أموات في صور أحياء

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2016-08-28 - 1437/11/25
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ أشد الحيرة وأعظم الظلمة 2/ الغفلة عن الأعمال الصالحة سبب الوقوع في الظلمات 3/ مدار التقوى على إصلاح القلوب 4/ وجوب الحذر من الذنوب والمعاصي.

اقتباس

إنها حياة القلوب أو موتها، وإنها أنوار الإيمان أو ظلمات الكفر والطغيان، ولهذا يصف سبحانه هذا النوع من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في ظلمات لا يخرجون منها. ولهذا كانت الظلمة مستولية على جميع جهاتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة، فإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليهم بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم فاتقوا الله لعلكم ترحمون..

 

أيها المسلمون: يقول الله -عز وجل-: (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:71].

 

جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال في تفسير هذه الآية: "هذا مَثَل ضربه الله للآلهة، ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى الله -عز وجل-، كمثل رجل ضلَّ عن طريق تائهًا ضالاً إذ ناداه مناد: "يا فلان بن فلان، هلم إلى الطريق"، وله أصحاب يدعونه: "يا فلان، هلم إلى الطريق"، فإن اتبع الداعي الأول، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق. وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهلكة والندامة".

 

ألا ما أشد الحيرة وأعظم الظلمة لمن تاه عن صراط الله المستقيم، فاحتوشته شياطين الإنس أو الجن، فاغتالته وأبعدته عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.

 

أيها المؤمنون: إذا كان الفرق كبيرًا بين الأحياء والأموات حسًّا فكذلك الفرق بين الأحياء والأموات معنى، تلكم حياة العلم والإيمان وهذه موتة الجهل والكفر والعصيان.

 

ولقد فرَّق الله -عز وجل- بينهما في محكم كتابه فقال: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام:122].

 

إنها حياة القلوب أو موتها، وإنها أنوار الإيمان أو ظلمات الكفر والطغيان، قال العارفون "فالقلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وأذعن وفهم عنه وانقاد لتوحيده ومتابعة ما بعث به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بعث به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

 

ولهذا يصف سبحانه هذا النوع من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في ظلمات لا يخرجون منها.

 

ولهذا كانت الظلمة مستولية على جميع جهاتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة، فإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليهم بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم.

 

أيها المؤمنون: هل علمتم أن الله خلق الخلق أولاً في ظلمة، فمن أراد الله له الهداية أسبغ عليه من نوره، ومن أراد به الشقاوة بقيت الظلمة مجاورة له.

 

روى الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ" فَلِذَلِكَ أَقُولُ – في رواية أن القائل هو عبد الله بن عمرو-: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ".

 

أيها المسلمون: ولا تغرنكم الأنوار المصطنعة للخارجين عن طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فالحق أنهم يتقلبون في ظلمات وإن لم يحسوا بها، بل لقد قيل: إنهم يتقلبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة في دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.

 

وفي كتاب الله (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ..)[البقرة:257].

 

وقال -عز وجل-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 39- 40].

 

أما المتابعون لهدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالنور يحيط بهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وفي محياهم وبعد مماتهم، وإن خُيِّل للآخرين أنه في ظلمات وضيق، ولئن غاب هذا النور عن بعض من يراهم في الدنيا؛ فإنه مكشوف غدًا أمام الخليقة يوم القيامة (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8].

 

وتبقى بعد ذلك الدعوة لمن شاء أن يُؤتَى هذا النور مرهونة بالتقوى والإيمان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحديد:28].

 

قال ابن القيم: "وفي قوله (تَمْشُونَ بِهِ) نكتة بديعة، وهي أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له؛ فإنه لا يستطيع أن ينقل قدمًا عن قدم على صراط الله، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه".

 

أيها المؤمنون: احذروا سبل الشيطان، فسبيل الله واحد مستقيم، وسبل الشيطان متفرقة معوجة، ولكن خطَّ النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- خطًّا بيده الشريفة، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، ثم خط خطوطًا عن يمين ذلك الخط، وعن شماله، ثم قال: "وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153]، قال المفسرون: "إنما وحَّد سبيله؛ لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرُّقها وتشعبها".

 

وقد يكون سبيل الشيطان في اجتماع سيئ أو كلمة خبيثة، أو قرين سوء، أو نظرة محرمة أو جهاز لهو وشر، أو موقع فسق وبدعة، إلى غير ذلك من أبواب الشر.

 

عصمني الله وإياكم والمسلمين من فتن الأهواء، وحفظنا من الابتداع في الدين أو الانخداع بالمضلين والمنافقين، ودونكم هذا الأثر؛ فعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنه قال يومًا:  "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ, وَيُفْتَحُ فِيهِ الْقُرْآنُ, حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ, وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتْبَعُونَنِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟ وَمَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ, فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتَدَعَ، فَإِنَّمَا ابْتَدَعَ ضَلَالَةً، وَأُنْذِرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلالِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ".

 

 قال له يزيد بن عميرة -أحد أصحابه-: "ما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال معاذ: بلى! اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه، فإنَّه لعله يراجع. وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته، فإنَّ على الحقِّ نورًا".

 

قال الله -عز وجل-: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) [النساء:115].

 

اللهم ثبِّتنا على الصراط المستقيم، وانفعني بما في كتابك القويم، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أصلح بلطفه الصالحين، وأعطاهم الإيمان واليقين، وحفظهم مما يقبح ويشين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: فاتقوا الله أيها الناس، وتذكروا أن مدار التقوى على إصلاح القلوب، والحذر من دعاة الشر وأنواع الذنوب، واحذروا من النفس الأمارة بالسوء، ومن شر شياطين الإنس والجن، ومن إمامهم إبليس؛ فإنهم لا يزالون ينصبون المصائد والحبال لفتنتكم بأنواع متعددة من طرق الضلال.

 

فكم من فتنة في وسائل التواصل والأجهزة الزكية! وكم قادت هذه الوسائل المتنوعة إلى تضييع صلوات واتباع شهوات! وإلى معاصٍ قولية وفعلية، وفي هذا سخط الله تعالى.

 

ولقد روى الإمام أحمد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إياكم والمعصية فإن بالمعصية حل سخط الله -عز وجل-".

 

ومن كلام شفي بن ماتع: "ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة".

وقال محمد بن كعب: "ما عُبد الله بشيء أحب إليه من ترك المعاصي".

 

وفي صحيح البخاري ومسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".

 

أيها المسلم: وإذا فعلت معصية فبادر بالتوبة وفعل الحسنات، ففي سنن الترمذي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، وقال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114].

 

ومن أراد النجاة لنفسه ابتعد عن أسباب الشر والهلاك، وهي بعض ما سبق ذكره مع اجتناب طرائق اليهود والنصارى والمشركين، والبعد عن التشبه بهم، ومحاكاة أفعالهم، فسبيل الله واحد، وصراطه هو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!

 

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، ونسألك قلوب سليمة، وألسنة صادقة، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم؛ إنك أنت علام الغيوب.

 

 

 

المرفقات

في صور أحياء

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات