أنفاس لا تعود

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2014-06-08 - 1435/08/10
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ المبادرة بالتزود من العمل الصالح قبل الموت 2/ اغتنام الإجازة الصيفية فيما ينفع 3/ مسؤولية الآباء في استغلال إجازة أبنائهم 4/ سلوكيات ضارة في الإجازة 5/ تذكير بقيمة الزمن وأهمية الوقت

اقتباس

تزودوا من هذه الليالي والأيام بأعمال صالحة قبل أن ينتهي الأجل؛ فإن المرد إلى الله -عز وجل-، وستوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، واللحظات والساعات والأيام والأعوام هي حياة الإنسان ورأس ماله، فما كان منها في طاعة فهو الحياة الحقيقية والسعادة الأبدية، وما سوى هذا فليس معدودًا من الحياة، وإن لَهَا وتمتع فيه الإنسان كما تتمتع بهيمة الأنعام.

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وخلفائه الراشدين، وزوجاته وصحابته الأكرمين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).

 

أيها المسلمون: تزودوا من هذه الليالي والأيام بأعمال صالحة قبل أن ينتهي الأجل؛ فإن المرد إلى الله -عز وجل-، وستوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، واللحظات والساعات والأيام والأعوام هي حياة الإنسان ورأس ماله، فما كان منها في طاعة فهو الحياة الحقيقية والسعادة الأبدية، وما سوى هذا فليس معدودًا من الحياة، وإن لَهَا وتمتع فيه الإنسان كما تتمتع بهيمة الأنعام.

 

والأيام ثلاثة: الأمس وقد مضى بما فيه، والغد ولعلك لا تدركه، وإنما هو يومك هذا فاجتهد فيه بكل خير.

 

أيها المسلمون: عباد الله هم الذين على صلاتهم دائمون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وينصحون لعباد الله ويبتعدون عن الحرام أكلاً وكسبًا، ويجانبون الشهوات المحرمة ويبتعدون عن الشبهات والفتن المضلة.

 

هم الذين يخشون ربهم بالغيب، وهم من الساعة مشفقون، أولئك الأقوام سيرحمهم الله ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا، أقوام أيقنوا بإطلاع الله عليهم ورؤيته لهم وعلمه بأحوالهم، فراقبوه في الخلوة والجلوة، وفي الحضر والسفر؛ لأنه عليم بذات الصدور: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [يونس:61].

 

عباد الله: حين تأتي إجازة الصيف من كل عام يمضي فيها الطلاب -ذكورًا وإناثًا- مع أهليهم ومعلميهم راحة بعد عناء، فيجدها الكثير فرصة لأعمال عديدة من زيارات ومناسبات وأسفار مستحبة ومباحة.

 

وهنا يؤكد على أن من الأهمية بمكان وخاصة في مثل هذه الإجازة أن يحفظ الأولاد مما يضرهم؛ فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، وأن يحذروا من مجالس السوء وقرناء الفساد والريبة، ومن الانهماك مع وسائل الاتصال والتواصل، وأن يؤمروا بالصلاة ويؤكد عليهم ذلك ويدعى لهم بالهداية والثبات ويصبر عليهم: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6].

 

إنها مسؤولية كبرى، على رب الأسرة أن يجنب أهله وأولاده أماكن الفساد ومواضع المنكر والاختلاط، وأن يحوطهم بنصحه، وأن يشفق عليهم، وأن يعظم أمر الله في نفوسهم، ويفسح لهم في المباح من زيارة وسفر ومأكل وملبس باعتدال على حد قول الله -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6].

 

أيها المسلمون: في مثل هذه الإجازات التي تزداد راحة كثير من الناس فيها، ويتوفر لهم من الفراغ ما لا يكون في غيرها، يقل فيها عند البعض الشكر، ويظهر فيها بصورة أوضح تضييع فرائض الله أو تأخيرها عن أوقاتها، مع اتباع الشهوات، وقد توعد ربنا -جل جلاله- من فعل هذا بقوله: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم:59].

 

سهر طوال الليل، ولهو وغفلة بين قنوات ووسائل تعرض مفاتن النساء وأنواع الغناء، ثم نوم عن صلاة الفجر أو صلاة الجمعة أو فريضة الظهر أو غيرها من الفرائض، وذلك بعدما يملأ الواحد من هؤلاء بطنه من نعم الله ثم ينام عن فرائض الله.

 

فهل هذا هو فعل الشاكرين؟!

 

كم من فرائض أهملت وجمع مضت وساعات ضيعت ومحرمات ارتكبت وأسر أهملت بسبب استغلال هذه الإجازات وهذه الاستراحات والتجمعات التي لم تُبْنَ على تقوى، والعلاقات التي لم تؤسس على هدى من الله!!

 

وقد قال -جل ذكره-: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]، وهكذا يفعل اتباع الشهوات بأصحابه، يجامل بعضهم بعضًا، ويزيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم.

 

فيا أيها المسلمون: لا تكونوا من هؤلاء، بل كونوا من الشاكرين الذاكرين، اتقوا الله في أنفسكم، ولا تكونوا من الغافلين المعرضين، فهذا يؤدي بالإنسان إلى أن يقع بالتفريط والاغترار بالحياة الدنيا ومتاعها الزائل، ومن ثم ينسى الآخرة.

 

قال سبحانه: (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [يونس:8].

 

لقد غُزي المسلمون بأنواع من الملهيات وفتن من الشبهات والشهوات مما يسمع ويشاهد، قنوات فسادة تبث السحر والكفر والفاحشة وما يدعو إليها، ووسائل اتصال وأفلام وبرامج تحطم الأخلاق وتغير المفاهيم الصحيحة وتضيع على المرء ما أوجب الله عليه وما أمره به. فنعوذ بالله من فتن المضلين.

 

وهكذا يفعل الشيطان وأولياء الشيطان ببني آدم، وهكذا يفعل اتباع الشهوات بأصحابه، يتأولون بأنفسهم ويهملونها من التزكية والتوبة وعمل الصالحات، ويضيعون من تحت أيديهم من الأهل والأولاد، ولو أنهم حاسبوا أنفسهم وذكروها برحيلهم من هذه الدنيا وعلم هذا عند الله، ثم التفتوا إلى بيوتهم وأهليهم فدعوا لهم وحادثوهم وناصحوهم ومازحوهم وتفقدوا أحوالهم وأطالوا الجلوس معهم لظهر آثار هذا عليهم، ولسعدوا بهم ولأنسوا بقربهم، ورأوا فيهم أعظم قدوة حسنة.

 

والعاقل لا يحتقر شيئًا من الخير، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "خيركم خيركم لأهله"، وأولى الناس ببرك ومعروفك وإرشادك ونصحك هم أهل بيتك.

 

ولقد أوصى فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "استوصوا بالنساء خيرا"، وحذر من تضييع هذه المسؤولية.

 

قال بعض الصالحين يوصي رجلاً: "جماع الخير في ثلاثة أشياء: إن لم تمضِ نهارك بما هو لك فلا تمضه بما هو عليك، وإن لم تصحب الأخيار فلا تصحب الأشرار، وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضًا فلا تنفقه فيما لله فيه سخط". والعمر أغلى من أن يضيع فيما لا فائدة فيه، فكيف بما فيه الإثم وكسب السيئات.

 

وفي الحديث: "لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ". رواه الترمذي.

 

فأين هم الذين يفكرون في مستقبلهم الأخروي؟! ماذا قدموا من الحسنات وكم عملوا من الصالحات؟! ما هو نصيب كتاب الله -عز وجل- منهم؟! أين الذين (لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) [النور:38].

 

اللهم اجعلنا من هؤلاء يا حي يا قيوم..

 

يا ليت أصحاب الشهوات المحرمة والصلوات المضيعة يتذكرون عندما تحضر آجالهم وتبلى أجسامهم وتحصى أعمالهم: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

 

يا عباد الله: تذهب اللذات وتبقى التبعات، وتزداد  الحسرات على قلوب أقوام غفلت، وبالدنيا أعجبت، ولمواقف الآخرة نسيت، قال الله -جل ذكره-: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء:1، 2].

 

عجيب حالنا كيف لا نفكر في قرب المنية وتقلبات الدنيا وحوادثها مع قلة زادنا وأننا نصير إلى ربنا!! (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [الانشقاق:6].

 

اللهم تب علينا أجمعين، اللهم ارزقنا الاسترداد ووفقنا للتوبة النصوح، اللهم اهدنا: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).

 

اللهم وفقنا لما يرضيك عنا يا ذا الجلال والإكرام.

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجزه عنا أفضل ما جزيت نبيًا عن أمته، اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وصل وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله -يا عباد الله-، اتقوا الله في أوقاتكم التي سرقتها وسائل التواصل وأجهزة الاتصال، واجعلوا لاستعمالها حدًا تقفون عنده أنتم ومن تحت ولايتكم من أهل وأولاد، فإن لم تفعلوا فإنها ستكون وبالاً عليكم، وأحسن الله عزاءكم في أوقاتكم وفيما افترض عليكم من صلوات وحقوق واجبات.

 

أيها المسلمون: تذكروا قيمة الزمن، واذكروا شرف الوقت وقصر العمر، واجعلوا من أهدافكم أن تحافظوا على الأولويات والواجبات، وأعظم ذلك عناية المرء بصلاته، ومراجعته لمحفوظه من كتاب الله، والتقرب من الله بنوافل الطاعات، فشهر شعبان فرصة للصيام، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصومه إلا قليلاً، والذكر وتلاوة القرآن وصلة الرحم وزيارة المرضى وحضور مجالس العلم وحلق الذكر خير وأجر، فاستبقوا الخيرات، وبادروا شرف الزمان، واستثمروا أيام الحياة، وتزودوا في دار الفناء لدار البقاء، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

 

وفي وصية الناصح الأمين -صلى الله عليه وسلم-: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، وكان ابن عمر يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك".

 

إنما الدنيا وإن سرت *** قليل من قليل

إنما العيش جوار الله *** في ظل ظليل

حين لا تسمع ما يؤذيـ *** ـك من قال وقيل

 

اللهم أعنا على كل خير يا ذا الجلال والإكرام، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأعمالنا وأموالنا وأوقاتنا وذرياتنا.

 

 

 

المرفقات

لا تعود

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات