أحوال الخلق في الدنيا

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-01-14 - 1435/03/13
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ الناس في الدنيا مسافرون إلى ربهم سبحانه 2/الإغراق في الماديات سبب للهموم والأحزان 3/السبيل إلى الحياة الطيبة 4/أحوال العباد في الدنيا والآخرة متفاوتة 5/للكفر شعب وأهله متفاوتون في الشقاء 6/أصناف السائرين إلى رب العالمين 7/من أجهل الناس؟ ومن أكيسهم؟

اقتباس

فأحوال العباد في الدنيا والآخرة متفاوتة، فمنهم سعيد وشقي، ورابـح وخاسر، ومُكرم ومُهان، كلٌّ حسب عمله، ومنهم من يأخذ كتابه بيمينه، وآخر يأخذ كتابه بشماله، ففرح مسرور، وشقي محزون، فمسوق إلى الجنة، ومسوق إلى النار...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أرسل الرسل مبشرين ومنذرين, وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ويتحقق العدل بين المخلوقين, وجعل لهم خلفاء يخلفونهم في أممهم علماً وعملاً؛ ليكونوا قدوةً للعاملين, ومناراً للسالكين, وشهداء على العالمين, وهؤلاء الخلفاء هم العلماء الربانيون الذين اكتسبوا العلم ابتغاء وجه ربهم, وربوا به الأمة علماً وعملاً، فكانوا هداة مهتدين.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين, وجامع الناس ليوم لا ريب فيه؛ ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين, فليس بعده نبي وإنما هم العلماء كالأنبياء في هداية العالمين, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل:97].

 

عباد الله: لا شك أن الإنسان من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كُتب له، والأيام والليالي مراحل لسفره، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر. فالكيِّس الفطن من جعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالماً غانماً، فهو إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل، ولا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها فيحمد سعيه، ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته.

 

أيها الإخوة: لقد أبدعت الحياةُ المعاصرة في توفير أساليب الرفاهية والمُتعة لبني البشر، لكنَّها لم تستطِع أن تؤمن لهم سعادة القلب، واطمئنان النفس، ولا سكينة الروح، ومع أن العلم الحديث قد بلغ درجةً عالية من الرّقي إلا أنه لم يحقِّق إلا متعةً حسّيّة ولذّةً ظاهريّة ورفاهيةً آنيّة، لم تبلغ مكنوناتِ النفس، ولم تتذوّق بها النفس لذة الحياة الحقيقية.

 

فمن جراء هذه المادية القاحلة صِرنا في زمنٍ كثرت فيه أسبابُ الهموم والأحزان، وكثُرت فيه الفتن والمحن، وظهرتْ فيه البغضاءُ، وكثُرت فيه الشواغل، ونزلت فيه بالناس الغوائل، وتشعّبت بالناس الهموم في كل الأودية.

 

ولا ينكر أي عاقل منصف أنَّ اليأس والقلقَ والألمَ يموج في العالم، وأن التمرّد والتمزّق والمأساة والشقاء صار سمة الحياة المعاصرة، وأن هناك فوضًى تأخذ بخناق العالم، تُبعثر كلَّ ما بقي من نظام، وتسعى إلى تمزيق الحياة.

 

عباد الله: الحياة الآمنة والهادئة المستقرّة في الدنيا مطلب كلِّ إنسان، ومقصدُ كلّ عاقل، ولكن السؤال: كيف نتذوّق هذه الحياة في أنفسنا؟ وكيف نعيشها في مجتمعاتنا؟ وكيف نؤمّنُها للأجيال القادمة؟ قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً) [النحل: 97]، فاشترط -سبحانه- الإيمانَ حتى يُقبَل العملُ الصالح الذي يُثمر طيبَ العيش، وتجعل العبد قريرَ العين، هنيءَ النفس، صالح البال، فيجمع الله له أمرَه، ويرزقه الرضا والحياةَ الطيبة.

 

وقد يخطئ البعض فيتصوَّر أن الحياة الطيبة هي المقترنة بالأضواء البرَّاقة والمناصبِ الخادعة، ويتصوّرها آخرون مع تكديس الأموال والانغماس في أوحال الشهوات واحتساء سموم المخدرات، وآخرون مع تشييد القصور الفخمة.

 

وقد ذكر المفسرون أقوالاً عديدة في معنى الحياة الطيبة الواردة في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً) [النحل: 97]، فقالوا: هو الرزق الحلال الطيّب في الدنيا أو القناعة أو الرضا ونحو ذلك، لكنَّ ابن القيم -رحمه الله تعالى- وجّه الأنظارَ إلى معنًى أعمق فقال: "الصواب أنَّها حياةُ القلب ونعيمُه وبهجتُه وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبَّته والإنابة إليه والتوكّل عليه، فإنَّه لا حياةَ أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيمَ فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنَّه لتمرّ بي أوقاتٌ أقول فيها: إنْ كان أهلُ الجنَّة في مِثل هذا إنَّهم لفي عيشٍ طيّب، وإذا كانت حياةُ القلب حياةً طيبة تبِعته الجوارح، فإنه ملِكُها" انتهى كلامه [مدارج السالكين (3/259)].

 

عباد الله: إن الإنسان في الحقيقة متوجه من الدنيا إلى الآخرة، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن دار العمل إلى دار الجزاء، ومن الدار الفانية إلى الدار الباقية، ومن السعادة الجزئية أو الشقاوة الجزئية إلى السعادة الكلية أو الشقاوة الكلية، فالخير كله بحذافيره في الجنة، والشر كله بحذافيره في النار، والناس قادمون على ربهم، ومجزيون بأعمالهم: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) [الغاشية: 25-26].

 

فأحوال العباد في الدنيا والآخرة متفاوتة، فمنهم سعيد وشقي، ورابـح وخاسر، ومُكرم ومُهان، كلٌّ حسب عمله، ومنهم من يأخذ كتابه بيمينه، وآخر يأخذ كتابه بشماله، ففرح مسرور، وشقي محزون، فمسوق إلى الجنة، ومسوق إلى النار، وما أصدق ما وصفهم به ربهم وهو خالقهم، قال ربنا -سبحانه-: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) [الروم: 14-16].

 

أيها المسلمون: إن الله -عزَّ وجلَّ- خلق الخلق، فمنهم من أعرض عن منهجه وكفر، ومنهم من آمن بربه والتزم بشرعه، قال الله -سبحانه-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [التغابن: 2]، ولذلك انقسم الناس في قطع مراحل الدنيا إلى صنفين:

 

الصنف الأول: الذين قطعوها مسافرين إلى دار الشقاء، فكلما قطعوا مرحلة قربوا من تلك الدار، وبعدوا من ربهم، وعن دار كرامته، فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب، ومعاداة رسله وأوليائه ودينه: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف: 8]، فهؤلاء شرُّ خلق الله، وقد جعلت أيامهم ولياليهم مراحل يسافرون فيها إلى الدار التي خُلقوا لها، واستعملوا بها، فهم مصحوبون فيها بالشياطين الموكلة بهم، يسوقونهم إلى منازلهم في النار سوقاً كما قال -سبحانه-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) [مريم: 83]، وهؤلاء لما نسوا الله أنساهم أنفسهم، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس: 7-8].

 

والصنف الثاني من الخلق هم الذين قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام، وهم ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله، وهؤلاء الأقسام الثلاثة هم الذين اصطفاهم الله -سبحانه- لحمل كتابه ورسالته، وهم الموعودون بالنعيم المقيم يوم القيامة، قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ).

 

فالظالم لنفسه: هو الذي يترك بعض الواجبات، ويأتي بعض الكبائر. والمقتصد: هو الذي يفعل الفرائض بواجباتها ويترك الكبائر، ولكنه قد يترك المستحبات وقد يفعل بعض المكروهات. والسابق بالخيرات: هو الذي لا خوفٌ عليه ولا حزن، وهو الذي يفعل الفرائض والواجبات والمستحبات، ويترك الكبائر والمحرمات والمكروهات، ووصفه ابن القيم في طريق الهجرتين فقال: "هو الذي ينام وقلبه معلق يطوف حول العرش".

 

وهؤلاء كلهم مستعدون للسير، موقنون بالرجعى إلى الله، ولكنهم متفاوتون في التزود، وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه كما قال -سبحانه-: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر: 32].

 

وفقني الله وإياكم لصالح القول والعمل وهدانا صراطه المستقيم، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المؤمنين، وحزبه المفلحين، إنه جوادٌ كريم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وفَّق من شاء لعبادتِه، أحمده -سبحانه- وأشكره على تيسيرِ طاعتِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعدَ المؤمنين بلوغَ جنّتِه، وحذّر العصاةَ أليمَ عقوبتِه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، كان إماماً في دعوتِه، وقدوة في منهجه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاةً دائمة حتى نبلغ دار كرامتِه.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، فتقوى الله نِعمَ المغنم، وإيثار الهوى بئس المغرم.

 

أيها المسلمون: إن الله -سبحانه- خلق الخلق بقدرته، فهدى من شاء بفضله، وأضل من شاء بعدله، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأوضح طريق السعداء، وأبان سبل الأشقياء، مدح المتقين، وذم الكافرين وحذر من صفاتهم، أبان في كتابه العزيز أعمال الكافر، وفسادَ معتقده، وسوء سلوكه وأخلاقه، ينكر البعث، ويستبعد قيام الساعة، لا يؤمن بالقضاء والقدر، يجزع عند المصاعب والمصائب، قطع الرجاء والأمل من الله، اليأس والقنوط من خصائصه، (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87].

 

عباد الله: وكما أن للإيمان له شُعب، ولأهله صفات، وأهله ثلاث درجات، ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، وكذا فالكفر له شُعب، ولأهله صفات، وأهله درجات، وهم متفاوتون في الشقاء حسب أعمالهم، كما أن المؤمنين متفاوتون في النعيم حسب أعمالهم، وموعد الجميع يوم الفصل: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: 105-108].

 

والنعيم والعذاب في الدنيا والآخرة مبني على العمل في الدنيا: فمن آمن وعمل صالحاً فله السعادة في الدنيا والآخرة، ومن كفر بالله فله الشقاء في الدنيا والآخرة. ولا بدَّ من معرفة حال هؤلاء السعداء ليقتدي العبد بهم، ومعرفة حال هؤلاء الأشقياء ليحذر من سوء أعمالهم.

 

أيها المسلم: إن الله تعالى لم يأمرك بالعبادة ليقطعَك عن مُتَعِك، ولا ليحرمَك من شهواتك، ولا لينغّصَ عليك حياتَك. كلا؛ بل أمرك بالعبادة لتعيش بها هانئًا سعيدًا، مطمئن البال والضمير، (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) [طه: 123- 127].

 

أيها الإخوة: فبالإسلام تتحقق للإنسان سعادة الدارين، وبفقده يخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين؛ والجزاء من جنس العمل، فمن أعرض عن ذكر ربه وطاعته فإن معيشته ستكون ضنكًا ولا بد، فلا يشعر بالطمأنينة في الدنيا، ولا يشعر بانشراح لصدره، بل يجد صدره ضيقاً حرجاً لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة، ولا يظلم ربك أحدًا.

 

واعلموا -أيها الإخوة- أن أجهل الناس من باع آخرته بدنياه، والتقوى مفتاح السعادتين الدنيوية والأخروية، وهذا ضمان ضمنه الله لعباده، ووعدٌ لا يتخلفُ، أما المعاصي والغفلة والنسيان والطغيان، فليس من ورائها إلا ضنك المعيشة في الدنيا بالهموم المبرحة والأحزان المُجرحة مع العذاب الأليم في الآخر.

 

اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأخرتنا التي إليها معادنا، وأجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

 

 

 

المرفقات

الخلق في الدنيا

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات