أوقاتنا إلى أين؟

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-06-27 - 1436/09/10
عناصر الخطبة
1/ الوقت هو رأس مال الإنسان 2/ وجوب شغل الوقت في كل مفيد نافع 3/ صور من حرص السلف على الوقت 4/ كيف تخلص ابن الجوزي من المزعجين؟ وكيف اغتنم أوقات زيارتهم له؟ 5/ وجوب الحذر من الأجهزة الحديثة التي سرقت أعمارنا.

اقتباس

إن حقًّا علينا أن نبكي على ساعات وأوقات سُرقت منا عن طريق أجهزة تنوعت ووسائل وُجدت، قد يقال بأنها خدمت لكنها أضرت وأوجعت والله، فبسببها تأخر أقوام عن الخيرات، وأسرف أشخاص في استعمالها حتى أوردتهم الهلاكات، وتعدى أعداد من الذكور والإناث حتى جعلوها مستنقع لممارسة الفواحش والقاذورات، فكم أوقعت في قطيعة! وكم كشفت من مستور! وكم فوتت من فريضة! وكم سببت من فرقة ووحشة وشقاء وهمّ وتعاسة! وكم هُجر من أجلها كتاب الله -عز وجل- وهو الشافع للعبد يوم القيامة، وكل من أوقع نفسه في الفتنة فلا يلومن إلا نفسه، وكل إنسان حسيب نفسه وسيجزى بما يعمل وسيقدم على ما قدم...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، أحمده سبحانه سخّر لعباده الليل والنهار والشمس والقمر، وأتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.

 

أما بعد: فإن أساس السعادة الدنيوية والأخروية تقوى الله -عز وجل- وتحقيق العبودية له سبحانه، فمن اتقى الله وعمل بطاعته أفلح ونجا، وجُعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل همّ فرجا.

 

أيها المسلمون: وقت الإنسان وساعات ليله ونهاره هي حياته ورأس ماله، وكل يوم يمضي يهدم جزءًا من العمر ويقرّب إلى القبر، ويبعد الإنسان من الدنيا ويقضي بسعادته أو شقاوته، قال الحسن البصري: "يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك".

 

وقت الإنسان -يا عباد الله- إذاً هو عمره في الحقيقة، وهو كما تشاهدون يمر مر السحاب، ويمضي بسرعة فما كان من هذا الوقت في طاعة لله، وما يقرب إلى ذلك فهو النافع لك وهو الحياة الحقيقية، وما عدا هذا فليس محسوبًا من الحياة، وإن تمتع فيه الإنسان كما تتمتع البهائم.

 

الإنسان الجادّ هو الذي يسعى في الاستفادة من وقته وشغله بما يعود عليه بالنفع العاجل والآجل، يسارع العاقل إلى استغلال الفراغ قبل الشغل والصحة قبل السقم.

 

وفي صحيح البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".

 

والمؤمن الجاد ليس لطاعته وعمله الصالح نهاية إلا بالموت كما قال -عز وجل-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99].

 

والساعات أغلى أن تنفق في أحاديث لا قيمة لها أو مجالس لغو يشاهد فيها ما حرم الله، وليس أضر على الإنسان من قرناء السوء الذين يضيعون عليه الوقت، ويثنونه عن الخير، ويفتحون على من يجالسهم أبواب من الشرور  والفتن، ويهونون عليهم المعصية، وهل آفة الناس إلا من الناس، وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء، فلم يزالوا به حتى حالوا بينهم وبين سعادة الأبد؟!

 

فيا أيها المسلم إياك ومجلس المثبطين عن العمل الصالح من أصحاب اللهو والبطالة والمعاصي، فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري، وليس إعداء الجليس جليسه بمقاله وفعاله فقط، بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقًا مناسبة لخلق المنظور إليه.

 

ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، فما ظنك بنفوس بشرية ضعيفة..

لا تجلس إلى أهل الدنايا*** فإن خلائق السفهاء تعدي

 

الأيام ثلاثة: الأمس وقد مضى بما فيه، وغدا ولعلك لا تدركه، وإنما هو يومك هذا فاجتهد فيه.

 

قال يحيى بن معاذ: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت انقطاع عن الحق والموت انقطاع عن الخلق".

 

من غفل عن نفسه وأضاع دينه تصرمت أوقاته وعظم فواته، واشتدت حسراته، إنه لمسكين كل المسكنة من ضيّع الصلوات، وأكل المال الحرام، وظلم الناس، وتكلم بالباطل، وشاهد المنكر فيا ترى ماذا ستكون حاله عندما يتحقق نزول الموت وحضور الأجل وعندما يوقن بما عاشه من ضياع يطلب الرجعة فلا يُطاع حِيلَ بينه وبين الاسترجاع هيهات كيف يطلب الفائت وكيف يرد الأمس الذاهب (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ) (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ).

 

فيا حسرات ما إلى رد مثلها*** سبيل، ولو ردت لهان التحسر

هي الشهوات اللائي كانت تحولت*** إلى حسرات حين عز التصبر

فلو أنها ردت بصبر وقوة *** تحولن لذّات، وذو اللب يبصر

 

فاعمل ما شئت يا عبد الله لترى نتيجة العمل، واختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك فإنه عائد عليك لا محالة، ولهذا يقال للسعداء: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة:24]، ويقال للأشقياء الذين ضيعوا أنفسهم (ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ) [غافر:75].

 

قال إبراهيم التيمي: "مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا، قلت فأنت في الأمنية فاعملي".

 

ونقل عن توبة بن السنة أنه جلس يومًا يحاسب نفسه، فعد أيام العمر فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي واحد وعشرون ألف وخمسمائة يوم، فصرخ وقال يا ويلتاه ألقى الله بواحد وعشرين ألف ذنب فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب، ثم خر من الفزع فإذا هو ميت فسمعوا قائلاً يقول:  "يا لك رقَدَة إلى الفردوس الأعلى".

 

قال الغزالي: "فهكذا ينبغي أن يحاسب العبد نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب وبالجوارح في كل ساعة، ولو رمى الإنسان حجرًا في داره بكل معصية يعصيها لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي والملكان يحفظان عليه (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

 

سأل الفضيل رجلاً فقال "كم عمرك؟" قال ستون سنة، فقال له الفضيل "فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تصل" فقال الرجل: "إنا لله وإن إليه راجعون"، فقال الفضيل: "من عرف أنه عبد لله وأنه راجع إليه فليعلم أنه موقوف ومسئول، فليعد للسؤال جوابا" فقال الرجل: "يا أبا علي فما الحيلة؟" قال: "يسيرة: تُحسن فيما بقي يُغفَر لك ما مضى، فإنك إذا أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي".

فيا غافلا عن مصيره *** يا واقفا في تقصيره

سبقك أهل العزائم *** وأنت في اليقظة نائم

 

سأل سائل بعض الصالحين فقال: "أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي؟" فقال: "عند نفسك من الغفلة ما يكفيها في الملاهي، فاحذر البطالة والبطالين فإنهم قطاع طريق".

 

قال ابن الجوزي: "أعوذ بالله من صحبة البطالين، لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطيلون الجلوس ويجرون في أحاديث الناس وما لا يغني ويتخلله غيبة، وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوق إليه واستوحش من الوحدة، وخصوصًا في أيام التهاني والأعياد فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام بل يمزجون ذلك بما ذكرته".

 

ولا يزال الكلام من تضييع الزمان فقال: "فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه بفعل الخير كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لمواضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي- أي: يهرب بقدر المستطاع من اللقاء، كما حكى بعض العلماء- فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة". أي: ترك وظائف معينة لم يعملها في بيته، فإذا حصلت زيارة من هذه الزيارات التي تضيع الوقت في الكلام الذي لا يفيد فقد خصص هذا الوقت للأفعال التي تحتاج وقتاً ولا تحتاج إلى تركيز ذهني، فلذلك يقول: "ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم؛ لئلا يضيع الزمان فارغاً، فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد -أي: تقطيع الأوراق- وبري الأقلام وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي.." فالله المستعان.

 

رحم الله ابن الجوزي فكيف لو أدرك هذا الزمن وقد جد ما جد من وسائل قطعت الطريق على كثير من الناس وجعلتهم يهملون الصلوات، ويضيعون كتاب الله ويقطعون الأرحام والله المستعان نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية.

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه..

 

أما بعد:

فيا عباد الله استعينوا بالله -عز وجل- وأدوا فرائض الله وأديموا ذكر الله، فمن قال في يوم مائة مرة "سبحان الله وبحمده حُطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".

 

واحذروا العجز والتسويف واليأس والقنوط وابذلوا من أوقاتكم للدعوة إلى الله وإرشاد عباد الله كلّ بحسبه، ومن كان لديه القدرة لمقاومة المنكر وكشفه والرد على المبطلين والمنافقين فليفعل؛ فإن الراد على هؤلاء مجاهد مشكور وعمله مبرور.

 

أيها المسلم: أنت بيومك لا بغدك ولا أمسك، فاجتهد ألا يمضي عليك يوم دون خير تعمله أو قريب تصله، أو مريض تزوره، أو مسلم تنفعه أو شر تدفعه، أو منكر تنهى عنه أو آيات من القرآن تتلوها، فإن ضعفت عن جميع ما مضى فكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك.

قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه نقص أجلي ولم يزدد فيه عملي".

 

وقال الجنيد لرجل وهو يعظه: "جماع الخير كله في ثلاثة أشياء: إن لم تمضِ نهارك بما هو لك، فلا تمضه بما هو عليك، وإن لم تصحب الأخيار فلا تصحب الأشرار، وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضا، فلا تنفقه فيما لله فيه سخط".

 

هذا أقل القليل وإلا فصاحب العزم لا يرضى بالقليل وباب المسابقة مفتوح، قال حماد بن سلمة: "ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله -عز وجل- فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليًا، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه متوضئًا، أو عائدًا مريضًا، أو مشيعًا لجنازة، أو قاعدًا في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز وجل".

 

بل حال الصديق -رضي الله عنه- أكمل كيف شغل نفسه بالعمل الصالح مع ما وقر في قلبه من الإيمان، كيف سابق فسبق، قال النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- يوما لأصحابه: "من أصبح اليوم منكم صائمًا؟" فقال أبو بكر: أنا، قال: "فمن أطعم اليوم منكم مسكينا؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "من عاد منكم اليوم مريضا؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن تصدق اليوم منكم بصدقة؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟" قال أبو بكر: أنا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة".

 

هذا شأن أهل الإيمان حفظ للأوقات ومسارعة إلى الخيرات، وصيانة الجوارح عما حرم الله.

 

وختاما يا عباد الله فإن حقا علينا أن نبكي على ساعات وأوقات سُرقت منا عن طريق أجهزة تنوعت ووسائل وجدت، قد يقال بأنها خدمت لكنها أضرت وأوجعت والله، فبسببها تأخر أقوام عن الخيرات، وأسرف أشخاص في استعمالها حتى أوردتهم الهلاكات، وتعدى أعداد من الذكور والإناث حتى جعلوها مستنقع لممارسة الفواحش والقاذورات، فكم أوقعت في قطيعة! وكم كشفت من مستور! وكم فوتت من فريضة! وكم سببت من فرقة ووحشة وشقاء وهمّ وتعاسة! وكم هُجر من أجلها كتاب الله -عز وجل- وهو الشافع للعبد يوم القيامة، وكل من أوقع نفسه في الفتنة فلا يلومن إلا نفسه، وكل إنسان حسيب نفسه وسيجزى بما يعمل وسيقدم على ما قدم، فإن فرط وأسرف وضيع وقته فسوف يندم وإن عمل صالحا وقدم خيرا فهو الرابح السعيد الموفق، فاحذروا عباد الله ما يقطعكم عن سبب سعادتكم ومصدر نجاتكم، فإن الموت يأتي بدون مشاورتكم وانظر يا عبد الله في العمل الذي تغبط عليه الأموات فاعمل به الآن وجاهد نفسك عليه واستعن بربك.

 

اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه..

 

 

 

المرفقات

إلى أين؟

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات