أحياه الله -سبحانه- بعد مائة عام (1)

خالد القرعاوي

2021-02-26 - 1442/07/14 2021-02-23 - 1442/07/11
عناصر الخطبة
1/تأملات في قصص من سورة البقرة 2/عواقب الذنوب والمعاصي 3/معجزة نبي الله عزير عليه السلام.

اقتباس

دَعُونيَ أنْقُلُكُمْ إلى قِصَّةٍ مُذْهِلَةٍ بِحَقٍّ، تَروي لَنَا شَيئاً مِن دَلائِلِ عَظَمَةِ اللهِ وَقُدْرَتِه، تَصَوَّرُوا قَرْيَةً هَادِئَةً مُطْمَئِنَّةً، بُيُوتُها عَامِرَةٌ, وَسَعَادَتُها غَامِرَةٌ, تَنَامُ فِي أَحْضَانِ النَّعِيمِ, وَتَصْبِحُ فِي أَفْنَانِ السُّرُورِ؛ إذْ بِمَلِكٍ ظَالِمٍ، وَزَعِيمٍ جَائِرٍ, قَدْ أَلْبَسَهُ اللهُ الْهَيْبَةَ وَنَزَعَ مِنْ ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ، وأَشهدُ ألَّا إله إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وأَشهدُ أنَّ نَبِيَّنا مُحمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ بَعثه اللهُ رَحْمَةً وَأَمَانَاً لِلعَالَمِينَ، اللهمَّ صَلِّ وَسلِّمَ وَبَارَكَ عليه، وعلى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَأتْبَاعِهِ بإحسانٍ وَإيمَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ.

 

أمَّا بعدُ: يَا مُسْلِمُونَ: التَزِمُوا تَقوى اللهِ سِرَّا وعلانَا, وَحافِظُوا على دِينِكُمْ, وَتَأَمَّلُوا كِتَابَ رَبِّكُم, فَقَدْ أَنزَلَ فيهِ أَحسَنَ القَصَصِ وَأَنفَعَها: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[الأعراف:176].

 

ولنَتَأَمَّلْ قِصَّةً في سُورَةِ الخَيرِ والبَرَكَةِ, التي قَالَ عَنْها نَبِيُّنَا -صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: "اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ"؛ يعني السَّحَرَةُ(رَواهُ مُسْلِمٌ).

 

دَعُونيَ أنْقُلُكُمْ إلى قِصَّةٍ مُذْهِلَةٍ بِحَقٍّ، تَروي لَنَا شَيئاً مِن دَلائِلِ عَظَمَةِ اللهِ وَقُدْرَتِه، تَصَوَّرُوا قَرْيَةً هَادِئَةً مُطْمَئِنَّةً، بُيُوتُها عَامِرَةٌ, وَسَعَادَتُها غَامِرَةٌ, تَنَامُ فِي أَحْضَانِ النَّعِيمِ, وَتَصْبِحُ فِي أَفْنَانِ السُّرُورِ؛ إذْ بِمَلِكٍ ظَالِمٍ، وَزَعِيمٍ جَائِرٍ, قَدْ أَلْبَسَهُ اللهُ الْهَيْبَةَ وَنَزَعَ مِنْ صَدْرِهِ الرَّحْمَةَ، يَتَقَدَّمُ بِجَيشٍ مِثْلُ سَوَادِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؛ فَيَعِيثُ فِي القَرْيَةِ فَسَادَاً، قَتَّلَ أَهْلَهَا, وَهَدَّمَ بُيُوتَهَا, وَسَبَى نِسَاءَها، وَجَعَلَ عَالِيَ القَرْيَةِ سَافِلَهَا، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهَا وَتَرَكَهَا خَرَابَاً, تَنْعِقُ الغِربَانُ عَلى جِيَفِهَا، وَتَتَغَذَّى الدِّيدَانُ عَلى جُثَثِ أهْلِها.

 

 يَا مُؤمِنُونَ: تَأمَّلُوا خَبَرَ اللهِ -تَعَالى- حِينَ قَالَ: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)[البقرة:259]، لَمْ يَذْكُرِ اللهُ -تَعَالى- مَنْ الرَّجُلَ الذي مَرَّ, وَلا اسْمَ القَرْيَةِ, بَل ترَكَّزَ الحَدِيثُ على أَصْلِ القِصَّةِ, وَهُو بَيَانُ القُدْرَةِ الرَّبَانِيَّةِ, وَالمُعْجِزَةِ الإلَهِيَّةِ, وَسَبَبُ الهَلاكِ والعَذَابِ.

 

 وهَذَ دَأبُ القُرْآنِ فِي كُلِّ القَصَصِ، وإنْ كَانَ جَمْعٌ مِن المُفَسِّرِينَ -عليهم رَحْمَةُ اللهِ- بَيَّنُوا أَنَّ القَريَةَ هِي بَيتُ المَقْدِسِ, والرَّجُلَ هُوَ نَبِيُّ اللهِ عُزَيْرٌ -عَلَيهِ السَّلامُ-، وَالذي دَمَّرَّها عَلَيْهِمْ الطَّاغِيَةُ بُخْتَنَصَّرَ، وَأنَّ سَبَبَ هلاكِهِمْ حِينَ رَكِبُوا الْمَعَاصِيَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ: "أَنْ ذَكِّرْ قَوْمَكَ نِعَمِي, وَادْعُهُمْ إِلَيَّ".

 

فَخَطَبَهُمْ خُطْبَةً بَيَّنَ فِيهَا ثَوَابَ الطَّاعَةِ وَعِقَابَ الْمَعْصِيَةِ، وَمِمَّا قَالَهُ: "إِنْ يُعَذِّبْنَا رَبُّنَا فَبِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ عَفَا عَنَّا فَبِرَحْمَتِهِ"، فَمَاذا كَانَ مَوقِفُهُمْ؟ مَعَ الأسَفِ ازْدَادُوا مَعْصِيَةً وَتَمَادِيًا فِي الشَّرِّ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ وَهَجَرَهُمْ. فَمَاذَا حَلَّ بِهِمْ؟ هذا ما نعْرِفُهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ -تَعَالى-.

 

أَقُولُ مَا سمعتمْ وأستغفرُ اللهَ لي وَلَكُمْ وَلِسائِرِ المُسلمينَ فاستغفِرُوهُ إنَّهُ هُو الغَفُورُ الرَّحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلَيُّ الأعْلى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ بِهُدَاهُمْ اهْتَدَى.

 

 أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا مُسْلِمُون، وَتَأمَّلُوا كَلامَ اللهِ -تَعَالى- القَائِلِ: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)[يوسف:3]. أَتَدْرُونَ مَاذَا حَلَّ بِمَنْ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ, وَعَصَوا أَمْرَهُ؟ لَقَدْ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ جَبَّارٌ فَارِسِيٌّ خَرَجَ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفِ رَايَةٍ، فَدَخَلَ بِجُنُودِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَّلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ؛ فَصَارتْ خَرَابَاً كَما وَصَفَهَا اللهُ -تَعالى-: خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا، أَيْ: سَاقِطَةٌ سُقُوفُهَا وَجُدْرَانُهَا عَلَى جَنَبَاتِهَا، خَالِيَةٌ مِنَ النَّاسِ.

 

وَبَعْدَ فَتْرَةٍ مَرَّ عُزَيْرٌ -عَلَيهِ السَّلامُ- على تِلكَ القَرْيَةِ؛ فَهَالَهُ مَا رَأَى مِنْ خَرابِهَا، قَدِمَ مُمْتَطِيَاً ظَهْرَ حِمَارِهِ, مَعَهُ قَلِيلٌ مِن التَّمْرِ, وَشَيءٌ مِن التِّينِ, وَشَرَابٌ مِن عَصِيرِ الِعنَبِ، فَحِينَمَا رَأَى هَذا المَنْظرَ المُبْكِي، وَالقَرْيَةَ المُبَادَةَ المُسَوَّاةَ بِالأَرْضِ قَالَ فِي دَهْشَةٍ: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)[البقرة:259].

 

لَمْ يَكُنْ عُزَيرٌ -عَلَيهِ السَّلامُ- شَاكَّا فِي عَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ, وَلا مُسْتَعْظِمَا شَيئَاً عَليهِ –سُبْحَانَهُ-, وَلَكِنْ لِمَا رَأَى مِنْ شِدَّةِ خَرَابِهَا, وَعَظِيمِ دَمَارِهَا, قَالَ: كَيفَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا؟ أَو مَتَى يُحْيِيها؟ فَهِيَ بِمَعْنَى الاسْتِعْجَالِ، وَالتَّمَنَّيَ. فالاسْتِبْعَادُ نَاشِئٌ مِنْ جِهَتِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْفَاعِلِ -سُبْحَانَهُ-.

 

فَأرَادَ اللهُ -تَعالى- أنْ يُرِيَهُ دَرْسَاً مَرْئِيَّاً عَيَانَاً بَيَانَاً: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ). نَعَمْ أَمَاتَهُ اللهُ مُبَاشَرَةً مَوتًا حَقِيقِاً، وَإذَا أَرَادَ اللهُ شَيئَاً قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَأَمَاتَ مَعَهُ حِمَارَهُ. وَأبْقَى عَصِيرَهُ وَتِينَهُ عِنْدَهُ، وَأَعْمَى اللَّهُ عَنْهُ الْعُيُونَ فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ الضُّحَى, وَمَنَعَ اللَّهُ عَنْهُ السِّبَاعَ فَلمْ تَقْرَبْهُمْ، حَقًّا: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[البقرة:259].

 

 فَلَمَّا مَضَى مِنْ مَوْتِهِ سَبْعُونَ سَنَةً أَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا إِلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُعَمِّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِيلِيَاءَ حَتَّى يَعُودَ أَعْمَرَ مَا كَانَ. فَعَمَّرُوهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَإذا المَدِينَةُ قَد اكْتَمَلَتْ, وَقُصورُهَا قَدْ بُنِيَتْ، وَآبَارُهَا امْتَلأَتْ، وَسُكَّانُها عَادُوا إليها، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفِ دَمَارَاً قَطُّ.

 

فَماذا حَدَثَ يَا تُرى؟ لَقَدْ حَدَثَتْ آيَاتُ عُظْمَى ذَكَرَهَا اللهُ في كِتَابِهِ العَزِيزِ. واسْمَحُوا لِي أنْ أَقِفَ، وَلَنا مَعَ القِصَّةِ وَقَفَاتٌ وَعِبَرٌ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

فَالَّلهُمَّ انفعنا وارْفَعْنَا بِالقُرآنِ الكريمِ, رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

 

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

 

المرفقات

أحياه الله -سبحانه- بعد مائة عام (1).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات