في الموت معتبر (خطبة)

الشيخ أحمد بن ناصر الطيار

2024-07-24 - 1446/01/18
عناصر الخطبة
1/حتمية الموت على كل كائن حي 2/في الموت والموتى معتبر 3/لحظةُ الفراق هي أعظم اللحظات المرعبة في حياةِ الغافل 4/على العبد أن يتدارك عمره قبل الفوات

اقتباس

أما في الموت معتَبر؟ أما نودّع كلّ يوم واحدًا منا أو أكثر؟ أما يأخذ الموتُ الرجل السليم في فراشه؟ أما يأخذ الآمن وهو غارق في نومِه؟ أما يأخذ الشاب الصغير بغْتة؟ ويأخذ القوي المعافى وهو بين رفاقه وأهله؟...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الخالق البارئِ المصور، العزيزِ الجبارِ المتكبر، العليِ الذي لا يضعه عن مجده واضع، الجبارِ الذي كلُّ جبار له ذليلٌ خاضع؛ فهو القهار الذي لا يدفعه عن مراده دافع، الغنيٌّ الذي ليس له شريكٌ ولا منازع، القادرُ الذي بهر أبصارَ الخلائق جلاله وبهاؤه، وكسر ظهور الأكاسرة عزُّهُ وعلاؤه، وقصَّر أيدي القياصرةِ عظمته وكبرياؤه، فالعظمةُ إزاره، والكبرياءُ رداؤه، ومن نازعه فيهما قصمه بداء الموت فأعجزه دَوَاؤُه.

 

والصلاة والسلام على محمد الذي أشرقت بنوره أكنافُ العالم وأرجاؤه، وعلى آله وأصحابه الذين هم أحبَّاء الله وأولياؤه، وخيرتُه وأصفياؤُه، وسلم تسليما كثيرا.

 

 أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- فإنَّ في تقوى الله سعادةً في هذه الحياة، وأمانًا ولذّةً يوم لقاء الله.

 

عباد الله: لقد كتبَ الله الفناء على جميع الخلق، حتى على ملائكته وحملة عرشه، (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)؛ فيطوي السماوات بيمينه، ويطوي الأرض بيده الأخرى، فيتكلم جل جلاله في هذا السكون المهيب، والموقف الرهيب؛ فما من سائلٍ غيرُه ساعتها ولا مجيب، يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟! ثم يقول جل جلاله: لمن الملك اليوم؟! فلا يجيبه أحد، فيجيب على ذاته ويقول: لله الواحد القهار، (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).

 

زال مُلْك كلِّ مَلِك، وبقي ملكُ ربِّ العالمين، وذهب عزّ المترفين والعظماء، وبقي عز رب الأرض والسماء.

 

أين أهلُ القرون السالفة؟! أين الفراعنة؟! أين الأكاسرة؟! أين القياصرة؟! (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).

 

 فإلى كلّ من اغترَّ بماله، أو اغتر بمنصبه وأعوانِه، أو اغترّ بمكانته وجاهه: لو دام ذلك لك لدام لغيرك.

 

أين الأكاسرة الجبابرة الأُلى *** كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا

من كلِّ مَن ضاق الفضاءُ بجيشه *** حتَّى ثوَى فحواه لحدٌ ضيِّقُ

خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا *** أنَّ الكلام لهم حلال مطلقُ

 

فسبحان من خضعت لعظمته الرقاب، وذلَّت لجبروته الإنس والشجر والدواب، لا يزول ملكه، ولا يبيد عرشه، ولا يَفنى سلطانه.

 

إخوةَ الإيمان: أما في الموت معتَبر؟ أما نودّع كلّ يوم واحدًا منا أو أكثر؟ أما يأخذ الموتُ الرجل السليم في فراشه؟ أما يأخذ الآمن وهو غارق في نومِه؟ أما يأخذ الشاب الصغير بغْتة؟ ويأخذ القوي المعافى وهو بين رفاقه وأهله؟

 

متى ندرك أنَّ الدور قد يكون علينا؟ وأنَّ ساعة رحيلنا ربما قد دنَت؟

 

إنّ أعظم اللحظات المرعبة في حياةِ الغافل: لحظةُ الفراق، فبينما هو مع أحبابه وأصحابه من الإنس، يأنس ويلهو معهم، وينشغل بأمواله أو جواله أو أصحابه، إذا نزلتْ عليه ملائكةٌ لا يعلم عددَهم ولا أشكالَهم ولا أحجامَهم إلا الله، فيُخاطبونه ويزجرونه؛ (أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ)، يا لها من لحظات مرعبة، وأوقات عصيبة، وقد بلغ به الخوفُ كلَّ مبلغ، ويندم ندمًا عظيمًا، ويقول ولا ينفعه القول: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ).

 

يطلب من ربه الرجوع وهو بعدُ لم ير ما أعُدّ له، فما كان هذا أوّلُه عُرِف هوْلُ آخره.

 

فيا أيها الغافلُ المعرضُ عن ربه، المنشغلُ بنفسه ودنياه وأصحابهِ، تدارك نفسك قبل مجيء يومك، ودُنُوِّ أجلك، وأَزِلْ عنك غطاء الغفلة قبل أنْ يُزال عنك، (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ‌فَبَصَرُكَ ‌الْيَوْمَ حَدِيدٌ)، والمعنى: لقد كنت في غفلةٍ عمّا خُلقتَ له، فكشفنا عنك غطاءك ‌فبصرك ‌اليوم نافذ قوي، تنظر ما يهولُك ويروّعك، من أنواع العذاب والنكال والعقاب، وما ظلمك الله، فقد بيّن لك الحق في الدنيا فأعرضْتَ عنه، وحذّرك من مخالفته ومعصيته فلم تُبال.

 

اللهم أصلح فساد قلوبنا، وأعذنا من داء الغفلة، وسلوكِ دروب الْغِواية، إنك سميع قريب مجيب.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم على المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:

 

أخي المسلم: يومًا ما قيل عنك (وُلد)، وسيأتي اليوم الذي سيقال عنك (مات)، وما بينهما كأنه حلم أو سراب، وحياتك كلها ستراها يومًا ساعة، (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ).

 

فاعمل لله واجتهد ما دمت في هذه الساعة التي سرعان ما تنقضي؛ (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا).

 

اللهم أحسن ختامنا، واغفر ذنوبنا، وتجاوز عن تقصيرنا، يا حيّ يا قيوم.

 

عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى، وإمام الورى؛ فقد أمركم بذلك جل وعلا؛ فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي.. يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

 

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات، اللهم فرِّج همومهم، واقض ديونهم، وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.

 

عباد الله: إنَّ اللَّه يأْمُرُ بالْعدْل والْإحْسانِ وإيتاءِ ذي الْقُرْبى ويَنْهى عن الْفحْشاءِ والمنْكرِ والبغْيِ يعِظُكُم لَعلَّكُم تذكَّرُون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life