أهم يقسمون رحمة ربك

صالح بن مقبل العصيمي

2017-01-08 - 1438/04/10
عناصر الخطبة
1/ اعتراض بعض الناس على تقسيم الله للأرزاق 2/ لله حكمة بالغة في المنع والعطاء والبسط والقدر 3/ ذم الحسد وسوء أحوال أهله 4/ واجب من رأى نعمة على أخيه.

اقتباس

وَإِنَّكَ لَتَعْجَبُ مِـمَّنْ يَعْتَـرِضُونَ عَلَى أَرْزَاقِ اللهِ لِعِبَادِهِ، وَيُرِيدُونَ تَقْسِيمَهَا حَسْبَ أَهْوَائِهِمْ، وَأَمْزِجَتِهِمْ، وَأَلْوَانِـهِمْ، وَبُلْدَانِـهِمْ، وَهِيَ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ، لَا دَخْلَ لأَحَدٍ فِي تَوزيِعِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، وإِنَّكَ لَتَعْجَبُ – واللهِ – مِـمَّنْ تُصِيبُهُ الْغَـيْـرَةُ وَالْـحَسَدُ مِـمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَيُحْسِدُ الثَّرِيَّ الْفُلَانِيَّ عَلَى مَالِهِ، والْوَجِيهَ الْفُلَانيَّ عَلَى مَنْصِبِهِ، وَالعَالِـمَ الْفُلَانِيَّ عَلَى عِلْمِهِ، وَالْمَاهِرَ فِي عَمَلِهِ عَلَى مَهَارِتِهِ، والْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ عَلَى ثَرَوَاتِهِ، وَمَا حَبَاهُ اللهُ بِهِ مِنَ الْـخَيْـرَاتِ؛ فَيَمْكُرُونَ بالليلِ والنَّهَارِ؛ لِـحِرْمَانِـهِمْ مِـمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَا يَـحِيقُ مَكْرُهُمُ السَّيِّءُ إِلَّا بِـأَهْلِهِ...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.

 

أمَّا بَعْدُ... فَاتَّقُوا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

عِبَادَ اللهِ، حَدِيثُنَا اليومَ عنْ آيةٍ عظيمَةٍ – وَكلُّ آياتِ الكتابِ الكريمِ عظيمةٌ- آيةٌ لَوْ تأمَّلَهَا الـحُسَّادُ والْمُعتَـرِضُونَ علَى أَرْزَاقِ اللهِ للعِبَادِ؛ لَتَـرَاجَـعُوا عَنْ غِيِّـهِمْ، وَأَنَابُوا إِلَى رُشْدِهِمْ، وَخَضَعُوا لِـحُكْمِ رَبِّـهِمْ، قَالَ اللهُ -جَلَّ فِي عُلَاهُ-: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [الزخرف: 32].

 

لقدِ اعترضَ بعضُ أئِـمَّـةِ الْكُـفْرِ وَالشِّرْكِ عَلَى نُزُولِ الرسالةِ عَلَى نَبِيِّنَا محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقَالُوا مَقَالَتَهُمُ الشَّنِيعَةَ، التِـي فِيهَا اِجْتِـرَاءٌ عَلَى اللهِ، واعتراضٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَذَكَرَهَا اللهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31]؛ ثُـمَّ رَدَّ اللهُ عَلَيهِمْ بِقَولِهِ: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ)؛ فَأَخْبَـرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ اِقْتِـرَاحَ الْمُشْرِكِينَ؛ بِـجَـعْلِ النُّبُوَّةِ فَيمَنْ يَـخْتَارُونَهُ هُمْ مِنَ الْقَرْيَتِيْـنِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَالِ وَالْـجَاهِ؛ سَاقِطٌ لَاغٍ، لَا قِـيمَةَ لَهُ، وَأَنَّ تَدَابِيـرِ الأُمُورِ بِيَدِهِ وَحْدَهُ، -عَزَّ وَجَلَّ-، لأَنَّهُمْ بِاقْتِـرَاحِهِمْ يَنْظُرُونَ -فِي أَحْكَامِهِمْ عَلَى النَّاسِ- إِلَى الأُمُورِ الظَّاهِرِيَّةِ؛ لأَنَّ هَذَا حُدُودُ عِلْمِهِمْ، وَمُنْتَهَى أَمَلِهِمْ.

 

ولو عرفُوا حقائِقَ الرجَالِ وبَاطِنَهُمْ، والصفَاتِ التي يجبُ أَنْ تتوفَّرَ فيهِمْ؛ لعلمُوا عِظَمَ منزلةِ محمدٍ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأنَّهُ أعظمُ الرجالِ قَدْرًا، وأعلاهُمْ مَقَامًا، وأكملُهُم عقلًا، وأغزرُهُم علمًا، وأجَلُّهُم: رأيًا، وعزمًا، وحزمًا، وأكملُهم خلقًا، وأوسعُهُم رحمةً، وأَعْظَمُهُمْ شفقةً، وأهدَاهُمْ، وأتقَاهُم؛ فَهو سيدُ ولدِ آدمَ، يعرفُ ذلكَ أولياؤُهُ وأعداؤُهُ؛ فكيفَ يُفضِّلُ عَلَيهِ هؤلاءِ المشركُون مَنْ لَـمْ يَشِمْ مثقالَ ذَرَّةٍ مِنْ كَمَالِهَ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟!

 

بلْ ويفضِّلونَ عليهِ مَنِ اتَّـخَذَ صَنَمًا، أو شَجَرًا، أو حَجَرًا، إلـهًا يَعْبُدُهُ ويدعُوهُ ويتقرَّبُ إليهِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَلَا يُعْطِي وَلَا يَـمْنَعُ، بَلْ إِلَـهُهُ هَذَا كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ، يَـحتَاجُ لِمَنْ يَقُومُ بِـمصَالِـحِهِ، فَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ فِعْلِ السُّفَهَاءِ وَالْمَجَانِيـنَ؟ فَكَيْفَ يُـجْعَلُ مِثْلُ هَذَا الْـمُشْرِكِ عَظِيمًا؟ نَاهِيكَ أَنْ يُفضَّلَ عِنْدَهُمْ عَلَى خَاتَـمِ الرُّسُلِ، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ؟ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا يَعْقِلُونَ.

 

فَعَجَبًا واللهِ! مَا لَـهُمْ وَرَحْـمَةَ رَبِّكَ حَتَّـى يَعْتَـرِضُوا عَلَيْهَا؟! فَإِذَا كَانُوا لَا يَـمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ شيئًا، وَلَيْسَ لَـهُمْ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَـهُمْ؛ فَكَيْفَ يَتَحَكَّمُونَ بِرِزْقِ غَيْـرِهِمْ؟!

 

فَرَحْـمَةُ اللهِ بيدِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَتَشْمَلُ هَذِهِ الرَّحْـمَةُ: النُّبُوَّةَ، وَالْعِلْمَ، وَالْمَالَ، وَالْوَلَدَ، وَالْـخَيْـرَ كُلَّهُ.

 

وَبَيَّـنَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَسِّمُ تِلْكَ الأَرْزَاقَ، وَلَـمْ يُفَوِّضْ أَحَدًا منَ العبادِ أنْ يتحكمَ بِهَا، بلْ الْـحُكْمُ للهِ وَحْدَهُ. فَهُوَ الْـحَكِيمُ الْـخَبِيـرُ الَّذِي يُعْطِي لِـحِكْمَةٍ، وَيَـمْنَعُ لِـحِكْمَةٍ، وَيُعِزُّ لِـحِكْمَةٍ، وَيُذِلُّ لِـحِكْمَةٍ، وَيَرْفَعُ وَيَـخْفِضُ، ويُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيَـمْنَعُهُ عَـمَّنُ يَشَاءُ، وَيُسَخِّرُ الْعِبَادَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ؛ وَخَلَقَ التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمْ لِـحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، فَالْـحُكْمُ لَهُ وَحْدَهُ (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف: 54] فَجَعَلَ بَعْضَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ بالرزقِ، أوِ الرِئَاسَةِ، أوِ القُوَّةِ، أوِ الحرِيَّةِ، أوِ العقلِ، أوِ العلمِ.

 

 ثُـمَّ بَيَّـنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-  الْـحِكْمَةَ مِنْ هَذَا التَّفَاضُلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا)؛ وَالتَّفَاوُتُ فِي الرِّزْقِ هُوَ الَّذِي يُسَخِّرُ هَذَا لِذَاكَ، فَذَاكَ الْمُهَنْدِسُ، وَذَاكَ الطَّبِيبُ، وَذَاكَ الْعَامِلُ. فَيُسَخِّرُ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ فِي الأَعْمَالِ، لاحتِيَاجِ هَذَا إِلَى هَذا، وَهَذَا إلَى هَذَا، حتى يكونَ بعضُهُم سببًا لمعاشِ بعضٍ؛ فيستفيدُ الفقيرُ منَ الغنيِّ، والْـحُرُّ مِنَ العبدِ، والرئيسُ منَ المرؤُوسِ، والجاهلُ منَ العالِـمِ؛ وبذلكَ تَتِمُّ مصالِـحُ العِبَادِ، وينتظِمُ معاشُهُم، ويَصِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ طَرِيقِ الآخَرِ لِـمَطْلُوبِهِ؛ فَالْبَشَرُ بَعْضُهُمْ مُـحْتَاجٌ لِبَعْضِ؛ وَلَا يَسْتَطِيعُ إِنْسَانٌ أَنْ يُتْقِنَ كُلَّ الصِّنَاعَاتِ؛ فَيَصْنَعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَيُعْطِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَذَاكَ مُسَخَّرٌ لِـجَمْعِ الْمَالِ؛ فَيَأْكُلُ وَيُرْزَقُ مِنْهُ هُوَ وَغَيْـرُهُ:

النَّاسُ للنَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَحَاضِرَةٍ *** بَعْضٌ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَـمْ يَشْعُرُوا خَدَمُ

 

فاللهُ يُوزِّعُ الأرزَاقَ بِـحِكْمَتِهِ، فَلَا يُـمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوَى الأَفْرَادِ فِي الرِّزْقِ وَاحِدٌ، وَلَـمْ، وَلَنْ يَقَعَ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ أَنْ يَتَسَاوَى الْعِبَادُ فِي الْمُسْتَوَيَاتِ أَبَدًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) فَهَذَا التَّفَاوُتُ الْمَلْحُوظُ مَوْجُودٌ وَمُسْتَمِرٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَفِي جَـمِيعِ الْعُصُورِ والْبِيئَاتِ والْمُجْتَمَعَاتِ، فَلَا يُـمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْـجَمِيعُ مُلُوكًا، أَوْ رُؤَسَاءَ، أَو أثْرياءَ، أو عُلَمَاءَ، أو أصِّحَاءَ؛ فالتفاوُتُ بينَ البشَرِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ طَبْعِيٌّ.

 

وَإِنَّكَ لَتَعْجَبُ مِـمَّنْ يَعْتَـرِضُونَ عَلَى أَرْزَاقِ اللهِ لِعِبَادِهِ، وَيُرِيدُونَ تَقْسِيمَهَا حَسْبَ أَهْوَائِهِمْ، وَأَمْزِجَتِهِمْ، وَأَلْوَانِـهِمْ، وَبُلْدَانِـهِمْ، وَهِيَ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ، لَا دَخْلَ لأَحَدٍ فِي تَوزيِعِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: 54].

 

إِنَّكَ لَتَعْجَبُ – واللهِ – مِـمَّنْ تُصِيبُهُ الْغَـيْـرَةُ وَالْـحَسَدُ مِـمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَيُحْسِدُ الثَّرِيَّ الْفُلَانِيَّ عَلَى مَالِهِ، والْوَجِيهَ الْفُلَانيَّ عَلَى مَنْصِبِهِ، وَالعَالِـمَ الْفُلَانِيَّ عَلَى عِلْمِهِ، وَالْمَاهِرَ فِي عَمَلِهِ عَلَى مَهَارِتِهِ، والْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ عَلَى ثَرَوَاتِهِ، وَمَا حَبَاهُ اللهُ بِهِ مِنَ الْـخَيْـرَاتِ؛ فَيَمْكُرُونَ بالليلِ والنَّهَارِ؛ لِـحِرْمَانِـهِمْ مِـمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَا يَـحِيقُ مَكْرُهُمُ السَّيِّءُ إِلَّا بِـأَهْلِهِ.  وَتَأَمَّلْ قَوْلَ اللِه تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) [النساء: 53- 54].

 

 فَهَؤُلَاءِ الْـحُسَّادُ الَّذِينَ اِمْتَلَأَتْ قُلُوبُـهُمْ بِالْـحِقْدِ وَالْـحَسَدِ، لَا يَطِيقُونَ أَنْ يُنْعِمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ بِشَيْءٍ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَهَلِ اِعْتَقَدُوا بِأَنَّـهُمْ شُرَكَاءُ للهِ سُبْحَانَهُ فِي مُلْكِهِ حَتَّـى يَقُولُوا مَا قَالُوا؟ لَقَدْ بَيَّـنَ اللهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْـحُسَّادَ الَّذِينَ مِنْ طَبْعِهِمُ الْـحَسَدُ، لَوْ كَانَ لَـهُمْ فِي الْـحَقِيقَةِ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ؛ لَمَا أَعْطَوا أَحَدًا مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا، حتِّـى لَوْ كَانَ حقِيـرًا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالنَّقِير؛ وَهُوَ غِلَافِ نَوَاةِ التَّمْرِ؛ لِشِدَّةِ بُـخْلِهِمْ وَشُحِّهِمْ بِـمَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَتَأَمَّلْ عِظَمَ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإِذَا كَانُوا يَـحْسُدُونَ مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِ مِنْ غَيْـرِ أَنْ يَـخْسَرُوا شَيْئًا؛ فَلَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ؛ لَكَانُوا أَشَدَّ حِقْدًا وَحَسَدًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) [الإسراء: 100]، فَالْـحَسَدُ إِنَّـمَا يَتَأَتَّى عَنْ قَلْبٍ حَاقِدٍ مُتَبَـرِّمٍ عَلَى قِسْمَةِ اللهِ فِي خَلْقِهِ، مُتَمَنِّ زَوَالَـهَا عَنْهُمْ؛ فَأَهْلُ الإِيـمَانِ الْـحَقِّ يَـجِبُ أَنْ يَكُونُوا فِي عَطَاءِ اللهِ للنَّاسِ غَيْـرَ حَاسِدِينَ، وَلَا حَاقِدِينَ:

لَا يَـحْمِلُ الْـحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ *** وَلَا يَنَالُ الْعُلَا مَنْ طَبْعُهُ الْـحَسَدُ

 

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ تَـمَنِّـي زَوَالِ الْـخَيْـرِ عَنِ الْغَيْـرِ، هُوَ غَايَةُ الْـحُسَّادِ، وَلَا يَكُونُ فِي قَلْبِ مَنْ يُؤْمِنُ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَغَايَةُ مَا يَكُونُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ إِذَا رَأَى نِعَمَ اللهِ عَلَى غَيْـرِهِ أَنْ تُصِيبَهُ الْغِبْطَةُ؛ بِأَنْ يَتَمَنَّـى لِنَفْسِهِ مَا لِغَيْـرِهِ، مِنْ غَيْـرِ تَـمَنِّـي زَوَالَـهَا عَنْ عِبَادِ اللهِ.

 

عِبَادَ اللهِ، يَـجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أَمَامَ عَطَاءِ اللهِ لِغَيْـرِهِمْ غَيْـرَ حَاسِدِينَ وَلَا حَانِقِيـنَ، وَلَا حَاقِدينَ، وَأَنْ يَـمْنَعَ كُلٌّ مِنَّا نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَهَا تَيَّارُ الْـحِقْدِ وَالْـحَسَدِ الْبَغِيضِ؛ فَالْـحَاسِدُ وَبَالُهُ – فِي الْـحَقِيقَةِ - عَلَى نَفْسِهِ؛ حَيْثُ يَـجِدُ تَعَبًا نَفْسِيًّا شَدِيدًا، مَعَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ أَنْ يُغَـيِّـرَ مِنْ أَقْدَارِ اللهِ شَيْئًا؛ فَهُوَ أَكْثَرُ مَنْ يَتَأَذَّى بِـحَسَدِهِ؛ لاحتِـرَاقِ قَلْبِهِ مِنَ الْـحِقْدِ الَّذِي فِيهِ؛ حَتَّـى قِيلِ: "إِنَّ الْـحَسَدَ هُوَ الْـجَرِيـمَةُ الَّتِـي تَسْبِقُهَا عُقُوبَتُهَا؛ فَكُلُّ جَرِيـمَةٍ تَتَأَخَّرُ عُقُوبَتُهَا عَنْهَا حَتَّـى تُرْتَكَبَ، إِلَّا الْـحَسَدُ؛ فَإِنَّ الْـحـَاسِدَ تَنَالُهُ عُقُوبَةُ اِحْتِـرِاقِ قَلْبِهِ قَبْلَ حَسَدِهِ، وَهَلْ هُنَاكَ عُقُوبَةٌ وَأَلَـمٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؟"

للهِ دَرُّ الْـحَسَدِ! مَا أَعْدَلَه! *** بَدَأَ بِصَاحِبِهِ فَقَتَلَه

 

عِبَادَ اللهِ، وكلَّمَا كَانَ مَقَامُ وَفَضِيلَةُ الإِنْسَانِ أَتَـمَّ وَأَكْمَلَ؛ كَانَ حَسَدُ الْـحَاسِدِينَ عَلَيهِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ؛ وَلِذَا كَانَ أَعْظَمَ وَأَشْهَرَ مَنْ حَسَدَهُ أَعْدَاءُ الدِّينِ نَبِيُّنَا مُـحَمَّدٌ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لأَنَّهُ نَالَ أَعْظَمَ الْمَنَازِلِ؛ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، وَنَالَ سِيَادَةَ وَلَدِ آدَمَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، وَمَعَ شِدَّةِ حَسَدِهِمْ لَهُ وَمَكْرِهِمْ بِهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ كَوَّنَ أَقْوَى دَوْلَةٍ فِي زَمَنِهِ، وَأَعْظَمَ شَوْكَةً فِي حُلُوقِهِمْ، وَلَا يَنْفَكُّ الْكَافِرُونَ يَـحْسُدُونَ الْمُؤْمِنِيـنَ عَلَى نِعْمَةِ الإِسْلَامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة: 109]، وَيَدْفَعُهُمْ حَسَدُهُمْ هَذَا إِلَى الْكَيْدِ وَالْمَكْرِ، وَمُـحَاوَلَةِ تَشْوِيهِ الإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِيـنَ بِكُلِّ وَسَائِلِهِمْ، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِـحِفْظِ هَذَا الدِّينِ أَلَّا يَنْدَثِرَ أَبَدًا:

هِـيَ الْـحَنِيفِـيَّةُ عَـيْـنُ اللهِ تَكْلَـؤُهـَا ***  فَكُلَّمَـا حَاوَلُـوا تَشْوِيهَهَـا شَاهُـوا

 

لِذَا نَـجِدُ أَنَّ الإِسْلَامَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَزْدَادُ أَتْبَاعُهُ، وَالْـمُؤْمِنُـونَ بِرِسَالَةِ مُـحَمَّدٍ وَنُبُوَّتِهِ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَزْدَادُونَ اِنْتِشَارًا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ؛ فَلَنْ يَنْفَعَ مَكْرُ الْمَاكِرِينَ، وَلَا تَشْوِيهُ الْكَاذِبِيـنَ، وَلَا حَسَدُهُمْ فِي الصَّدِّ عَنْ دِينِهِ، وَمُـحَاوَلَةِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ؛ بَلْ سَيَبْلُغُ مَا بَلَغَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ.

 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، وَلِـجَمِيعِ الْمُسْلِمِـيـنَ فَاِسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

                   

الْـخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً.

 

أمَّا بَعْدُ.. فَاِتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاِسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.

 

عِبَادَ اللهِ، عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقِيَ نَفْسَهُ مِنْ حَسَدِ الْـحَاسِدِينَ بِذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-  وَأَنْ يَذْكُرَ اللهَ فِي كُلِّ أَحَايِينِهِ، متوكلًا على الله، ومحافظًا على الطاعات، وَإِذَا رَأَى نِعَمَ اللهِ عَلَيْهَ أَنْ يَقُولَ: مَا شَاءَ اللهُ! لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ! وأَنْ يَقْرَأَ الْمُعَـوِّذَتَيْـنِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْـمَكْتُوبَةِ، وَفِي أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَقَبْلَ النَّوْمِ؛ فَهِيَ تَقِيهِ - بِإذْنِ اللهِ- مِنْ شَرِّ الْـحُسَّادِ الَّذِينَ يَعْلَمُهُمْ أَوْ يَـجْهَلُهُمْ؛ فَقَدْ وَكَلَ أَمْرَهُ إِلَى الْعَلِيمِ الْـحَكِيمِ الذِي يَعْلَمُ مَكْرَ الْمَاكِرِينَ، وَحَسَدَ الْـحَاسِدِينَ فَيِقَيهِ مِنْ شَرِّهِمْ.

 

فَمَا أَعْظَمَ أَنْ يَسْتَعِيذَ الْمُؤْمِنُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ! وَمَنْ حَصَّنَ نَفْسَهُ بَالْأَذْكَارِ؛ لَـمْ يَعُدْ بِـحَاجَةٍ لِـمَعْرِفَةِ مَنْ حَسَدَهُ، وَلَـمْ يُحْوجْهُ اللهُ لِاسْتِجْدَاءِ الْـحَاسِدِ لِيَتَـرَاجَعَ عَنْ حَسَدِهِ، أَوْ يَطْلُبَ مِنْهُ رُقْيَةً.

 

وَقَانَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ شَرَّ الْـحَاسِدِينَ، وَحِقْدَ الْـحَاقِدِينَ! الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا، لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ، حَرْباً عَلَى أَعْدَائِكَ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَأَقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

 

اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، ونَسْتَعِيذُ بِكَ مِمَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

 

 رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.

 

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...

 

 

المرفقات

يقسمون رحمة ربك

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات