أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-

عبدالباري بن عواض الثبيتي

2015-06-11 - 1436/08/24
عناصر الخطبة
1/محاسن الحديث عن عظماء الأمة 2/إسلام أبي بكر الصديق ودفاعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 3/مرافقة أبي بكر الصديق للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة 4/مسابقة أبي بكر الصديق في الخير 5/ورع أبي بكر الصديق وتواضعه 6/فهم أبي بكر الصديق وحزمه 7/ثبات أبي بكر الصديق عند المحن

اقتباس

إن عظماء المسلمين فقط، هم الذين تقرأ في كل صفحات حياتهم العظمة، فلو قلبت سجل أحدهم لرأيت في سيرة حياته الخاصة والعامة، حديث العظمة، ولرأيت في عبادته وصلاته وخشوعه الدموع الجارية، ولرأيت في دعوته وبذله ونصيحته، فروسية الدهر، ولرأيت في أخلاقه وسلوكه، ابتسامة الثغر. ومع الصحابي الذي نص القرآن على صحبته، والخليفة الذي دعمت الإسلام خلافته، بعد أن...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى.

 

أمة الإسلام: إن الحديث عن العظماء له تأثير بالغ في النفس، فسيرتهم أشجارها باسقة، وأغضانها ظليلة، ونسيمها ينعش الفؤاد، ويثلج الصدر، وما أحوج الأمة أن تعيش في أجواء عظمائها، بتعلم أفرادها سيرهم، مستشعرين كونهم قدوة، لينشأوا قمما عالية في إيمانهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وجميع شؤون حياتهم.

 

وأمتنا أكثر الأمم عظماء، وما عرف تاريخ أمة من الأمم قدراً للعظماء الذين يملئون التاريخ بمآثرهم، كما عرف ذلك تاريخ أمتنا العظيمة، وكيف لا يكون كذلك، وقد رباهم سيد الأنبياء محمد -صلى الله عليه وسلم- في حياته، فكانوا خير جيل انجبته الرسالات السماوية، كانوا مصابيح الهدى في كل عصر، وقدوة الشعوب في كل جيل، وأئمة الناس في كل ما يصلح شؤونهم من دين ودنيا، وعلم وحكمة، وأدب وفضيلة، وبذل وفداء، كانوا ليوث غابة، وغيوث سحابة.

 

فصلوات الله وسلامه على رسولنا، ورحمة الله ورضوانه على عظمائنا، ومن هؤلاء: صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين كانوا لا يريدون من الدنيا إلا مقدار ما يبلغهم الآخرة، لذا لم يرغبوا فيها، فكتبت لهم السعادة، ولم يتظاهروا بأعمالهم، فخلدها لهم التاريخ، ولم يلتفتوا إلى بقاء ذكرهم، فحفظه لهم الخلف.

 

إن سيرهم لتقرع الأسماع، وتجتذب الأنظار، وتحرك أوتار القلوب، وتسثير الألسنة الصامتة، وتحرك القلوب الراقدة، نسرد أحاديثهم، لنستلهم منها الدروس والعبر.

 

إن كل موقف وحدث، يصوغ فن الموعظة، وصنوف الحكم، بل لا يزال أثره جديداً كلما عاود القلب النابض تأمله.

 

إن عظماء المسلمين فقط، هم الذين تقرأ في كل صفحات حياتهم العظمة، فلو قلبت سجل أحدهم لرأيت في سيرة حياته الخاصة والعامة، حديث العظمة، ولرأيت في عبادته وصلاته وخشوعه الدموع الجارية، ولرأيت في دعوته وبذله ونصيحته، فروسية الدهر، ولرأيت في أخلاقه وسلوكه، ابتسامة الثغر.

 

ومع الصحابي الذي نص القرآن على صحبته، والخليفة الذي دعمت الإسلام خلافته، بعد أن أصابته الردة، والفتنة بزلزال عنيف، فكانت خلافته فتحاً عظيماً، ونصراً مبينا.

 

لما أسلم لم يبال أن يعلن إسلامه، وأن يجهر بصلاته ودعائه، ولما وجب القتال كان أقرب الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل غزوة، وكل مأزق من مآزق الجهاد، ولا ثبت أحد قط، حيث يصعب الثبات إلا كان هو أول الثابتين، أليفاً ودوداً، حسن الحديث، لطيف المعاشرة، سهلاً محبباً، رفيق الطبع، راجح العقل.

 

كان ضعيفاً في بدنه، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسه، عظيماً عند الله، إن لامس جرحاً أساه، وإن رأى مريضا داواه، وإن جاءه سائل أعطاه، وإن تظلم إليه ملهوف نصره، وإن تظلم متظلم أنصفه.

 

الكفاية شعاره، والأمانة دثاره، والوفاء صناعته، والشهامة مركبة، ولا عجب فقد نهل من المعين الأسنى، والخير من معدنه لا يستكثر؟

 

كثيرون اعتنقوا الإسلام على يدي أبي بكر -رضي الله عنه- قبل الخلافة وبعدها، وكانوا من رجالات الإسلام، وبناة المجتمع العاملين الخيرين.

 

فيا من ولدت في الإسلام: هل أثمرت حياتك خدمة للدين؟ هل أنجبت هداية لغير المسلمين؟ قال صلى الله عليه وسلم: "فوالله لئن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" [أخرجه البخاري ومسلم].

 

ولم يزل في كل عمل من أعماله، منذ أن أسلم إلى أن تولى الخلافة، مؤسساً لهذا البناء الشامخ الذي كان أول من قام عليه بعد بانيه، هاجر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من داره، وبذل المال لإخوانه، ويسر القدوة، بسرعة تصديقه، وإعلان إسلامه.

 

أحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصاحباً عظيماً، بل خاطر بحياته دفاعاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي اجتمع عليه المشركون، وهو بالمسجد الحرام، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، فأسرع إليهم الصديق -رضي الله عنه- قائلا: "ويلكم: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ) [غافر: 28].

 

فترك  المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأقبلوا على الصديق يضربونه ويؤذونه.

 

وفي الهجرة خرج أبوبكر -رضي الله عنه- مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واحتمل معه كل ما يملك، ومن خوفه: أن يصاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأدنى أذى، جعل يتقدم بين يديه ساعة، ويتأخر خلفه ساعة، حتى سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يا رسول الله اذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، لا آمن عليك" قال: "يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بل دوني؟" قال: "نعم والذي بعثك بالحق، ما كانت لتكون من ملمة إلا أن تكون بي دونك" فلما انتهيا إلى الغار، قال أبوبكر: "مكانك يا رسول الله، حتى إستبرئ لك الغار" قال عمر -رضي الله عنه-: "والله لتلك الليلة خير من آل عمر".

 

هذا هو الصديق، لا يفكر في نفسه قليلاً أو كثيراً، وإنما كان تفكيره في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحرص على سلامته، ذلك؛ لأن أبا بكر -رضي الله عنه- يعلم أن موته موت رجل، وأما موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فموت أمة، ونهاية عقيدة، قال تعالى: (وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 32].

 

كان أبوبكر تاجراً من أثرياء مكة، ولأنه صاحب رسالة ودعوة، ورجل بذل وفداء، سخر ماله في سبيل الله، ونصرة دينه، يشتري أرقاء المسلمين ويعتقهم إنقاذا لهم من أذى المشركين، فعاتبه أبوه، أو قحافة، قائلا: يا بني إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت، اعتقت رجالا جلداً، يمنعونك ويقدمون دونك، فقال أبوبكر: "يا أبت إنما أريد ما عند الله".

 

إنه الصديق الذي لا يسبق إلى شيء أبداً، تلك حقيقة قررها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- في منافسة شريفة بين الأنداد، أساسها الحب والاحترام، وليس الحقد والامتهان، فقد حاول أن يسبقه إلى عجوز يخدمها، ويحلب لها، فوجد أن أبا بكر قد سبقه، ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته إلى الانفاق، فقدم عمر -رضي الله عنه- نصف ماله، قائلا: "اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً" وأتى أبوبكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟" قال: أبقيت لهم الله ورسوله- أي تصدق بكل ماله-، فقال عمر -رضي الله عنه-: "لا أسابقك إلى شيء أبداً" [رواه الترمذي].

 

لقد ولد الإيمان أجيالا من السابقين إلى الخير، يركضون بطاقاتهم الفذة، نحو الفوز العظيم، والخلود في جنات النعيم: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين: 26].

 

وأمة الإسلام حين تنير الطريق، بسير العظماء المصلحين، وتحصنه من العابثين يتنافس أبناؤها في كل عمل جليل، يتنافسون فيما يحفظون من كتاب الله، وفيما يطبقونه من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يتبارون في المحافظة على صلاة الجماعة، والصفوف الأول، قال تعالى: (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ) [البقرة: 148].

 

وإذا آلت الأمة المسلمة إلى التنافس على الدنيا وزينتها، أو المعاصي وارتكابها، فذلك جحود وكنود وانتكاسة، تنذر بخطر بدايته الترف والبطر، ونهايته شر مستطر.

 

حذر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أمته من ذلك، فقال: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"[رواه البخاري ومسلم].

 

كان أبوبكر -رضي الله عنه- شديد الورع، بعيداً عن الشبهات تناول لقمة من طعام، فلما علم أنه ما كان ليحل له، جعل يتقيأ حتى أخرجها، فقيل له: يرحمك الله، كل هذا من أجل هذه اللقمة، فقال: "لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "كل جسد نبت من سحت، فالنار أولى به" [أخرجه الطبراني].

 

وخشيت أن ينبت شيء من جسدي في هذه اللقمة.

 

مع أن خليفة رسول الله كان أقرب الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشهد له سيد المرسلين بقوة يقينه، وصدق إيمانه، ومع أسبقيته إلى الإسلام، حتى أنه لو وزن إيمانه بإيمان الأمة، لرجح إيمانه -رضي الله عنه-.

 

مع كل هذا، فقد كان متواضعا في غير ذلة، تواضعاً لم تغيره الخلافة، فقد كان بخدمة من يحتاج من الضعفاء والعاجزين، فلما بويع بالخلافة، قالت جارية من الحي: الآن من يحلب لنا مناخ دارنا؟ فسمعها رضي الله عنه، فقال: "لأحلبنها لكم، وأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت فيه".

 

وأبوبكر -رضي الله عنه- عالم فطن، لبيب، نور الله بصيرته، يفهم مغزى الأحداث، ويدرك أسرارها، بل استطاع أن يفهم منها ما لم يفهمه الصحابة جميعاً، فقد خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، قبيل صعوده إلى الرفيق الأعلى، فقال: "إن عبداً من عباد الله قد خير بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله" فبكى أبوبكر -رضي الله عنه- وعجب الصحابة لبكائه، وقال أبوبكر: "بأبي وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا، وأنفسنا وأموالنا".

 

ففهم الصحابة عندئذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المخير، وأن أبا بكر كان أعلمهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أصبح منكم اليوم صائما؟" قال أبوبكر -رضي الله عنه-: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر -رضي الله عنه-: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟، قال أبوبكر -رضي الله عنه-: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبوبكر -رضي الله عنه-: أنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة"[رواه مسلم].

 

هذا حال من كانت الآخرة همه، وهو هم أبي بكر، وهم الصالحين من بعده، منذ أن يصحو أحدهم لا يتواني لحظة، يتلمس صنوف الطاعة، ويطرق أبواب العبادة، يرتقي درجات العلو، يرجو اللحاق بركب الصالحين الأبرار.

 

أما من كانت الدنيا همه، فأمنيته أنا يأكل ويشرب، ويلبس وينكح، وإذا طولب بأداء الواجبات، اعتذر أنه لا يطيق ذلك، فمن كانت نفسه هكذا، فهي من نفوس صغيرة، ضعفت هممها، وخارت قواها، وترهلت أجسادها، وتعطلت جوارحها، وأثاقل إلى الأرض، وعملك من جنس همك، فاللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل.

 

في صحيح البخاري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله، من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد، غير خوخة أبي بكر".

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه أهل الهدى والصلاح.

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

إن أبا بكر -رضي الله عنه- كان من أحزم الرجال، ولو كان شيخاً أسيفاً وديعاً أواباً، قاد الأمة في خضم أمواج متلاطمة، كادت تزلزل أركانها، وتهز كيانها، ولما تغير وجه التاريخ يوم وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ظهر تماسك أبي بكر -رضي الله عنه- عند هول الصدمة، وقدرته على ضبط الأعصاب، ومواجهته المأزق بحزم وحسم، فقد وجد من الصحابة من ذهل لهول النبأ، فتاه لبه، وحار بصره، وتلجلج لسانه، ولم تحمله قدماه، فسقط على الأرض، فموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كانوا يقدونه بأموالهم وأنفسهم وأولادهم، صدمة توهن قوة أعظم الرجال، وتعقد لسان أفصح البلغاء، سيطر أبوبكر على الموقف برباطة جأش، وحزم وحسم، فوقف في الجموع تاليا: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر: 30].

 

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144].

 

ثم قال: "من كان يعبد الله، فإن الله -عز وجل- حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات".

 

وبعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ارتدت العرب عن الإسلام، وأطل الكفر برأسه، فرأى بعض الصحابة أن يتركوا المرتدين مانعي الزكاة، ما داموا يقيمون الصلاة تألفاً، ورفقاً بهم، ويتفرغوا لحماية المدينة من شر المتربصين، وكان عمر -رضي الله عنه- من أصحاب هذا الرأي، فالتفت إليه أبوبكر -رضي الله عنهم أجمعين- قائلا: "رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك، هيهات أن أتألفهم، والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، ولو أن الكلاب جرت بأرض أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة".

 

قابل الفتنة بحزم وحسم، ولو أنه قبل إسلامهم ناقصاً دون زكاة، لأحدث صدعاً في صميم مبادئ الإسلام، ولجعله موضع مساومة، ولترك للأجيال من بعده سابقة خطيرة، تحطم أركانه، وتأتي على مبادئه، ومن ثم كان موقف الصديق انقاذا للمسلمين من الفتنة، وللإسلام من التصدع والضياع.

 

هذا الدرس البليغ من الشيخ الأسيف، والأب الحنون -رضي الله عنه-.

 

إن الحزم والحسم، تصبح الحاجة إليه ملحة في حياة المسلم أحياناً، وذلك في بناء الأسرة، وتربية الأولاد، وترك المحرمات، وفعل الطاعات، وكبح جماح النفس عن شهواتها.

 

وألزم ما يكون الحسم -أمة الإسلام- في مجال العقيدة، فهي لا يتقبل المساومة، ولا يمكن التخلي عن شيء منها أبداً.

 

وفي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه: "ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".

 

وفي مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة، فقال: إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! تعجبا وفزعاً: أبقرة تكلم؟! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فإني أومن به وأبو بكر وعمر..." -رضي الله عنهما ورضي عن عثمان وعن علي وعن الآل والصحب الكرام-.

 

ألا وصلوا -عباد الله- على رسول الهدى، ومعلم البشرية الخير.

 

 

 

 

المرفقات

الصديق -رضي الله عنه-

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات