عناصر الخطبة
1/الدنيا دار ابتلاء وامتحان 2/النهي عن الحزن 3/من أهم مقومات السعادة 4/في حياة الأنبياء عبرة وعظمة 5/من أسباب استجلاب الهموم والأحزان.

اقتباس

لا تُنفق أيامَك في الحُزن, وتُبذِّر لياليك في الهم, وتُوَزِّع ساعاتك على الغموم, ولا تُسْرِف في إضاعة حياتك؛ فإنَّ الله لا يحب المسرفين, والدنيا كلُّها أهون عند الله من جناح بعوضة, فَلِمَ الجزع عليها, والهَلَعُ من أجلها؟!...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسوله الكريم, وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وبعد: الدنيا دار ابتلاءٍ وامتحان, فيها الأمراض والأكدار والمصائب؛ لذا ضاق عَيشُ الأنبياءِ والأخيار, فآدمُ يعاني المِحَنَ إلى أنْ خرج من الدنيا, ونوحٌ كَذَّبه قومه واستهزأوا به, وإبراهيمُ يُكابد النار وذبح الولد, ويعقوبُ بكى حتى ذهب بصره, وموسى يُقاسي ظُلْمَ فرعون, ومحمدٌ -صلى الله عليه وسلم- يُصابِرُ الفقرَ ونفورَ قومِه..

 

وقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ, وَمَا وَالاَهُ, أَوْ عَالِمًا, أَوْ مُتَعَلِّمًا"(رواه ابن ماجه). ومن هنا نعلم أنَّ عُمْرَ الدنيا قصير, وكنزها صغير, فمَنْ أُصيب هنا كوفئ هناك, ومَنْ تَعِبَ هنا ارتاح هناك.

 

ومع ذلك؛ فإنَّ الحُزن منهيٌّ عنه حتى في أصعب المواقف. ولمَّا انكسر الصحابةُ في معركة أُحد قال الله -تعالى؛ مُسَلِّياً لهم-: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا)[آل عمران: 139], وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لصاحبه، وهما في الغار: (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة: 40]. فالحُزن خمود وهمود, وبرود في النفس؛ بل هو أحبُّ شيءٍ إلى الشيطان؛ لِيَقْطَعَ العبدَ عن سَيرِه إلى الجنة, قال -تعالى-: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا)[المجادلة: 10].

 

وحُزن المؤمن غير مطلوب, ولا مرغوب فيه؛ لأنه من الأذى الذي يُصيب النفس, فينبغي طردُه, وعدمُ الاستسلام له, ومقاومَتُه بالوسائل المشروعة, ومن ذلك الاستعاذة بالله منه؛ كما في دعاء النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ"(رواه البخاري).

 

أخي الكريم: لا تُنفق أيامَك في الحُزن, وتُبذِّر لياليك في الهم, وتُوَزِّع ساعاتك على الغموم, ولا تُسْرِف في إضاعة حياتك؛ فإنَّ الله لا يحب المسرفين, والدنيا كلُّها أهون عند الله من جناح بعوضة, فَلِمَ الجزع عليها, والهَلَعُ من أجلها؟!

 

عبدَ الله: لا تحزن على شيءٍ مما أصابك؛ فاحتسابُ الأجرِ والمثوبة عند الله -تعالى-, ورؤيةُ المُصابين, ومقارنةُ حالِك بهم, وإدراكُكَ أنك أحسن حالاً منهم, وتسليمُك ورضاك بقضاء الله وقدرِه, فهذا كلُّه يُخفِّفُ عنك المصائب, ويُزِيلُ الهَمَّ والحُزن, وتذكَّر قولَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ, وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ, فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا, وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ"(رواه الترمذي).

 

فيا مَنْ أصابه الأرق, وأظلَمَ في وجهه الليل؛ أبْشِرْ بالصُّبح القريب, وتذكَّر أنَّ الحياة الطيبة -في الدنيا والآخرة- تتحقَّق بشرطين؛ الإيمان بالله, والعمل الصالح, وتذكَّر –أيضًا- بأنَّ من أهمِّ مُقوِّمات السعادة القلب الشاكِر, واللسان الذاكِر, والبدن الصابِر, ومِصداقه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ, مُعَافًى فِي جَسَدِهِ, عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ, فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"(رواه الترمذي).

 

فالسعادة تتحقَّق بالأمن, والمأوى, وكفايةِ الغذاء, والعافيةِ في البدن, وهذا يحصل لكثيرٍ من الناس, ولكنهم لا يذكرونه ولا يلتفِتون إليه!

 

واللهُ -تعالى- خاطَبَ نبيَّه الكريم -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)[النساء: 113]؛ وقال -سبحانه-: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)[المائدة: 3]؛ فأيُّ نِعمةٍ تمَّت على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وقد عاش فقيراً يتلوى من الجوع؟ وأحياناً لا يَجِدُ رَدِيءَ التمرِ ليأكله ويشبع منه, وينام في غرفة من طين سقفها من جريد النخل, ويتوسد على وِسادة حشوها لِيفٌ تُؤثِّر في جنبه, وأحياناً لا يوجد في بيته إلاَّ الأسودان التمر والماء, ورَهَنَ دِرعَه عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير...

 

ومع ذلك عاشَ في نعيمٍ لا يعلمه إلاَّ الله -تعالى-, وفي انشراحٍ وارتياحٍ وانبساطٍ واغتباط, وهُدوءٍ وسكينة, قال اللهُ -تعالى- له: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)[الضحى: 4, 5]. وخاطَبَه بقوله -سبحانه-: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)[الشرح: 2-4].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ...

 

أيها المسلمون: كثير من الناس يظنُّ أنَّ السعادة في كثرة الدُّور والأموال, وكثرةِ الممتلكات, وكثرةِ الأشياء؛ فإذا هي سببُ الهَمِّ والكَدَر والتَّنغيص؛ فإنَّ كلَّ شيءٍ بهمِّه وغمِّه, وضريبةِ كدِّه وكَدْحِه, قال -سبحانه-: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[طه: 131].

 

فلا تمدَّ عينيك مُعجباً، ولا تُكرِّر النَّظرَ مُستحسناً إلى أحوال الدنيا والمُمتَّعين بها؛ من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابسِ الفاخرة، والبيوتِ المزخرفة، والنساءِ المُجمَّلة، فإنَّ ذلك كلَّه زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوسُ المُغترِّين، ثم تَذهب سريعاً، وتمضي جميعاً، وتقتل مُحبِّيها وعُشَّاقَها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدِموا في القيامة، وإنما جعلها اللهُ فتنةً واختباراً، لِيُعلَمَ مَنْ يقف عندها ويغتر بها.

 

(وَرِزْقُ رَبِّكَ) العاجِل من العلم والإيمان وحقائق الأعمال الصالحة, والآجِل من النعيم المُقيم والعيش السليم في جوار الربِّ الرحيم (خَيْرٌ وَأَبْقَى)؛ لكونه لا ينقطع (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا)[الرعد: 35]. وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّ العبد إذا رأى من نفسه طموحاً إلى زينة الدنيا وإقبالاً عليها؛ أنْ يُذَكِّرَها ما أمامها من رِزْقِ ربِّه, وأنْ يُوازِنَ بين هذا وهذا.

 

 وقال الله –تعالى مُخاطِباً نبيَّه صلى الله عليه وسلم-: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)[التوبة: 55]؛ فإنه لا غبطةَ فيها؛ لأنهم عَصَوا اللهَ لأجلِها, وقدَّموها على مراضِي ربهم. والمراد بالعذاب هنا؛ ما ينالهم من المَشقَّةِ في تحصيلها، والسَّعي الشديد في ذلك، وهَمِّ القلب فيها، وتَعَبِ البدن. فلو قابلتَ لذَّاتهم فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فلمَّا ألهتهم عن اللهِ -تعالى- وذِكْرِه؛ صارتْ وبالاً عليهم في الدنيا والآخرة.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life