أهمية الأخوة وذم الخلاف

عبد الله بن علي الطريف

2014-04-08 - 1435/06/08
عناصر الخطبة
1/أهمية الأخوة الإيمانية وفضلها 2/فضل الاجتماع وذم الافتراق 3/مقتضيات الأخوة الإيمانية 4/مواقف وأقوال أهل العلم في الخلاف السائغ 5/إحياء روح التسامح في الأمة

اقتباس

أيها الإخوة: ليس من سبيل لانتشال هذه الأمة من مشهد الفرقة التي تقطع أوصالها، وتُفتت كيانها، وتُذهب ريحها إلا بنبذ الخلافات، وصهرها في أتون المحبة والوفاق والأخوة؛ لتستخلِصَ منها شرابًا حلو المذاق، يخترق عبقُه الزكيُّ أنوفًا أزكمها نتن الهوى والميل عن الحق، وعفن الفرقة وإعجاب كل ذي رأي برأيه. أيها المؤمنون بالله ورسوله: أعظم داء يفت بعضد الأمة ويذهب ريحها؛ داء التفرق والتحزب وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ المنتج...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة: لقد عقد الله -تعالى- بين المؤمنين عقداً عظيماً في كتابه الكريم، فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[الحجرات: 10].

 

ذلك أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحبَ له المؤمنون، ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم، ولهذا قال النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- آمرًا بحقوق الأخوة الإيمانية: "لَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا".

 

وقال: "الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلاَ يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلاَ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ"..

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ.

 

وأمر الله ورسولَه -صلى الله عليه وسلم- بالقيام بحقوق المؤمنين، بعضهم لبعض، بما به يحصل التآلف والتوادد، والتواصل بينهم، كل هذا، تأييد لحقوق بعضهم على بعض.

 

أحبتي: والمتأمل لنداءات الرحمن للمسلمين في القرآن يجدها من بداية الكتاب إلى نهايته تنعتهم بلفظ واحد يجمعهم هو الإيمان؛ فيناديهم الله -تعالى- بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)[البقرة: 104].

 

ويخبر عنهم في موضع آخر: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[الحجرات: 10].

 

ويؤكد عليهم في موضع ثالث: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)[المؤمنون: 52].

 

وهكذا، لم يفرِّق بين عربي وأعجمي، أو أحمر وأسود، أو مهاجري وأنصاري، أو حتى بين بشري وجني، فالكل واحد، وخطابهم واحد، وتكاليفهم واحدة: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)[مريم: 93].

 

أيها الإخوة: ولقد أمر ربنا -سبحانه- بالاجتماع، وحث عليه، ونهانا عن التفرق، فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)[آل عمران: 103].

 

ومدح سبحانه التعاون، وأمر به، فقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)[المائدة: 2].

 

ولا يتأتى التعاون على الخير والإصلاح إلا بالاجتماع والتآلف بين القلوب، والمحبة بين الإخوان، ولن يكونوا إخوانًا حقًّا حتى يحققوا ذلك.

 

ونهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كل ما يحدث الكراهية والبغضاء والفرقة بين المسلمين، فقال: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغُضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا. وَكُونوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا".

 

وأمرَ بختام قوله بالأخوة الصادقة، التي تثمر امتزاجًا بين القلوب المتحابة والمتآلفة.

 

قال شيخنا محمد العثيمين -رحمه الله- معلقًا على الحديث: "وفيه وجوب تنمية الأخوة الإيمانية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَكُونوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا".

 

ومنها: بيان حال المسلم مع أخيه، وأنه لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره؛ لأن هذا ينافي الأخوة الإيمانية.

 

فالأخوة الإيمانية والدعوة إلى الاجتماع والائتلاف تقتضي دفع السيئة بالحسنة: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)[فصلت: 34].

 

ومقابلة الشر بالخير، وكظم الغيظ مع القدرة على إنفاذه، والمغفرة وسعة الصدر مع المخالفين: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[الشورى: 43].

 

واللين والرفق بالمسلمين حتى وإن جهلوا وعابوا وأساؤوا الظن.

 

أيها الإخوة: ليس من سبيل لانتشال هذه الأمة من مشهد الفرقة التي تقطع أوصالها، وتُفتت كيانها، وتُذهب ريحها إلا بنبذ الخلافات، وصهرها في أتون المحبة والوفاق والأخوة؛ لتستخلِصَ منها شرابًا حلو المذاق، يخترق عبقُه الزكيُّ أنوفًا أزكمها نتن الهوى والميل عن الحق، وعفن الفرقة وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

 

أيها المؤمنون بالله ورسوله: أعظم داء يفت بعضد الأمة ويذهب ريحها داء التفرق والتحزب وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ المنتج للتنازع، قال الله -تعالى- محذرا منه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)[آل عمران: 105].

 

(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)[الشورى: 13].

 

أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم على أصل دينكم.

 

وقال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال: 46].

 

قال الشيخ السعدي: (وَلا تَنَازَعُوا) تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها: (فَتَفْشَلُوا) أي: تجبنوا: (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة اللّه ورسوله.

 

ومع ذلك كله فالاختلاف بين أهل الحق سائغ وواقع، وما دام في حدود الشريعة وضوابطها فإنه لا يكون مذموماً بل يكون ممدوحاً ومصدراً من مصادر الإثراء الفكري، ووسيلة للوصول إلى القرار الصائب، وما مبدأ الشورى الذي قرره الإسلام إلا تشريعاً لهذا الاختلاف الحميد: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)[آل عمران: 159].

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستشيروا أصحابه ويستمع إلى آرائهم وتختلف وجهات نظرهم.

 

وما لام أحد على رأي أبداه أو موقف تبناه وما تعصب منهم أحد ولا تحزب، بل كان الحق غايتهم والمصلحة رائدهم.

 

وقد يقر النبي -صلى الله عليه وسلم- كلاً من المختلفين على رأيه الخاص، وبدون أن يبدي أي اعتراض أو ترجيح؛ كما في مسألة أمره عليه الصلاة والسلام بصلاة العصر في بني قريظة.

 

اللهم يا مقلب القلوب اجمع قلوبنا على طاعتك، وألف ذات بيننا، ورزقنا قلوباً سليمة، وسل سخيمتها، وجعلنا صالحين مصلحين.

 

وصلى الله وسلم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أيها الإخوة: ولقد طفحت كتب التراث بمواقف وأقوال أهل العلم التي تسوغ الخلاف الذي لا يفضي للتنازع والفرقة والنيل من الآخر؛ نذكر شيئا يسيراً منه على سبيل الإشارة فقط.

 

قال الشافعي -رحمه الله-: "ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة".

 

وقال: "ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه فإن كان الحق معي اتبعني وإذا كان الحق معه اتبعته".

 

ورفض الإمام مالك -رحمه الله- حمل الناس على كتابه الموطأ! وقال للخليفة العباسي حينما أرد حمل الناس عليه: لا تفعل يا أمير المؤمنين.

 

معتبراً أن لكل قطر علماءه وآراءه الفقهية، فرجع الخليفة عن موقفه بسبب هذا الموقف الرفيع من مالك في احترام رأي المخالف وإفساح المجال له.

 

قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفان في أشياء فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا".

 

وسأل -رحمه الله- بعض الطلبة: من أين أقبلتم؟ قالوا: جئنا من عند أبي كُريب، وكان أبو كُريب ينالُ من الإمام أحمد، وينتقده في مسائل؛ فقال: نِعم الرجل الصالح! خذوا عنه وتلقوا عنه العلم، قالوا: إنه ينال منك ويتكلم فيك!.

 

قال أيُّ شيء حيلتي فيه، إنه رجلٌ قد ابتُلي بي.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "الِاعْتِصَامَ بِالْجَمَاعَةِ وَالِائْتِلَافَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَالْفَرْعُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْخَفِيَّةِ، فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي الْأَصْلِ بِحِفْظِ الْفَرْعِ".

 

وقال -رحمه الله-: "وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ بِتَرْكِ هَذِهِ الْمُسْتَحَبَّاتِ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ التَّأْلِيفِ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ فِعْلِ مِثْلِ هَذَا؛ كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- تَغْيِيرَ بِنَاءِ الْبَيْتِ لِمَا فِي إبْقَائِهِ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، وَكَمَا أَنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى عُثْمَانَ إتْمَامَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَهُ مُتِمًّا، وَقَالَ: "الْخِلَافُ شَرٌّ".

 

كان الإمام الذهبي -رحمه الله-: يثني ثناء عاطراً على تقي الدين السبكي مع أنه شيخ الأشاعرة الذي كان بينه وبين شيخه الشيخ تقي الدين بن تيمية من الخلاف ما هو معروف.

 

وقال -رحمه الله-: وهو يترجم لأبي محمد بن حزم صاحب الْمُحلى وشيخ الظاهرية، قال: ولي ميل لأبي محمد بن حزم؛ لمحبته للحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقول في الرجال والعلل، وفي المسائل البشعة في الفروع والأصول، وأقطع -لاحظ قوله: وأقطع- بخطئه في غير ما مسألة، ولكني لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه.

 

ولما قال محمد بن مصعب مثنياً على أحمد ومنتقصاً من غيره لسوط ضربه أحمد أكرم من أيام بشر الحافي كلها؛ فقال الذهبي -رحمه الله-: "بشر عظيم القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما هو عند الله -تعالى-، والله أعلم بذلك".

 

وبعد: فإنه من الخطأ البيِّن في هذا الباب أن تظن أنّ الحق لا يغار عليه إلا أنت، ولا يحبه إلا أنت، ولا يدافع عنه إلا أنت، ولا يتبناه إلا أنت، ولا يخلص له إلا أنت.

 

ولا بد من إحياء روح التسامح في الأمة، فتتجنب التباغض، وبث روح الأخوة والمودة بين المسلمين في أنحاء العالم.

 

ولا بد من تأكيد أدب الاختلاف وتجنب سلبياته.

 

ولابد من التأكيد على أن للاختلاف أسباباً موضوعية مشروعة ووجيهة يجب إبرازها واستثمارها لرأب الصدع، وإصلاح ذات البين.

 

 

 

 

 

المرفقات

الأخوة وذم الخلاف

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات