أصناف الناس بعد رمضان

علي عبد الرحمن الحذيفي

2008-11-29 - 1429/12/01
عناصر الخطبة
1/أصناف الناس بعد رمضان 2/ الحث على مداومة الطاعة بعد رمضان 3/ تذكر نعيم الجنة وعذاب النار 4/ حث المفرط على التوبة 5/دوام شكر النعم 6/ الحث على صيام ست من شوال .
اهداف الخطبة
الحث على مداومة العمل الصالح بعد رمضان / حث المفرطين والمذنبين على التوبة / الحث على صيام ست من شوال .
عنوان فرعي أول
أي الغاديين أنت ؟
عنوان فرعي ثاني
رب كل الشهر .

اقتباس

لا ينقطع المؤمِن عن العمل الصالِح في كلِّ زمان، ولا يتجرَّأ على محارمِ الله أبدًا، يرجو ربَّه ويخاف ذنبَه، ولن يدخل الجنّة أحدٌ بعمله، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لن يدخلَ الجنةَ أحَد منكم بعمله))، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمَّدنيَ الله برحمته)) رواه البخاري ومسلم، ولو عِلم الإنسان علمَ اليقين ما في الجنّة مِنَ النعيم المقيمِ والبَهجَة والسرور وقرَّةِ العيون وما تشتهيهِ الأنفس وتلَذّ الأعين لعَلِم أنّ الأعمال الصالحةَ ليست ثمَنًا للجنة ولو ساعةً من نهار،..

 

 

 

أمّا بعد:

فاتَّقوا الله تعالَى وأطيعوه، فتقوَى الله وسيلتُكم إلى جنّته، ووِقاية لكم من نارِ الله وعقوبَتِه.
أيّها المسلمون، إنَّ الناسَ بعد انقضاءِ موسمِ الخيرات والبَركات أحدُ اثنين:

أوَّلهما: من وفَّقه الله في شهر القرآن والبرِّ والإحسان لعبادتِه وأداء فرائضه، وجنَّبه معاصِيه وشرورَ نفسَه فأحسن عمَله، فمن هذا حالُه فعليهِ أن يشكرَ ربَّه ويذكرَ نعمتَه عليه ويفرَحَ بفضل مولاه عليه ويثبتَ على طاعة الله ويبتعِدَ عن المحَرَّماتِ أبدًا، قال الله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) [البقرة:152] 

  وقال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل:53]، وقال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة:231]، وأمَر الله بالثّبات على الصّراط المستقيم حتى الموت، قال الله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99]، وقال عز وجل: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور:21]، وقال تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء:83، فالمؤمن يحسِن العملَ ويحسِن الظنَّ بالله، والمسيءُ يسيء العمَلَ ويتمنّى على الله الأمانِي.

يا مَن زَكَت له الأعمَالُ الصّالحات في الأيّامِ الخالياتِ المبارَكات، ويا مَن صفَت له الساعات النيّرات، ويا مَن استنار قلبُه بالآياتِ في الصّلوات، ويا من زَكا لسانُه وجوارحه بتلاوةِ كتابِ ربّه والعمل بما يقربّه بخالقه وابتعَد عمّا حرّمه ربُّه عليه، لا تبدِّل الطاعةَ بالمعصية، ولا تبدِّل نورَ البصائر والقلوبِ بظلُمات الشهواتِ والشبُهات، ولا تبدِّل صفاءَ الأوقات بكَدَر الدنيا وغَفلةِ القلب، ولا تُتبِع الحسناتِ السيّئات، فما أحسَنَ الحسنة بعدَ الحسنة، وما أقبحَ السيّئة بعد الحسنةِ، فكما أن الحسناتِ يذهِبن السيّئات في قوله تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود:114 ]

كذلك السيّئاتُ بعد الحسناتِ تنقِص ثوابَ العمَل، وقد تبطِل العمَلَ الصالحَ بالكلية والعياذُ بالله، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:28].

عبادَ الله، إنّ إبليسَ كان في شهرِ صومِكم مدحورًا، وإنّ الشياطينَ كانوا مسلسلين لئلاّ يفسِدوا على أمّة محمد صلى الله عليه و سلم عملَهم، وإنهم قد أُطلِقوا من السلاسِلِ فرُدّوهم على أعقابِهم خائِبين وأرجِعوهم عنكم خاسئين بالاستعاذة بالله منهم دائمًا والثباتِ على الإسلام في كلِّ حال والاستعانة بالله على طاعتِه والبُعد عن معصيتِه والصّبر على العبادة وعلى فعلِ الخيرات والصبرِ على القضاء والقدر والصبر عن المعاصي والشّهوات، قال الله تعالى: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم:65]

فالرّبُّ تبارك وتعالى يُعبَد ويرجَى ويخاف ويخشَى ويتَّقى في كلّ الشهور والأعوام، قيل لبِشر الحافي: إنّ قومًا لا يعبُدون الله إلاّ في رمضان، فإذا ذهَب رمضان ترَكوا، فقال: بِئسَ القومُ لا يَعرِفون اللهَ إلاّ في رمضان.

لا ينقطع المؤمِن عن العمل الصالِح في كلِّ زمان، ولا يتجرَّأ على محارمِ الله أبدًا، يرجو ربَّه ويخاف ذنبَه، ولن يدخل الجنّة أحدٌ بعمله، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لن يدخلَ الجنةَ أحَد منكم بعمله))، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمَّدنيَ الله برحمته)) رواه البخاري ومسلم

 

ولو عِلم الإنسان علمَ اليقين ما في الجنّة مِنَ النعيم المقيمِ والبَهجَة والسرور وقرَّةِ العيون وما تشتهيهِ الأنفس وتلَذّ الأعين لعَلِم أنّ الأعمال الصالحةَ ليست ثمَنًا للجنة ولو ساعةً من نهار، ولكن الربَّ تعالى هو المحسِن المتفضِّل، يدخل المؤمنين الجنّةَ برحمته ويدخلهم دارَ كرامَته خالدين فيها أبدًا، قد جعَل هذه الأعمالَ الصالحة ومتابَعَة الرسول صلى الله عليه و سلم سَببًا لرضوانِ الله ودخول جنّته، ولو علِم الإنسان شدّة عذاب النار لفرَّ من الذنوبِ فِرارَه من الأسودِ الضارية ولكرِه المعاصِي كراهةَ الجِيَف المنتِنة، وقد جعل الله نارَ الدنيا تذكرةً للمعتَبرين، فهل يقدِر أحدٌ على الصّبر عليها ساعةً فضلاً عن الشهورِ والسنين، وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه و سلم قال: ((نارُكم هذه جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جنهم))، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6].

وثاني الاثنين: مَن قصَّر فيما مضَى من الأيام وفرّط فيما فات من الأعوام، فمن هذا حالُه فعليه أن يبادِرَ إلى ربّه بالتوبة النصوح، وأن ينقِذَ نفسَه من عذاب شديدٍ ونار لا يموتُ داخلُها فيسترِيح، ولا يحيَا فيُنَعَّم، بل يعذَّب بأنواعِ العذاب والعقاب، قال الله تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:23-26].

 

فإلى متى يغترُّ الغافل بالأجَل المَمدود والصحَّة والعافية من سهام المنايَا لكلّ مولود؟! هل يظنّ أنّ الأجلَ غيرُ معدود وأنه مكتوب له في هذه الدّنيا الخلود؟! كلا، فلو تفكَّرَ فيما بينه وبين آدَم عليه الصلاة والسلام مِنَ الأموات لكَفاه ذلك في الاعتِبار، ولزجره عن الإسرَارِ على عِصيان الجبّار، فلا تيأس أيّها الآبِق مِن مولاه، ولا يدخل عليكَ الشيطان بالقنوطِ من رحمة الله، فقد فتَح الله أبوابَ رحمتِه للعباد في كلّ زمان، ووعدهم وعدَ صدق بأن يتفضَّل عليهم بالغُفران إِن هم تابوا وأنابوا فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [الشورى:25]

وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه:82]،  وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال: قال رسُول الله صلى الله عليه و سلم: ((إنَّ اللهَ يبسُط يدَه بالليل ليتوبَ مسيءُ النهار ويبسُط يدَه بالنهار ليتوبَ مسيء الليل حتى تطلعَ الشمس من مغربها)) رواه مسلم.

فيا من فرَّط فيما سلَف من الزمان، هل تحبّ أن تلقى اللهَ آبِقًا بلا توبة وهو مُدرِكك أو تحبّ أن تلقى الله راغِبًا راهبًا مقبِلاً تائبًا والله مُكرِمك؟!
بسم الله الرحمن الرحيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ) [الحشر:18-20].

بارَكَ الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفَعَني وإيّاكم بما فيه منَ الآياتِ والذّكر الحكيم، ونفعنا بِهديِ سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولِي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمينَ من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. 

الخطبة الثانية:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، الرّحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمدُ ربِّي وأشكُره، وأتوبُ إليه وأستغفِره، وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له القوي المتين، وأشهَد أنَّ نبيّنا وسيّدَنا محمَّدًا عبده ورسوله، بعثه الله بشيرًا للمؤمنين ونذيرًا للكافرين، اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدِك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد: فاتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، اشكُروا نِعَم الله عليكم الظاهرةَ والباطنة، احمَدوا الله واشكروه على الإيمان، فلولا الإيمان لكان الإنسان أحطَّ من البهائم؛ لا يعرِف حلالاً ولا حرامًا، ولا يعبُد الربَّ الذي خلق كلَّ شيء، وإنما يعبد هواه، قال الله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنفال:55].

واحمَدوا ربُّكم واشكُروه على نعمَةِ المعونة على الصيام والقيام، وألِحّوا في الدعاء أن يتقبّلَ منكم ومن المسلمين، فمَن تقبَّل الله منه فهو من المتّقين، والله تعالى مع المتقين. واشكروا الله واحمَدوه على نِعمة الأمن التي منَّ الله به عليكم، فلولا مِنّةُ الله عليكم بالأمن ما أمِنت السبُل ولا انتظَمَت مصالِح الدّين والدنيا ولا اطمأنَّت الجنوبُ في المضاجع ولما نامت الأعيُن ولما زالَ الخوفُ من القلوب، فاشكروا الله على نِعَمه الظاهرة والباطنة التي أسبَغها عليكم، وقد وعدَكم الله المزيدَ من النعم بالشكر له فقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7]

ودَوَام الشكر لنِعَم الله الظاهرةِ والباطنة يحفَظ النعم ويزيدها، والشكر هو بالثّبات على الطّاعات وتركِ المحرَّمات والأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر وتحقيقِ التوحيد لربِّ العالمين ومحاربة أنواع الشرك بالله تعالى.

عبادَ الله، إنّ فعلَ الحسنة بعدَ الحسنة زيادَةٌ في ثوابِ الله، وإنّ رسولَكم صلى الله عليه و سلم قد شرَع لكم صيامَ ستٍّ من شوال، فقال صلى الله عليه و سلم: ((مَن صام رمَضان وأتبَعه ستًّا من شوّال فكأنّما صام الدهرَ كلَّه)) رواه مسلم، وذلك أنّ الحسنةَ بعشر أمثالها، فصِيام رمضان يعدِل صيام عشرَة أشهر، وصيام الستِّ يعدِل شهرَين، فلِلّه الفضلُ والمنّة.

عبادَ الله، إنّ الله أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، وقد قال صلى الله عليه و سلم: ((من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا)).

فصلُّوا وسلِّموا على سيّد الأولين والآخرين وإمام المرسَلين.

اللهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارِك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرا...
 

 

 

  

المرفقات

271

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات