كيف تربي أبناءك – قواعد في التربية (1)

الشيخ أحمد بن ناصر الطيار

2022-10-12 - 1444/03/16
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ تربية الأبناء فرضٌ لازمٌ مهمٌّ 2/ تفشّي مشكلة غياب فن التعامل مع الأبناء 3/ ضرورة بذل المجهود لتربية الأبناء بعلمٍ 4/ تجربةُ مُرَبٍّ ناججٍ 5/ أول قواعد تربية الأبناء: بر الأب لوالديه
اهداف الخطبة

اقتباس

فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه, وتركه سدى, فقد أساء غاية الإساءة. وأكثرُ الأولاد إنما جاء فسادهم مِن قِبَل الآباء، وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهم فرائضَ الدين وسنَنَه، فأضاعوهم صغاراً, فلم يَنْتَفِعوا بأنفسهم، ولم... والإنسانُ اسْتطاع أنْ يُروِّض الوحوش القاتلة, والسباع العادية, والصقور الجارحة, أفلا تستطيع أنت أنْ تُروِّض ابنك وفلذةَ كبِدِك الذي يتفق معك في...

 

 

 

 

الحمد لله الذي تعالى عن الشريك والأنداد, وتنزَّه عن الصاحبة والأولاد, وأحاطتْ قُدرتُه وآلاؤُه جميعَ العباد, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قدَّره حقَّ قدره الْمُوفَّقون من العلماء والعُبَّاد, ومن جحده وعانده فالله له بالمرصاد.

 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيِّدُ العُبَّاد والزُّهاد، الداعي إلى سبيل الهُدى والرشاد، صلى الله عليه, وعلى آله وأصحابه, الذين أفنوا أعمارهم بالدعوةِ والجهاد, وكانوا حصناً منيعاً أمام الشرك والإلحاد, وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم التناد.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنَّ أغلى ما نَمْلِكه في حياتنا بعد ديننا, هم أولادنا, وفَلذاتُ أكبادنا, فهم من أعظم أسباب سعادتنا أو تعاستنا, فبصلاحهم وهدايتهم يرتاح بالُنا, وتَصفو حياتُنا؛ وبفسادهم وتمرُّدِهم: تتكَدَّر حياتُنا, ونتجرَّعُ الأسى والألم؛ فالأولاد ثروتنا في هذه الحياة, (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف:46].

 

وإنَّ الْأب العاقل مَن يسعى للحفاظ عليها, وتنميتِها ومراقبتِها, ويطلُب الطُرُقَ والوسائل, التي من خلالها يتمكن من تربيتهم تربيةً صحيحة, ولو تطلَّب ذلك شيئاً من وقته وماله.

 

وإذا كانت لك على أولادِك حقوقٌ مشروعة، فعليك واجباتٌ ومسؤوليات، ولَئِنْ قيل للأولاد: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً) [الأحقاف:15]، فقد قيل للآباء: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة) [التحريم:6].

 

قال ابن كثيرٍ -رحمه الله-: "أي: مُروهم بالمعروف, وانهوهم عن المنكر, ولا تدعوهم هملا, فتأكلهم النار يوم القيامة" اهـ.

 

وأكد ابن القيم -رحمه الله- هذه المسؤولية فقال: قال بعض أهل العلم: إن الله -سبحانه- يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أنَّ للأب على ابنه حقاً، فلِلْابْنِ على أبيه حقٌّ.

 

 فكما قال الله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً) قال أيضاً: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة)، فوصية الله للآباء بأولادهم, سابقةٌ على وصية الأولاد بآبائهم.

 

فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه, وتركه سدى, فقد أساء غاية الإساءة. وأكثرُ الأولاد إنما جاء فسادهم مِن قِبَل الآباء، وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهم فرائضَ الدين وسنَنَه، فأضاعوهم صغاراً, فلم يَنْتَفِعوا بأنفسهم، ولم يَنْفَعوا آباءَهم كباراً. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

 

فها أنت -أيها الأب- تسعى كلَّ يومٍ للبحث عن رزقك, وتنميةِ أموالك, وتسأل وتبحث عن طُرُقِ تنميتها وتكثيرها, أفلا يستحق أبناؤُك مثل هذا الحرص والجهد؟.

 

والإنسانُ اسْتطاع أنْ يُروِّض الوحوش القاتلة, والسباع العادية, والصقور الجارحة, أفلا تستطيع أنت أنْ تُروِّض ابنك وفلذةَ كبِدِك الذي يتفق معك في الطباع والصفات وكلِّ شيء؟.

 

وإذا كُنَّا قد سعينا في إيجادهم في هذه الحياة, فهل سعينا في تربيتهم ليُواجهوا مصاعبَها وعناءها، ولِيكونوا عوناً وأُنْساً لنا؟ أم أهملنا تربيتهم, ليكونوا مصدر شقاءٍ وتعاسةٍ لنا؟ فماذا صنعنا لهم بعد وجودهم؟ وكيف واقِعُنا معهم؟.

 

والمشكلة أن أكثر الآباء والأمهات, لا يَجِدون متسعاً من الوقت أو من الصبر, في الاستماع والإنصات لأولادهم, كي يتعرفوا على ما بنفوسهم وخواطرِهم, ويَفْهَموا طبيعة مشاعرِهم وهمومهم، فلابد أنْ نُجاهد أنفُسنا, على أنْ تتمرَّن على فنِّ التعامل مع الأبناء، وعلى التعاطي معهم بالأسلوب الأمثل, والتعامل الأفضل.

 

 وبعض الآباء -هداهمُ الله- ليس لديهم مرونةٌ في التعامل، إما أسود أو أبيض! أو بعبارةٍ أخرى: إما أنْ توافق أو تفارق, أشبه بالأسلوب العسكري!.

 

وهذا نهجٌ دَرَج عليه بعض الآباء في الزمن السابق, حيث لا مفرّ للابن إلا إلى والدَيه, ولكنه لا يَتناسب أبداً في هذا الزمن, فلو فارقه فالأشرار سوف يتلقَّفونه ويستقبلونه, وأبواب الشرّ مُشْرعةٌ أمامه.

 

فمعاملة الأبناء فنٌّ يسْتعصي على كثيرٍ من الآباء والأمهات, وكثيراً ما ينشدُ الآباء ويبحثون عن أفضل السبل للتعامل معهم.

 

والعجيب؛ أنك لا تكاد تجد أحداً عنده أولادٌ إلا ويشتكي من الصعوبات التي تواجهه أثناء تربية أولاده, وإذا كان لتوِّه قد رُزق مولوداً فإنه يحمل همَّاً في الصعوبات التي ستواجهه, ويخبرك بأن الزمن والْجِيْل قد تغيَّر, لكنه لم يُكلِّف نفسه ولو ساعةً واحدةً في الشهر ليقرأ كتاباً أو يسمع شريطاً أو يَحْضر دورةً في كيفية التعامل مع الأبناء, أو على الأقل يستشير أهل الخبرة والتربية, ويقبل بنصحهم وتجاربهم.

 

بل إن أكثر هؤلاء يخوضون التجارب بأنفسهم, ولم يستفيدوا من غيرهم ولا ممن سبقهم شيئاً.

 

ويا لَلْعجب! لو أن أحدهم أراد أنْ يدخل مشروعاً تجاريَّا سوف يضع فيه ما عنده من الأموال, لرأيته يسأل التجار وأهل الخبرة, ويضع تصوراً  كبيراً عن هذا المشروع, بحيث لا يُقْدم عليه إلا عن قناعةٍ تامة, وخبرةٍ كافية! أوليس أبناؤهم, وفلذات أكبادِهم, أكبرُ وأعظمُ مشروعٍ في حياتهم؟.

 

ولْيُعلَم: أنَّ كلَّ علمٍ لا يُربي فليس بعلم, وكلَّ تربيةٍ لا ترتكز على العلم فليست بتربية.

 

فأكثر الناس لا يُربون أبناءهم على علمٍ مُؤَصَّل, ولا على قواعد مدروسة, فينشأ الطفل كغيره من الأطفال العاديين, وإنْ حصل منه نوعُ صلاحٍ ونبوغ: فهو من طرفٍ مُؤثرٍ آخر, إما من معلم, أو صديقٍ, أو دعوةٍ صادقةٍ له, أو بسبب صلاح والديه أو أحدهما.

 

فلا تغترَّ حينما ترى أحداً من الناس, له أولادٌ صالحون بارِزون, وهو لا يعرف الكتابة والقراءة؛ لأنَّ أبناءه ربما حصل لهم شيءٌ مما ذُكِر, وربما لأنَّه تعامل معهم تعاملاً صحيحاً سليماً بفطرته, فهو رباهم بناءً على علمٍ فطريّ لا على علمٍ مُكتسب, والْمُؤدَّى واحد.

 

وخذ مثالاً على ذلك: سُئِل أحدُ الناجحين في تربية أبنائه-علماً بأنه لم يأخذْ إلا الشهادة الابتدائية, وليس متعلماً ولا مُثقفاً-, سُئِل عن سبب تفوقهم وصلاحهم, وحُبّهم وصداقتهم له، حتى إنهم إذا كانوا في مجلسٍ, فإنهم لا يُفضِّلون الجلوس إلا عنده, والقرب منه, والحديثَ معه, وأحدُهم أصبح طبيباً ذا شأنٍ ومكانة, والآخر على وشكِ التخرج من كلية الطب, والبقية تخرجوا من الثانوية, بنسبةٍ تتجاوز الستةَ والتسعين بالمائة.

 

فأجاب قائلاً: السبب الأكبر عندي, هو قيامي على والديّ, وطاعتهما وبِرِّهما؛ ودعائي لأولادي في سري وعلني.

 

وأما عن تعاملي معهم: فإني جعلتهم كأصدقائي تماماً, أعاملهم بلا تكلف, وأجد في قلبي رحمةً وعاطفةً كبيرةً تجاههم, ولا أذكر أني ضربت أحداً منهم ولا مرةً واحدة, وأستشيرهم دائماً, وآخذ برأيهم، وأمنحهم المسؤولية والثقة في أنفسهم، حتى إني أعطيتهم بطاقة صرافتي, وقلت لهم: أنا ائتمنتكم على أموال أهلكم, وأُكرم أَولادي كذلك، وأُغدق عليهم.

 

فمثل هذا الْمُربي الناجح اسْتغنى بفطرته وتربيته السليمة عن القراءة والمطالعة, وما جاءتْ هذه الخطبةُ وغيرُها, إلا لاسْتنباط أسرار الناجحين, واقتباسِ أسباب نجاحهم, واستنباطِ أسرار الذين فشِلُوا في التربية, واقتباسِ أسبابِ فشلهم.

 

نسأل الله -تعالى-, أن يُصْلح أبناءنا, وأن يَهديَهم الصراط الْمُستقيم، إنَّه سميع قريبٌ مجيب.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه, صلى الله عليه, وعلى آله وأصحابه, وسلم تسليمًا كثيراً إلى يوم الدين.

 

أما بعد: وإنّ أُولى هذه القواعدِ وأهمَّها: برُّ الوالدَين, والقيامُ بهما, فالجزاء من جنس العمل, والحياة دَين ووفاء, فمن برَّ والديه برّه أبناؤه, قال -صلى الله عليه وسلم- فيما يُروى عنه: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم" رواه الحاكم وصححه.

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَزَاءُ, مُمَاثِلًا لِلْعَمَلِ مِنْ جِنْسِهِ, فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا, نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ خَذَلَ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ فِيهِ, خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ نُصْرَتهُ فِيهِ، وَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، وَمَنْ أَنْفَقَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَوْعَى أَوْعَى عَلَيْهِ، وَمَنْ عَفَا عَنْ حَقِّهِ, عَفَا اللَّهُ لَهُ عَنْ حَقِّهِ، وَمَنْ تَجَاوَزَ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهَذَا شَرْعُ اللَّهِ, وَقَدَرُهُ وَوَحْيُهُ, وَثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ, كُلُّهُ قَائِمٌ بِهَذَا الْأَصْلِ". اهـ.

 

وإنك لا تكاد تجد مَن عقَّ والديه, إلا رُزق بأولادٍ يعقُّونه, ويُنغِّصون عليه حياته, ولا تكاد تجد من برَّ والديه, إلا رُزق بأولادٍ برَرَة, يُدخلون عليه البهجة والسرور.

 

وكم مِن إنسانٍ عامَل أبناءه بأرقى الأساليب, وأحسن التعامل, ولكنه في النهاية لم يُوَفَّق في كسب وُدِّهم, وصلاحِ حالهم, بل رأى منهم الجفاء وسوءَ الأخلاق, ولو فتَّش عن حاله, لرأى أنَّ السبب في ذلك: تقصيرُه في حق والديه, أو عدمُ اعتمادِه على الله -سبحانه- في تربيتهم, بل اعتمد على ثقافته وشخصيَّته.

 

وإنه لا سعادة ولا فوز ولا توفيق لك, إلا في رضا والديك عنك، فكم من أُناسٍ حُرموا لذة الحياة الدنيا, ولذةَ الأنس بأولادهم, والتوفيقَ في حياتهم, والأعمالَ الصالحة التي تُقربهم إلى ربهم, بسبب عقوق الوالدين وعصيانِهِما، فهم من نكدٍ إلى نكد، ومن مصيبةٍ إلى أخرى، فكانت عاقبتُهم وخيمة، وخاتمتُهم سيئة؛ بسبب عقوقهم لوالديهم.

 

ولعلَّنا نُكمل أساليبَ التربية, وقواعدَها وفنونَها, في جُمَعٍ قادمةٍ بحول الله -تعالى-.

 

نسأل الله -تعالى-, أنْ يُلْهمنا بِرَّ آبائنا وأُمَّهاتنا, أحياءً وأمواتاً, إنه على كل شيءٍ قدير.

 

 

كيف تربي أبناءك – قواعد في التربية (2)

 

كيف تربي أبناءك - قواعد في التربية (3)

 

 

 

المرفقات
كيف تربي أبناءك – قواعد في التربية (1).doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life