم طلق أمي، وبعد زواج أمي برجلٍ آخر بقيتُ لوحدي مع جدّي, ثم يقول: كان لعدم وجود الرقيب على تصرّفاتي أثرٌ كبيرٌ في انحرافي.

نعم, في بعض البيوت، تلفَّت الأبناء حولهم فرأوا أنفسهم كاليتامى، بل أشد، فاليتيم قد يجد من يعطف عليه، أما هؤلاء فإنه كثيرًا ما يُغفل عنهم، كما قال الشاعر:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من *** هم الحياة وخلّفاه ذليلًا
إن اليتيم هو الذي تلْقى له *** أُمًّا تخلّت أو أبًا مشغولًا

ومن مظاهر قصور التربية:

القسوة والكبت، والحرمان الذي ينتهجه بعض الآباءِ والأمهاتِ في تربية أولادهم، وقل مثلَ ذلك في التفرقةِ وعدمِ العدل بين الأولاد.

هذه الأمور لها أثرٌ خطيرٌ على سلوك الولد؛ إما بالتمرد والعصيان، وإما بالعنف والعدوان على الآخرين.

استمع إلى مشاعر هذا الشاب الذي يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا, وقد سجن أربعَ مراتٍ في دار الملاحظة بسبب قضايا سرقة يقول: والدي يكرهني ويطردني من البيتِ لأي سببٍ تافه, وإذا ذهب إلى المناسبات تركني لوحدي في البيت, إنه لا يعدل بيني وبين إخواني, وإذا أخذتُ منهم شيئًا ضربني, وهذه الدار أرحمُ لي من أبٍ يطردني إلى الشارع.

والتقينا بشاب آخر, عمره ستة عشر عامًا, يقول: علم والدي أني أدخن, فقام بسبي وضربي في الشارع أمام الناس، فهربت إلى زملائي وجلست عندهم أسبوعين.

ومن مظاهر قصور التربية أيضًا:

الدلالُ المفرط, وضعفُ جانب المنع والوقاية في الأسرة, في بعض الأسر، ما إن يصيحُ الصغير، أو يلحُّ الكبير، حتى تُحقّقَ رغباتُه، وتُلبى طلباتُه.

يقول أحد الشباب المقبوض عليهم في جريمة سرقة: كان أهلي يوفرون لي كلَّ ما أريد, ولا يمنعوني من شيء, بل كان أبي يعطيني ويقول: "خلوه، اللي عقله في رأسه يعرف خلاصه".

ومن مظاهر قصور التربية:

القدوة السيئة, وذلك بأن يقع أحدُ الوالدين في الرذيلة، فيقتدي به الأولاد.

أذكر أني قبل سنوات, التقيت بأحد المدمنين في مستشفى الأمل, سألته عن سبب إدمانه، فقال: دخلت يومًا على والدي وهو يتعاطى الهيروين, طلبت منه ببراءة أن يعطيَني مما معه فنهاني وطردني, وفي يوم آخر رأيت والدي على تلك الحالة فألححت عليه أن يعطيني, فأعطاني شيئًا من الهيروين، وقال: اذهب إلى الغرفة الأخرى ولا تتعاطاه أمامي.

ومن مظاهر قصور التربية:

التفكك الأسري وكثرة الخلافات بين الزوجين, وحالات الطلاق التي تحدث في بعض الأسر, وهذا له أثر كبير على الأولاد.

شاب عمره سبعة عشر عامًا موقوف في قضية سرقة يقول: سبب قيامي بالسرقة هو وجود مشاكلَ عائليةٍ في المنزل, فأضطرُّ إلى الخروج من المنزل ولا أعود إلا بعد ثلاثة أيام.

ومن مظاهر قصور التربية أيضًا:

طول غياب الوالدين عن المنزل, وهذا أمر يقع فيه كثير من الآباء والأمهات, فالوالد مشغول بعمله أو تجارته أو جلساته وسهراته مع الزملاء والأصدقاء, والوالدة مشغولة بعملها أو زياراتها لصديقاتها، ومجالس القيل والقال.

التقينا بشاب عمره سبعة عشر عامًا موقوف في قضية سرقة يقول: بعد طلاق أمي من أبي عشت أنا وإخواني مع أبي؛ أبي سائق أجرة, فكان يغيب عنا طويلًا, بدأت في الانحراف, وتركت المدرسة, ثم تعلمت السرقة والمخدرات.

وهذا آخر يبلغ من العمر ستة عشر عامًا موقوف في قضية اختطاف يقول: كان والدي يوفر لي كل ما أطلب, حتى جهاز الحاسب اشتراه لي لكي أجلسَ في المنزل, لكنه كان مشغولًا بالمقاولات والأعمال الخاصة, فكنت بمجرد أن يخرج من المنزل أخرج وراءه.

الرسالة العاجلة لكل الآباء والمربين هي: ضرورة الاهتمام بالتربية وإصلاح النشء, هل أنت تهتم فعلًا بتربية أبنائك وبناتك، وعلى أي منهج تربيهم؟.

بعض الآباء يقول: أنا أربي أبنائي أحسن تربية، يأكلون أفضل الطعام والشراب، ويلبسون أفخر الثياب، ويتمتعون بأرقى أسباب المعيشة.

سبحان الله!! أهذه هي التربية؟.

أحد الأغنياء قبض على ولده في قضية سرقة سيارة, وما إن خرج الولد حتى عاد في قضية سرقة أخرى, ولما استدعي الأب، سأله محدثي وهو أحد المشرفين الأفاضل بدار الملاحظة عن سبب وقوع ولده في السرقة عدة مرات مع أنه من الأغنياء, أهو البخل أم ماذا؟.

فقال الأب للمشرف: قل للولد يطلب أي سيارة يريدها وأنا على استعداد لشرائها له الآن, لكن يكفّ عن سرقة السيارات.

فردّ عليه المشرف وقال: دعك من هذا، لكن أجبني بصراحة ما هو برنامجك؟ فقال: أعود من العمل فأستريح، ثم أخرج لأعمالي الخاصة وقد أتأخر إلى الليل, أما أبنائي فأنا مقصّر في جانبهم.

فقال المشرف: هذا هو سبب انحراف ولدك.

إن هذا الولد لم يكن يسرق لحاجة أو قلة مال, بل كان يسرق لفساد خلقه وافتقاده الرعاية الأبوية التي تمنعه من الشر وأهله.

أيها الإخوة: إن أبناءنا لا يريدون أموالنا فقط، بل يريدون منا كذلك حبّنا وعطفنا ورعايتنا وهذا لا يكون إلا بتربية الروح بالعلم والأدب وغرس الفضيلة.

فيا أيها الآباء, ويا أيها المربون, ويا أيها المسؤولون عن التعليم: الله الله في التربية الإيمانية, التربية التي أخرجت للأمة علماء وقادة لم يتجاوزوا العشرين سنة؛ كأسامة الذي قاد جيشًا فيه أبو بكر وعمر, وكان عمره قرابة الثامنة عشر.

 

عبّاد ليل إذا جنّ الظلام بهم *** كم عابدٍ دمعَه بالخـدِّ أجـراه
وأسد غاب إذا لاح الجهاد بهم *** هبوا إلى الموت يستجدون لقياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرًا *** يشيدون لنا مجدًا أضعناه

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

 

 

 

أيها الوالد المبارك: وأنت تعلم أن الصلاة هي رأس المال وعمود الدين، أين دورك في تربية أولادك على المحافظة على الصلاة؟ ولا سيما صلاة الفجر.

وأنت تعلم أن الفراغ قاتل وخطير، أين دورك في ملء فراغ أولادك، واحتواء أوقاته بالنشاطات المفيدة والنافعة, وبلادنا المباركة تنعم بحمد الله بالعديد من الجهات التي تقدم البرامج والأنشطة للشباب؛ كحلقات تحفيظ القرآن، والمراكز الصيفية، والمخيمات الشبابية وغيرها.

وأنت تعلم كثرة الفتن والمغريات المحيطة بالشباب، أين دورك واهتمامك في تزويج الولد بأسرع وقت ممكن وتحصينه بالعفة، وتكميل نصف دينه، قبل أن يسقط في أوحال الشهوة.

وأنت تعلم خطر الرفقة، أين دورك في متابعة ولدك خارج البيت ورفقته للآخرين؟

قد تقول لي: ماذا أفعل؟ هل أحبس الولد في البيت؟.

فأقول: هذا السؤال هو أول خطوات العمل.

نحن لا نطالبك أن تُغلقَ على ولدك الأبواب, ولا أن تفرضَ عليه العزلة عن الناس, لكن بيدك أمورٌ كثيرةٌ نافعة بإذن الله، أذكرها بإيجاز:

1/ معرفة شروط وصفات الرفقة الصالحة التي تريدها لولدك,كصفة الاستقامة والخيرية والاتزان.

2/ تذكير الولد وتبصيره من الصغر بأهمية الرفيق الصالح وخطر جليس السوء.

3/ التهيئة لوجود الرفقة الصالحة، باختيار السكن المناسب, وانتقاء المدرسة, مع إعادة النظر في هاتين البيئتين -الحي والمدرسة- من وقت لآخر.

إشراك الولد في الأنشطة المفيدة؛ كحِلَق تحفيظ القرآن والمكتبات الخيرية والمراكز الصيفية, حيث يكتسب منها الولد رفقاء صالحين, ويسلم -بإذن الله- من الانحراف.

4/ المتابعة غير المباشرة، وتفقد رفقاء الولد, مع تجنّب التلقين المباشر أو الإلزام برفقاء من اختيار الأب.

5/ إكرام الرفقة الصالحة وتقديرهم, كما كان عليه الصلاة والسلام وصحابته يختلطون بالشباب ويسلمون عليهم ويكرمونهم ويشركونهم في الأنشطة.

إن هذا الأمر له دور كبير في قوة واستمرار علاقة الولد بالصالحين, وله دور آخر في زيادة تقبّله واستجابته لوالده.

لكني أقول: إن من المؤسف حقًا أن بعض الآباء قد يحول بين ولده وبين الاستقامة ومرافقة الصالحين, ربما يكون الأب فاسدًا لا يحبّ الدين وأهله، وربما يكون عند الأب بعض الأوهام حول المتدينين، "لا تروح مع المطاوعة أخاف إنهم إرهابيين" سبحان الله!! يعني: لما خرج بعض الشباب الشُّذَاذِ بهذه الأفكار الإرهابية والأعمال التخريبية، ورفعوا بعض الشعارات الدينية المغلوطة، نأتي ونعمم الحكم على الكثرة الكاثرة من شبابنا الذين نشهد الله أنهم بحمد الله على استقامة وصلاح وبُعْدٍ عن هذه الأفكار -سبحان الله- (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [الصافات:154].
 

شاب عمره خمسة عشر عامًا، كان يريد الالتحاق بحلقة تحفيظ القرآن، أبوه يرفض، اكتشف والده أنه قد التحق بالحلقة بالمسجد, فاجأه على العشاء وقال: يا خالد: سمعت أنك تمشي مع المطاوعة!, لم ينتظر جوابًا، تناول إبريق الشاي ورماه على وجهه، ضربه وشتمه, حاول مدرس الحلقة زيارة الأب، فأمسك بثيابه وقال: أنت المطوع الذي يدرس خالدًا في المسجد, قال: نعم, قال: والله لو رأيتك تمشي معه مرة أخرى كسرت رجلك, ثم بصق في وجهه, مرت الأيام بل السنوات فإذا بيد غليظة تمسك بكتف مدرس الحلقة من الخلف, إنه والد خالد يبكي ويقول: أرجوك يا أستاذ أدركوا ولدي لقد كبر خالد وتعرف على شلة فاسدة, وبدأ بالتدخين معهم والسهر حتى أوقعوه في الخمور والمخدرات, لقد أصبح يشتمني بلسانه ويضربني بيده ويركلني برجله, حاول الأستاذ دعوة خالد إلى التوبة النصوح دون جدوى, ومضت الأيام وفي إحدى الليالي يمر الأستاذ على منزل خالد فيرى سيارات الشرطة عند المنزل, ما الخبر؟ خالد عاد إلى المنزل قرب الفجر وكان مخمورًا سكرانًا, فطرده أبوه، فردّ الولد بالشتم، فضربه أبوه بعصا غليظةٍ على رأسه, فاندفع الولد وأخرج سكينًا من جيبه وطعن بها والده عدة طعنات, يحمل الوالد إلى المستشفى، ويموت هناك متأثرًا بطعنات ولده, ويلقى الولد في السجن, يعضّ أصابع الندم, و لات حين مندم.

إنها مأساة, وأي مأساة!! يوم أن يجني الوالد جزاء تفريطِه, ومنعِه الخيرَ عن ولده.

وإذا كنا نطالب الأب بأن يكون حريصًا على الخير وقدوة حسنة للولد، فإننا نقول للولد: إن فساد الأب أو المربي لا يكون مبررًا لفساد المتربي.

كم أحزن وأتألم، عندما يشكو لي بعض الشباب انحراف آباءهم، بل يصلي بعضهم معي في المسجد وقد اسودّ وجهه، ونكّس رأسه، ثم يقول: عندنا مدمن في البيت، فأقول له: من هو؟ فيقول: والدي.

فإلى هؤلاء الشباب، إلى كل من فقد الوالد, أو ابتلي بأب فاسد, أقول: اصبر لربك, واثبت على دينك, فقد أكرمك الله بالعقل, ونهاك عن طاعة غير الله في المعصية، وإن كان أقرب الناس إليك, قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: 15].

ليكن لك -يا أخي- في إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة عندما ضلّ أبوه آزر, ثم هدّده بالرجم والهجر فقال: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [مريم:46], لكن إبراهيم أمام هذا التهديد كان أمة في صبره وثباته على دينه.

وهكذا كان سعد بن أبى وقاص -رضي الله عنه- وهو البر بأمه، حينما امتنعت عن الأكل والشرب حتى يرجع عن الإسلام، فثبت على دينه مع إحسانه لأمه.

فنقول لكل شاب: الله الله بالثبات، ودعوة الوالد بالتي هي أحسن.

بقي الكثير من المهمات في تربية الأولاد من بنين وبنات، أرجئها إلى خطب قادمات، إن أمدّ الله لنا ولكم في الحياة.

اللهم صل على محمد.
 

 

 

 

 

المرفقات

بين آبائهم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات