عناصر الخطبة
1/عظم الزنا وخطره 2/الضمانات الشرعية للوقاية من الزنا

اقتباس

وَمِنَ الضَّمَانَاتِ الَّتي جَاءَت بِهَا الشَّرِيعَةُ لَكَفِّ الزِّنَا وَالبِغَاءِ: تَحرِيمُ المَزَامِيرِ وَالغِنَاءِ؛ إِذِ الغِنَاءُ هُوَ بَرِيدُ الزِّنَا، وَرَائِدُ الفُجُورِ وَخَمرُ العُقُولِ، وَهُوَ رُقيَةُ الشَّيطَانِ الَّتِي يَستَمِيلُ بِهَا القُلُوبَ لِلمُنكَرِ، وَيُؤَجِّجُ فِيهَا...

الخطبة الأولى:

 

أَمَّا بَعدُ: فَـ(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة:21].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: أَعظَمُ الذُّنُوبِ عِندَ اللهِ -تَعَالى- الشِّركُ بِهِ، ثُم قَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ بِغَيرِ حَقٍّ، ثُمَّ الزِّنَا، قَالَ -تَعَالى-: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)[الفرقان:68-70].

 

وعنِ ابنِ مَسعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: سَأَلتُ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ؟ قَالَ: "أَن تَجعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ" قُلتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظيمٌ، قلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "وَأَن تَقتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أَن يَطعَمَ مَعَكَ" قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَن تُزانِيَ حَليلَةَ جَارِكَ"(مُتَّفَقٌ عَلَيهِ).

 

وَإِنَّهُ لَو تَأَمَّلْنَا في المَعَاصِي الَّتي أَوقَعَتِ المُجتَمَعَاتِ في غَضَبِ اللهِ -تَعَالى- وَمَقتِهِ، وَجَلَبَت لَهَا سُخطَهُ وَعَذَابَهُ لَوَجَدنَاهَا إِمَّا مِن قَسوَةٍ وَشِدَّةٍ وَغِلظَةٍ، تُوقِعُ في الغُلُوِّ وَالتَّكفِيرِ وَإِزهَاقِ النُّفُوسِ بِلا حَقٍّ وَالتَّدمِيرِ، وَإِمَّا مِن مُيُوعَةٍ وَتَرَفٍ وَتَسَاهُلٍ، تَنتَشِرُ بِهَا المَعَاصِي وَالمُنكَرَاتُ، وَتَستَعِرُ فِيهَا الفَوَاحِشُ وَالشَّهَوَاتُ، وَتُؤتَى بِسَبَبِهَا قَبَائِحُ الذُّنُوبِ وَالكَبَائِرُ المُوبِقَاتُ، وَإِذَا استَطَاعَ الشَّيطَانُ بِمَكرِهِ وَتَزيِينِهِ وَتَسوِيلِهِ أَن يُغوِيَ الإِنسَانَ وَيُخرِجَهُ عَن الوَسَطِيِّةِ وَيُمِيلَهُ عَنِ الحَقِّ البَيِّنِ، فَإِنَّهُ لا يُبَالِي بَعدَ ذَلِكَ في أَيِّ وَادٍ هَلَكَ، وَلا أَيَّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الغِوَايَةِ سَلَكَ، غَلا وَكَفَّرَ وَخَرَجَ عَلَى وُلاةِ الأَمرِ وَقَتَلَ النَّاسَ وَرَوَّعَ الآمِنِينَ، أَو تَفَلَّتَ مِن أَحكَامِ الشَّرعِ وَتَهَاوَنَ بِهَا وَأَغرَقَ في الشَّهَوَاتِ، وَأَتَى الفَوَاحِشَ وَاعتَادَ الخَنَا وَالمُنكَرَاتِ.

 

وَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَيلُ الرَّجُلِ إِلى المَرأَةِ، وَالمَرأَةِ إِلى الرَّجُلِ قَوِيًّا، وَكَانَ الشَّيطَانُ يَجرِي مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ، وَهُوَ أَحرَصُ ما يَكُونُ عَلَى أَن يَلتَقِيَ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ لِقَاءً غَيرَ شَرعِيٍّ، فَيَحصُلُ مِن ذَلِكَ في النِّهَايَةِ الزِّنَا، الَّذِي هُوَ شَرُّ الشَّهَوَاتِ الَّتي تَفتِكُ بِالمُجتَمَعَاتِ؛ لِذَلِكَ كُلِّهِ فَقَد حَذَّرَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- مِن هَذِهِ الفِتنَةِ، وَجَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِضَمَانَاتٍ كَثِيرَةٍ تَقِي مِنَ الزِّنَا، وَتُبعِدُ كُلاًّ مِنَ الجِنسَينِ عَنِ الفُجُورِ وَالخَنَا، قَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "مَا تَرَكتُ بَعدِي فِتنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيهِ).

 

وَمِنَ الضَّمَانَاتِ الَّتِي جَاءَت بِهَا الشَّرِيعَةُ لِتَطهِيرِ المُجتَمَعِ وَحِفظِهِ مِنَ الزِّنَا: أَمرُ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَضِّ البَصَرِ، قَالَ -تَعَالى-: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لّلْمُؤْمِنَـاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)[النور:30-31].

 

وَعَن أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لا يَنظُرُ الرَّجُلُ إِلى عَورَةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرأَةُ إِلى عَورَةِ المَرأَةِ، وَلا يُفضِي الرَّجُلُ إِلى الرَّجُلِ في ثَوبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفضِي المَرأةُ إِلى المَرأَةِ في الثَّوبِ الوَاحِدِ"(رَوَاهُ مُسلِمٌ).

 

وَكَمَا جَاءَ الأَمرُ بِغَضِّ البَصَرِ فَقَد جَاءَ النَّهيُ عَمَّا هُوَ أَعظَمُ، وَهُوَ الخَلوَةُ بِالمَرأَةِ الأَجنَبِيَّةِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لا يَخلُوَنَّ أَحَدُكُم بِامرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحرَمٍ"(مُتَّفَقٌ عَلَيهِ)، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "إِيَّاكُم وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ: أَفَرَأَيتَ الحَموَ؟ قَالَ: "الحَموُ المَوتُ"(مَتَّفَقٌ عَلَيهِ)، وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "لا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيطَانُ"(رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).

 

وَمِمَّا حُرِّمُ -وَهُوَ أَعظَمُ مِن مُجَرَّدِ النَّظَرِ وَالخَلوةِ- مَسُّ المَرأَةِ الأَجنَبِيَّةِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لأَن يُطعَنَ في رَأسِ أَحَدِكُم بِمِخيَطٍ مِن حَدِيدٍ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَمَسَّ امرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ"(رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ)، وَكَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَتقَى خَلقِ اللهِ وَأَعلَمُهُم بِهِ وَأَخوَفُهُم مِنهُ- لا يُصَافِحُ النِّسَاءَ حَتَّى في البَيعَةِ، وَالَّتي مِن شَأنِهَا التَّصَافُحُ تَأكِيدًا لِلعَهدِ وَتَوثِيقًا لِلعَقدِ، قَالَت عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنهَا-: "لا وَاللهِ مَا مَسَّت يَدُ رَسُولِ اللهِ يَدَ امرَأَةٍ قَطُّ، غَيرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بَالكَلاَمِ"(رَوَاهُ الشَّيخَانِ).

 

وَمِنَ الضَّمَانَاتِ الَّتي جَاءَت بِهَا الشَّرِيعَةُ لِلوِقَايَةِ مِنَ الزِّنَا: نَهيُ المَرأَةِ أَن تُسَافِرَ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحرَمٍ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لا تُسَافِرِ المَرأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحرَمٍ، وَلا يَدخُلْ عَلَيهَا رَجُلٌ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ"(رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ).

 

وَمِنَ الضَّمَانَاتِ الوَاقِيَةِ مِنَ الزِّنَا: نَهيُ المَرأَةِ عَنِ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ، وَالخُضُوعِ في القَولِ، وَالخُرُوجِ مِن بَيتِهَا لِغَيرِ حَاجَةٍ، وَضَربِهَا بِرِجلِهَا لِيَظهَرَ صَوتُ خَلخَالِهَا، وَإِبدَائِهَا زِينَتَهَا لِلأَجَانِبِ عَنهَا، وَخُرُوجِهَا مُتَطَيِّبَةً وَلَو لِلمَسجِدِ، قَالَ -تَعَالى-: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)[الأحزاب:32-33] ، وَقَالَ -تَعَالى-: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)[النور:31]، وقَالَ -تَعَالى-: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)[النــور:31].

وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "أَيُّمَا امرَأَةٍ أَصَابَت بَخُورًا فَلا تَشهَدْ مَعَنَا العِشَاءَ الآخِرَةَ"(رَوَاهُ مُسلِمٌ). وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "أَيُّمَا امرَأَةٍ تَطَيَّبَت ثم خَرَجَت إِلى المَسجِدِ، لم تُقبَلْ لَهَا صَلاةٌ حَتى تَغتَسِلَ"(رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).

 

بَلَ لَقَد بَلَغَ حِرصُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- عَلَى مَنعِ كُلِّ مَا يَدعُو إِلى الزِّنَا إِلى أَن شَرَعَ الفَصلَ بَينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ حَتَّى في العِبَادَةِ وَالعِلمِ؛ فَرَغَّبَ النِّسَاءَ في الصَّلاةِ في بُيُوتِهِنَّ، وَأَن يَكُنَّ مِن وَرَاءِ الرِّجَالِ وَحدَهُنَّ إِذَا حَضَرنَ إِلى المَسجِدِ، بَل وَقَالَ: "خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَ"(رَوَاهُ مُسلِمٌ)، وَعَن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: غَلَبَنَا عَلَيكَ الرِّجَالُ، فَاجعَلْ لَنَا يَومًا مِن نَفسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَومًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ..." الحَدِيثَ، وَفي لَفظٍ قَالَ: جَاءَتِ امرَأَةٌ إِلى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فَاجعَلْ لَنَا مِن نَفسِكَ يَومًا نَأتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ. فَقَالَ: "اجتَمِعْنَ في يَومِ كَذَا وَكَذَا في مَكَانِ كَذَا وَكَذَا"، فَاجتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ.. الحَدِيثَ (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ).

 

وَمِنَ الضَّمَانَاتِ الوِقَائِيَّةِ لِلمُجتَمَعِ مِن شُيُوعِ الفَاحِشَةِ: فَرضُ الحِجَابِ عَلَى النِّسَاءِ، قَالَ -تَعَالى-: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)[النور:31]، وَقَالَ -تَعَالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ)[الأحزاب:59].

 

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- وَلْنَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِمَّا يَخدِشُ الأَعرَاضِ أَو يَهتِكُهَا، فَقَد حُذِّرْنَا مِنَ الحَومِ حَولَ حِمَى الزِّنَا، لِمَا يُرِيدُهُ اللهُ بِنَا مِن أَن نَكُونَ مُجتَمَعًا تَقِيًّا نَقِيًّا، طَاهِرَ الأَعرَاضِ مَحفُوظَ الأَنسَابِ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32]، وَقَالَ : (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)[النساء:26-28].

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالى- وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ)[الحشر:18-20].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَمِنَ الضَّمَانَاتِ الَّتي جَاءَت بِهَا الشَّرِيعَةُ لَكَفِّ الزِّنَا وَالبِغَاءِ: تَحرِيمُ المَزَامِيرِ وَالغِنَاءِ؛ إِذِ الغِنَاءُ هُوَ بَرِيدُ الزِّنَا، وَرَائِدُ الفُجُورِ وَخَمرُ العُقُولِ، وَهُوَ رُقيَةُ الشَّيطَانِ الَّتِي يَستَمِيلُ بِهَا القُلُوبَ لِلمُنكَرِ، وَيُؤَجِّجُ فِيهَا الشَّهَوَاتِ وَيُهَيِّجُهَا، وَيُثِيرُ كَوَامِنَ النُّفُوسِ وَيُوقِدُ فِيهَا لَوَاعِجَ الشَّوقِ وَالغَرَامِ، وَيُحَرِّكُ سَاكِنَهَا وَيَبعَثُهَا عَلَى طَردِ الهَوَى حَتَّى يُصِيبَهَا الوَجدُ وَالعِشقُ وَالهُيَامُ، وَمَا ذَاكُم إِلاَّ لِمَا اقتَرَنَ بِهِ الغِنَاءُ مِن قَصَائِدِ الغَزَلِ وَالتَّعرِيضِ بِالنِّسَاءِ وَوَصفِ مَحَاسِنِهِنَّ وَتَصوِيرِ أَجسَادِهِنَّ، بَل وَذِكرِ مَا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ مِن وَصفِ العِنَاقِ وَالتَّقبِيلِ وَغَيرِهِ، مِمَّا تُنَزَّهُ المَنَابِرُ عَن ذِكرِهِ وَتُكرَمُ أَسمَاعُ المُؤمِنِينَ عَنِ التَّلَوُّثِ بِهِ، قَالَ -سُبحَانَهُ-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)[لقمان:6].

 

قَالَ ابنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَيَكفِي تَفسِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِلَهوِ الحَدِيثِ بِأَنَّهُ الغِنَاءُ؛ فَقَد صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ وَابنِ مَسعُودٍ، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لَيَكُونَنَّ مِن أُمَّتي أَقوَامٌ يَستَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمرَ وَالمَعَازِفَ..."(رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ). وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحرِيمِ آلاتِ العَزفِ وَالطَّرَبِ مِن وَجهَينِ:

أَوَّلُهُمَا: قَولُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "يَستَحِلُّونَ" فَإِنَّهُ صَرِيحٌ بِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَيَستَحِلُّونَهَا.

 

وَثَانِيهِمَا: قَرنُ المَعَازِفِ مَعَ الزِّنَا وَالخَمرِ وَالحَرِيرِ، وَلَو لم تَكُنِ المَعَازِفُ مُحَرَّمَةً لَمَا قَرَنَهَا مَعَهَا.

 

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاللهَ اللهَ بِالانتِهَاءِ عَن كُلِّ مَا نَهَانَا اللهُ عَنهُ وَرَسُولُهُ، وَلْنَحفَظْ أَنفُسَنَا وَنِسَاءَنَا وَأَبنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَلْنُحَافِظْ عَلَى أَعرَاضِنَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم:6].

المرفقات
ولا-تقربوا-الزنا-1.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life