واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم

د عبدالعزيز التويجري

2022-11-14 - 1444/04/20
عناصر الخطبة
1/أهمية الزيارة واللقاء وفضلها عند الله وبركتها على النفس 2/صور من زيارته عليه الصلاة والسلام لأصحابه 3/صور من زيارة السلف لبعضهم في السفر والإقامة 4/مفهوم الزيارة المحمودة وتصحيح مل علق بها من مفاهيم خاطئة.

اقتباس

لا يلزم من الزيارة ودعوة الناس إليك أن تمتلك بيتا فسيحا، أو يكون لديك أثاثا راقيا؛ قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: زار النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل بيتٍ من الأنصار، فطعم عندهم طعاماً، فلما أراد أن يخرج أمر بمكانٍ من البيت فنضح له بساطٍ، فصلى...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي عمت رحمته كل شيء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فاتقوا الله -أيها المؤمنون- حق تقاته؛ (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ).

 

الصالحون وأهل الخير والدعوة لا يمل بعضهم من بعض، طلب النبي -عليه الصلاة والسلام- من جبريل -عليه السلام- تكرار زيارته، والأنس به والاستفادة منه؛ فقال يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟" فأنزل الله: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ)(أخرجه البخاري).

 

الزيارة والتزاور في الله عبادة من أجل العبادات وأنفع القربات، غاب معناها عند الكثير بسبب الإغراق في الماديات وجعلها من باب الدعوات اللازمة لا يأتي أحد لأحد ولا يزوره إلا بدعوة.

 

ما أجمل أن نتجالس في الرحمن فيرحمنا، أن نتقارب فيقرّبنا منه، أن ننفق الأوقات في التحاب والتقارب والتراحم والتفقد، فيخلفها الله لنا بركة في الأوقات والذرية!

 

الزيارة -معشر المؤمنين- لها مردودها الكبير في نفس المزار، ناهيك عن ما يكون فيها من إيناس، ونصيحة، وذكرى، وشد الأزر، وتثبيت القلب، ومناقشة قضايا عديدة؛ أسرية، واجتماعية؛ (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ).

 

المتزاورون في الله وعدهم الله بالثواب العظيم لمن حافظ عليها وخلصها من شوائب متاع الدنيا الزائل؛ "قَالَ ربنا -عَزَّ وَجَلَّ-: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ"(أخرجه الامام مالك وأحمد وصححه الألباني).

 

الزيارة في الله موعود أصحابها بنُزُلٍ في الجنة، ومقام فيها؛ قال عليه الصلاة والسلام: "من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً"(أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني).

 

في الزيارة فوائده لا تنضب، ولطائفه لا تجف، وفيها إحياء هذه الشعيرة العظيمة.

 

كان عليه الصلاة والسلام يزور أصحابه الكبير منهم والصغير الجار والبعيد وإذا دعاه أحدهم أجاب دعوته ولو على شربة ماء أو مذقة لبن؛ قال أنس -رضي الله عنه-: "كان النبي  صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويُسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم"(أخرجه الإمام النسائي).

 

الزيارة ليست حكرا على الأصحاب والقرناء، أو ذوي المالِ والثراء؛ فزيارةُ الكبارِ والضعفاء والأقرباء سنة نبوية ومنهج خلفائه؛ " كان عليه الصلاة والسلام يزور حاضنته أم أيمن ولما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ قال أبو بكر لـعمر -رضي الله عنهما-: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها".

 

وفي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- زار عتبان بن مالك بعدما ضعف بصره.

 

لا يلزم من الزيارة ودعوة الناس إليك أن تمتلك بيتا فسيحا، أو يكون لديك أثاثا راقيا؛ قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: زار النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل بيتٍ من الأنصار، فطعم عندهم طعاماً، فلما أراد أن يخرج أمر بمكانٍ من البيت فنضح له بساطٍ، فصلى عليه ودعا لهم؛ قال ابن حجر -رحمه الله-: "من فوائد هذا الحديث: استحباب الزيارة، ودعاء الزائر لمن زاره وطعم عنده".

 

قال البخاري -رحمه الله-: باب الزيارة ومن زار قوماً فطعم عندهم، وزار سلمان أبا الدرداء في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فأكل عنده، قال الشراح: "الأكل عند المزور مما يثبت المودة ويزيد المحبة"؛ قال ابن حجر في فوائد هذا الحديث: "أن من تمام الزيارة أن يقدم للزائر ما حضر"؛ أي ما يتيسر من طعام، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التكلف للضيف.

 

الزيارة والتزاور في الله حب وإخاء وود وسلام، لا يلزم منها طول مكثٍ أو مبالغة في المواعيد أو استعداد في الطعام والشراب، الزيارة في الله أيسر من ذلك وأبسط؛ قال ابن عمر -رضي الله عنه-: "كنا جلوساً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ دخل رجل من الأنصار فسلم ثم أنصرف؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال صالح فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- من يزوره منكم؟ فقام وقمنا معه، ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس، نمشي في تلك السباخ حتى جئناه فدنى منه النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه"(أخرجه مسلم).

 

وضع كثير من الناس تكاليف في الزيارة وحواجز ورسميات أورثت انقطاع كبيرا بين الأصحاب وحتى بين الاقربين، فما يمنع إذا قدمت على بلد فيه أصحاب لك أو أقربين أن تزورهم أو تبيت عندهم أو تٌقيل!؛ قال الإمام البخاري في صحيحه، باب: من زار قوماً فقال عندهم، قال: من القيلولة، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي بيت عبادة بن الصامت فيقيل عندهم.

 

وإذا كان بين شخص وآخر نوع من الصلة والقرابة أو الأخوة الكبيرة، وتقارب في المساكن، مع وعدم حصول تكلف؛ فلا حرج عليك أن تقابله باستمرار، بوب البخاري في صحيحه فقال باب الزيارة غدوة وعشيه، واستشهد بحديث عائشة قالت: "لم يمر علينا يومٌ إلا يأتي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر طرفي النهار بكرةً وعشية".

 

استغفر الله واستغفروا ربكم؛ إن ربي رحيم ودود.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله له الخلق والملك والتدبير، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.

 

أيها المؤمنون: لقد درج السلف من الصحابة وغيرهم على السفر لزيارة إخوانهم والانتفاع بلقياهم؛ وتثبيت بعضهم بعضاً؛ فكان أحدهم يسير الأيام ويواصل الليالي من أجل زيارة أخٍ له في الله، سافر سلمان -رضي الله عنه- لزيارة آل أبي الدرداء بعدما فتحت البلدان وتفرق الصحابة في الأمصار.

 

قال البخاري: ورحل جابر بن عبدالله مسيرة شهر إلى عبدالله بن أنيس.

 

وقد جاء في صحيح مسلم؛ "أنَّ رَجُلاً زَارَ أخاً لَهُ فِي قَرْيَةٍ أخْرَى، فَأرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً، فَلَمَّا أتَى عَلَيْهِ قال: أيْنَ تُرِيدُ؟ قال: أرِيدُ أخاً لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قال: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قال: لا، غَيْرَ أنِّي أحْبَبْتُهُ فِي الله -عَزَّ وَجَلَّ-، قال: فَإِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكَ، بِأنَّ اللهَ قَدْ أحَبَّكَ كَمَا أحْبَبْتَهُ فِيهِ".

 

قال الإمام ابن حبان -رحمه الله-: "الواجب على العاقل تعاهد الزيارة للإخوان وتفقد أحوالهم؛ لأن في ذلك استكمال الذخر في الآجل، والتلذذ بالمؤانسة بالأخ المزور.

 

وعن محمد بن سهل التميمي، قال: سمعت الفريابي يقول: "جاءني وكيع بن الجراح من بيت المقدس للعمرة؛ فقال: يا أبا محمد لم يكن طريقي عليك، ولكن أحببت أن أزورك وأقيم عندك"؛ فأقام عندي ليلة، وجاءني ابن المبارك وقد أحرم بعمرة؛ فأقام عندي ثلاثًا؛ فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقم عندي عشرة أيام، قال: "لا الضيافة ثلاثة أيام".

 

وإذا كان من اهل الصلاح والفضل كانت زيارته أولى؛ قال الإمام البخاري بلغ ابن عمر أن سعيد بن زيد مرض يوم الجمعة وكان ممن شهد بدراً، فركب إليه ابن عمر بعد ما تعالى النهار واقتربت الجمعة وترك الجمعة.

 

الاجتماعات والزيارات يعظم أثرها إذا كانت تثبيت للحق وشد من أزر إخوانه، وتذاكر في الخير لا سيما في أوقات الأزمات وبث الشبهات وانفتاح الشهوات وتراخي النفوس عن الطاعات، زار أبو موسى معاذ بن جبل في اليمن فتذاكرا فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرؤه في صلاتي، وعلى راحلتي، قائما، وقاعدا، أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قَالَ: فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي، فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي.(أخرجه البخاري).

 

هذه شذرات في باب الأخوة والتزاور في الله بين الأصحاب والأقربين مستلة من هدي رسول الله وأصحابه وسلف الأمة علها تكون نبراسا لحياتنا وتأليفا لقلوبنا وجمعا لشتاتنا وتناصح في ما بيننا ولتكون ذخرا لنا.

 

 نسأل الله أن يجعلنا من الصالحين المصلحين المتزاورين في الله، المتحابين فيه، المستظلين بظله.

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life