عناصر الخطبة
1/قرب انتهاء شهر رمضان 2/العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية 3/دروس وعبر في رحيل رمضان 4/ الحياة الحقيقية والسعادة الدائمة 5/الاجتهاد في العشر الأواخر وتحري ليلة القدر.

اقتباس

سترحل يا شهرنا المعظم، ومن المؤكد أنك ستعود، لكن الذي لا نعلمه هل ستعود ونحن على الوجود أم في اللحود؟! سترحل بعدما علمتنا أن الإنسان يمكن أن يغيّر الواقع إلى واقع أفضل وأحسن، فيمكن ترك الشهوات، ويمكن هجر الأفلام، ويمكن قيام الليل ويمكن هجر اللذات. علمتنا أن صلاة الفجر ليست شبحًا، وأن قيام الليل ليس مستحيلاً، وأن تلاوة شيء من القرآن ليس صعبًا، وأن التقرب إلى الله ليس معجزًا.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله وكرمه تزداد الحسنات وتُغْفَر الزلات، أحمده سبحانه على ما أولى وهدى، وأشكره على ما وهَب وأعطى، لا إله إلا هو العلي الأعلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المصطفى ذو الخلق الأسمى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي النهى والتقى، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله ربكم واشكروا له، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطلاق:5].

 

في يوم الثلاثاء أشرقت شمسه وأضاءت نجومه وأفاضت على الأمة خيراته، وقريبًا يوشك أن تغرب شمسه وتأفل نجومه، وما بين البداية والنهاية كانت رحلة ماتعة شهدت تصارع الهمم وتسابقًا إلى القمم.

 

أرى الهلال قد أدركه الضمور، حتى صار كالعرجون القديم، والأيام تجري والساعات تتسابق واللحظات تمضي مؤذنة بقرب الوداع لسيد الشهور.. معلنة أن لكل بداية نهاية وأن لكل أمة أجلاً، وأن العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية.

 

أيام رمضان ولياليه أوشكت على الرحيل، كلما مضى يوم خفق القلب ألماً وأملاً؛ ألماً على الفراق وأملاً بالفوز والعتاق.

 

إنما هي هذه الجمعة وأيام بعدها ويرفع الشهر يديه ملوحاً بالوداع معلناً أن رمضان لعام اثنين وأربعين وأربعمائة وألف قد مضى إلى غير رجعة ومقرراً حقيقة واحدة (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)[الشمس:9-10].

 

سترحل أيها الشهر المعظم بعدما حللت في حياتنا تحمل العطايا، وتبشر بالمِنَح الربانية والمواهب الرحمانية، فنالها من نالها وخسرها من خسرها، وسترحل عما قريب وأنت تحمل معك شهادات بالفوز والرضوان لمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وتجنّب خوارم الصيام ومفسدات الإيمان شهادات نصها: "من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".

 

وفي الوقت ذاته تحمل صكوك الخسارة والحرمان لمن أتبعوا أنفسهم هواها، ونصها: "من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقال المصطفى: آمين".

 

سترحل يا شهرنا المعظم، ومن المؤكد أنك ستعود، لكن الذي لا نعلمه هل ستعود ونحن على الوجود أم في اللحود؟!

 

أيها الشهر المعظم سترحل بعدما علمتنا أن الإنسان يمكن أن يغير الواقع إلى واقع أفضل وأحسن، فيمكن ترك الشهوات، ويمكن هجر الأفلام، ويمكن قيام الليل ويمكن هجر اللذات.

 

علمتنا أن صلاة الفجر ليست شبحًا، وأن قيام الليل ليس مستحيلاً، وأن تلاوة شيء من القرآن ليس صعبًا، وأن التقرب إلى الله ليس معجزًا.

 

أحسستنا بالأمة الكبيرة المترامية الأطراف، فنفطر جميعًا ونصوم جميعًا ونفرح جميعًا.

 

علمتنا ترك المحرمات بل وعلمتنا الورع وترك المتشابهات فتجد من يسأل عن قطرة العين وبلع الريق، وأكل بقايا نتف الطعام وذرة الغبار؛ حرصًا على كمال الطاعة.

 

أنت عما قريب راحل، وعائد إلينا بعد عام، سيولد فيه أناس ويموت أقوام، ويسعد فيه قوم، ويشقى فيه آخرون، وكم من مؤمل بلوغك حال دونه الأجل!!

 

يا شهر الله المعظم: لقد كشفت لنا عن معادن الرجال، وجليت لنا معالم الإيجابية في أمتنا.. فكم شهدت أيامك أقواما أدركوا سِرّ وجودهم، واستشعروا عِظَم حاجتهم لربهم وفقرهم إلى خالقهم وطمعهم في جنته، وخوفهم من عذابه، وأدركوا أنهم يزرعون اليوم حصاد الغد، فـ(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)[النساء:123]، و(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزلزلة:7-8]، واعلموا (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)[غافر:39]؛ فاجتهدوا فيك بما يرضي ربهم وينفعهم يوم التلاق.

 

إنهم ثلة من عباد الله غصَّت بهم المساجد ما بين راكع وساجد، وتالٍ وعابدٍ، ومتصدق وصائم/ وشاكر وحامد، بآيات ربهم يؤمنون، وبربهم لا يشركون، ومن خشيته مشفقون، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[المؤمنون: 57-61].

 

لم يشغلهم الترويح عن التراويح، وما ألهاهم الأقران عن القرآن، وما صدتهم الأفلام عن القيام، رأيناهم شيبًا وشبابًا رجالاً ونساء، مسرفين وسابقين، رأيناهم فأدركنا أن أُمتنا بخير وأن طوفان الشبهات والشهوات سيتلاشى أمام وعي الأمة وإيمانها بدينها وتمسكها بعقيدتها، وسوف تتجلى الحقائق ويظهر التغابن يوم يقوم الناس لرب العالمين.

 

إن تلكم الأيام المعدودات من نفائس أيام المؤمنين، جرت فيها أحاسيس حية ومشاعر صادقة، أثمرتها معالي الهمم ومسابقة النفوس الدائبة؛ فلا عجب أن تستهل العبرات وتشتد الحسرات أسفاً على فوات خير عظيم وسعادة صافية راضية، ما أجمل نهاره المنير بالذكر والتلاوة والمعروف!، وما أطيب لياليه العامرة بالقيام وحداء الصالحين وأنين التائبين!

 

إن الحياة الحقيقية والسعادة الدائمة والعزة الشامخة إنما هي في طاعة الله -تعالى- وعبادته، عبادة سائقها الإخلاص، وحاكمها التذلل ومنهجها الاتباع (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل:97].

 

يا خير من نزل النفوس أراحل  *** بالأمس جئت فكيف كيف سترحل

تبكي القلوب على وداعك حرقة *** كيف العيون إذا رحلت ستفعل

ها أنت تمضي يا حبيب وعمرنا  *** يمضي ومن يدري أأنت ستقبل

فعساك ربي قد قبلت صيامنا *** وعساك كل قيامنا تتقبل

يا ليلة القدر المعظم أجرها  *** هل اسمنا في الفائزين مُسجّل

كم قائم كم راكع كم ساجد *** قد كان يدعو الله بل يتوسل

يا من تحب العفو جئتك مذنبًا *** هلا عفوت فما سواك سأسأل

أعتق رقابًا قد أتتك يزيدها *** شوقًا إليك فؤادها المتوكل

رمضان لا أدري أعمري ينقضي *** في قادم الأيام أم نتقابل

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: نحن في العشر الأخيرة وفيها ليلة خير من ألف شهر، وعمل فيها يعدل عمل ثلاث وثمانين سنة؛ فلله الحمد رب السماوات والأرض رب العالمين.

 

إنها عشر كان الرسول القدوة -صلى الله عليه وسلم- يحيى فيها ليله ويوقظ أهله ويشد مئزره ويجتهد في عبادة ربه.

 

نحن في العشر الأخيرة بعدما مضت العشرون؛ فماذا بقي من عنائكم وسهركم أيها العاملون العابدون؟، لقد مضى العناء وبقي الأجر والثناء.. وماذا بقي من لذاتكم وشهواتكم أيها العابثون؟ ذهبت لذاتها والإثم حل.

 

أين بكاؤكم وندمكم أيها المقصرون؟، أين خوفكم من يوم يبدو لكم فيه ما لم تكونوا تحتسبون؟

 

إنه ما من ميت يموت إلا ندم؛ إن كان محسناً ندم على أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون قد استعتب هكذا أخبرنا -صلى الله عليه وسلم-.

 

كان مطرف بن عبدالله يقول: "اجتهدوا في العمل. فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات في الجنة". وإن يكن الأمر شديداً كما نخاف ونحذر لم نقل (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)[فاطر:37]، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك.

 

إن خسيس الهمة يندم لفوات لذته ويتحسر لفراق شهوته، أما كبير الهمة فإنما يتحسر على ساعة مرت به في الدنيا لا لأنه عصى الله فيها، وإنما لأنه لم يعمرها بذكر الله -عز وجل-.

 

لما احتُضِرَ عامر بن قيس جعل يبكي. ويقول: "ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، وإنما أبكي على ظمأ الهواجر وعلى قيام ليالي الشتاء".

 

اختموا شهركم بخير ختام واستغفروا ربكم من كل خلل وتقصير، قال الحسن: "أكثروا من الاستغفار؛ فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة"، وكان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".

 

التجئوا إلى الله عصر هذا اليوم فإن فيها لساعة تجاب فيها الدعوات، فتضرعوا إلى ربكم واسألوه لأنفسكم وأمتكم وإن ربي لسميع الدعاء.

 

نسأله تعالى أن يختم لنا رمضان بالعفو والغفران والنجاة من النيران والفوز بالجنان، وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا؛ إنه هو البر الرحيم والجواد الكريم.

 

اللهم صَلِّ وسَلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات
ikF1c8z2Ax7hwmRTr9KfwBnwcpkmEg0exTcKUHGa.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life