عناصر الخطبة
1/أهمية شكر النعم في حفظها وزيادتها 2/محبة بلاد الحرمين والدفاع عنها 3/أهداف رافضية خبيثة 4/الحذر من الشائعات والأراجيف 5/النصر حليف المؤمنين والصابرين.

اقتباس

وليس الهدف من استهداف مواقع النفط إضعاف هذا البلد بعينه، بل هو جزء من مخطط كبير لأهداف أخرى؛ كإقامة دولة صفوية فارسية، ونشر التشيع، والقضاء على أهل السنة والجماعة عن طريق أذنابها الحوثيين في...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

 

عباد الله: يقول الله -تبارك وتعالى-: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)[النحل:18].

 

إن نِعَم الله الظاهرة والباطنة على عباده بعدد الأنفاس واللحظات، ومن جميع أصناف النعم مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون، وما يُدفع عنهم من النقم فأكثر من أن يحصى: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ فهو -جل وعلا- (غَفُورٌ) لتقصير العباد في شكر نِعَمه، وهو -جل وعلا- (رَحِيمٌ) بهم؛ حيث وسَّع عليهم النعم، ولم يقطعها عنهم بالتقصير والمعاصي، ويرضى منهم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير.

 

فوظيفة العباد أن يقوموا بشكر هذه النعم؛ بمحبة المنعم والخضوع له، وصرفها في الاستعانة على طاعته، وأن لا يُستعان بشيء منها على معصيته. وفي سورة قريش يقول -عز وجل-: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)[سورة قريش:1-3].

 

فنعم الله -تعالى- تُقابَل بالشكر؛ فإن النعم بشكرها تقرّ وبكفرها تفرّ، ومن شكر النعم استشعارها والتحدث بها والحرص على استدامتها يقول الله -تعالى- عن خليله إبراهيم -عليه السلام-: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا)[إبراهيم:35]، ويقول -سبحانه-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)[العنكبوت:67].

 

وقد كان من دعائه -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك"(رواه مسلم).

 

وقد كان السلف يسمون الشكر بالحافظ والجالب؛ أي: أنه طريق لحفظ النعم الموجودة، ووسيلة لجلب النعم المفقودة، ولهذا قال -عز وجل-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم:7]؛ فالشكر عنوان للحفظ والزيادة.

 

والشكر سبب لرضى الرب -جل جلاله-: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)[الزمر:3]، أي: يحبه منكم ويزدكم من فضله. وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليَرضى عن العبد أن يأكل الأَكلة، فيَحمده عليها، أو يشرب الشَّربة، فيحمده عليها"(رواه مسلم).

 

والشاكر ينسب النعم إلى ربه المنعم المتفضل ويردد دائمًا: "هذا من فضل ربي"، وقارون قال عن نعم الله عليه: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)، فكانت العاقبة: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)[القصص:81].

 

ومن شكر النعم ترك الذنوب والمعاصي، فإنها سبب في زوالها، قال -تعالى-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[النحل:112].

 

إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا *** فَإِنَّ الذُّنُوبَ تُزِيلُ النِّعَمْ

وَحُطْهَا بِطَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ *** فَرَبُّ الْعِبَادِ سَرِيعُ النِّقَمْ

 

وهذا خاتمُ النبيين وإمامُ الشاكرين محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-، كان يُصلِّي من الليل حتى تتفطَّر قدَماه، فتقول له عائشة: "أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا"(رواه مسلم). نسأله -سبحانه- أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

 

عباد الله: إن من نعم الله علينا نعمة هذا البلد الأمين الذي أقسم الله -تعالى- به فقال: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)[التين:3]، وهي: مكة المكرمة، محل نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وسماه أمينا؛ لأنه آمن كما قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا) فالأمين بمعنى الآمن، يأمن فيه الناس في الجاهلية والإسلام.

 

وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بقاء الإسلام في هذه البلاد، كما في قوله: "إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا"، وقوله: "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا"، يعني يحن ويرجع وينضم ويجتمع، رواه مسلم وغيره. ففي ذلك إشارة إلى ارتباط، مستقبل وحاضر وماضي هذه البلاد بالإسلام.

 

ولعل هذا من أسباب حفظ الله -تعالى- لهذا البلد، وبقاء الخيرية فيه وبقاء الأمن ودفع كثير من الغوائل والفتن، وفي صلح الحديبية عندما تعاهدت قريش، مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ذكر الزهري: أنه بعد هذا الصلح أمن الناس بعضهم بعضاً، حتى إنه لم يكلم أحد يعقل في الإسلام إلا دخل فيه.

 

ومن شكر الله على نعمه تحقيق عقيدة المسلم في الولاء للبلد الأمين بلد الحرمين الشريفين ومحبتها وبذل الغالي والنفيس دونها، فقد كان حب مكة شرفها الله في سويداء قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ قال وهو يغادرها مهاجرًا "والله إنك لأحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت"، وكذلك حب المدينة مهاجره -صلى الله عليه وسلم- ففي الصحيح أنه قال: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم وصححها، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة". ولا زال هذا الحب والانتماء في قلب كل مسلم ومسلمة.

 

فالمسلم يحبها تديناً، وتهوي أفئدة المسلمين إليها، وربما كان قصارى ما يتمناه الواحد منهم أن يجلس فيها أياماً وليالي آمناً، أو أن يعيش فيها، أو حتى أن يموت على ثراها الطيب الطاهر.

 

ومن لازم هذه العقيدة: الدفاع عنها لأنها بيضة الإسلام وحوزة المسلمين والمسلمون بنيان واحد وأمة واحدة وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

 

وأي عدوان يمس لبنة من بناء المسلمين وبلادهم فإنه اعتداء على حرمات كل المسلمين، فكيف إذا كان العدوان على مهبط الوحي ومنبع الرسالة وقبلة المسلمين التي يتوجهون إليها في صلاتهم خمس مرات.

 

إن هذه البلاد ليست بلدنا وحدنا بل هي وطن كل مسلم، لأنها قبلتهم ومهوى أفئدتهم، أمنها أمن المسلمين واستقرارها استقرار العالمين قال -تعالى-: (جَعَلَ اللهُ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)[المائدة:97].

 

لقد صنع التاريخ في مكة وطابة، وجرت فيها أحداث غيَّرت مجرى التاريخ كله، وما زالت ولن تزال بحول الله وقوته في منعة من الله وأمان؛ فهي الرابطة الايمانية التي يجتمع عليها المسلمون، وبها يفتخرون ويعتزون، وكتب الله لها أسباب العزة والسؤدد؛ لأنها ليست مبنية على عصبية أو عرقية أو مذهبية، ولكنها شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وينعم بظلها كل مستظل، فرايتها كلمة التوحيد ودستورها القرآن، وطاعة ولي الأمر دين وعقيدة والبيعة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ومن هنا نقول -عباد الله-: إن ضرب مصافي النفط في بقيق وخريص وإطلاق الصواريخ والطائرات على المملكة العربية السعودية مِن قِبَل أعداء الملة والدين هو عدوان وإرهاب وظلم وعدوان وجزء من الحرب والاستهداف على عدة جبهات ومن عدة جهات هدفها الإخلال بالأمن وتدمير الاقتصاد واستنزاف المقدرات ونسف المكتسبات وإضعاف الروح المعنوية للمسلمين.

 

ناهيكم عن حملات موجهة وضجة إعلامية مستأجرة يخوض في حمأتها متعدد الأطراف في القنوات وبرامج التواصل، وهي جزء من الحرب على الإسلام ومجتمعات المسلمين.

 

وليس الهدف من استهداف مواقع النفط إضعاف هذا البلد بعينه، بل هو جزء من مخطط كبير لأهداف أخرى؛ كإقامة دولة صفوية فارسية، ونشر التشيع، والقضاء على أهل السنة والجماعة عن طريق أذنابها الحوثيين في اليمن وحزب اللات في لبنان، والحشد الشيعي الارهابي في العراق، ولكن يأبى الله ورسوله والمؤمنون.

 

إن من شكر النعم قيام كل مسلم ومواطن ومقيم بدوره في الحفاظ على الأمن واستدامته والبعد عن إثارة الفتن وجر الناس إلى التنازع والاختلاف الذي عاقبته الفشل وذهاب الريح: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)[الأنفال:46].

 

وفي ظل ما يمر به عالمنا اليوم من أحداث متسارعة وتقلبات متتابعة يتأكد حسن التعاطي مع الأحداث والقضايا مع لزوم الهدوء والحذر، وأن يكون القول الفصل بالرد إلى كتاب الله وسنة ورسوله وأولى الأمر وهم أهل الحل والعقد: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)[النساء:83].

 

فواجبنا الحذر من الشائعات والأراجيف فبئس مطية الرجل زعموا، وكفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى وسمع الله لمن دعا، وبعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

 

عباد الله: يقول -جل وعلا-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ)[الأنبياء:105-106]. فلا بد من الثبات على الدين والصبر على مقتضيات الطريق والثقة بوعد الله ونصره وحفظه مهما تسلط الأعداء فإن النصر حليف المؤمنين والصابرين، وللبيت رب يحميه.

 

فلنتق عباد الله، ولنكن على يقظة من أمرنا، ولنأخذ حذرنا، ولنستمع لنداء ربنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسلِمُونَ * وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم إِذْ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا وَكُنتُم عَلَى شَفَا حُفرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاختَلَفُوا مِن بَعدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ)[آل عمران:103-105].

 

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتَنا فيمن خافَك واتَّقاك، واتَّبَع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم آمن حدودنا، واحفظ بلادنا، وانصر جنودنا، واجمع شملنا على طاعتك ونصرة دينك.

 

اللهم من أراد هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين بسوء فاشغله في نفسه، ورد كيده في نحرِه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا سميع الدعاء.

 

المرفقات
نعمة-البلد-الأمين.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life