غض البصر عن المحرمات

خالد بن عبدالله الشايع

2024-01-03 - 1445/06/21
عناصر الخطبة
1/التحذير من اتباع خطوات الشيطان 2/إطلاق البصر من أخطر دواعي الزنا 3/من مضار النظر إلى الحرام 4/حكم النظر إلى البنت الصغيرة والمردان.

اقتباس

إنَّ النظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فلنق الله بغض أبصارنا عن المحرمات، فيكفي مطلق البصر من العذاب ما يورثه نظره من الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس للعين قدرة عليه ولا صابراً عنه...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله الحي الستار، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، حرّم على الخلق كل ضار، وأباح لهم كل نافع، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، خير عباد الله وأطهرهم وأزكاهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

 

معاشر المؤمنين: إنَّ من عرف خطر الزنا على نفسه ومجتمعه، بل على دينه ودنياه، فرّ منه فراره من الأسد، كيف لا؟ وهو خرْق للفطرة، وهبوط إلى مستوى البهيمة، إلاَّ أنَّه ينبغي أن يعلم كل مكلّف أنَّ الشيطان لا يدعو العبد إلى الزنا الصريح مباشرة، وإنَّما يستدرجه ويستغويه ويوقعه في حبائله، حتى يسير عليها إلى تلك الجريمة البشعة؛ ولهذا نهى -سبحانه- الخلق أن يقعوا في حبائل الشيطان حتى لا يستدرجهم؛ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)[النور: 21].

 

عباد الله: إنَّ من رحمة الله بخلقه أنَّه لما حرم عليهم المحرمات، حرّم كل طريق يوصل إليها؛ ولهذا لما حرّم الزنا حرّم كل داعٍ يدعو إلى الزنا، حتى يصبح العبد المطبق لشرع الله -تعالى- من أبعد الناس عن المحرمات، فانظروا -رحمكم الله- إلى كل من وقع في جريمة الزنا، كيف وقع فيها؟ تجد أنَّ الشيطان استدرجه من خلال دواعي الزنا حتى أوقعه في تلك الجريمة.

 

ولأهمية معرفة دواعي الزنا لكي لا يقع فيها العبد، نتعرض لهذه الدواعي، فمن دواعي الزنا -وهو أخطرها- إطلاق البصر في المحرمات من صورٍ وذوات؛ فالنظر هو رائد القلب إلى الوقوع في الزنا، قال ابن القيم -رحمه الله-: "إنَّ الشيطان يقول لأوليائه وجنده: دونكم ثغر العين؛ فإنَّه منه تنالون بغيتكم، فإنَّي ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، فإنّي أبذر به في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنيه؛ حتى أثوى عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة، فلا تهملوا هذا الثغر"، قال -تعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)[النور: 30]، لما كان الخطر على الفرج يبدأ من النظر الحرام أمر -سبحانه- الخلق بغض البصر أولاً، ثم ثنّى بحفظ الفرج؛ فإنَّ الحوادث مبدؤها من النظر، كما أنَّ معظم النار من مستصغر الشرر.

 

عباد الله: إنَّ البصر من نعم الله -تعالى- على العبد، ولكن إذا استخدمه العبد في الحرام صار نقمة عليه يورده المهالك، فإن النظرة تولِّد خطرة، والخطرة تولد فكرة، والفكرة تولد شهوة، والشهوة تولد إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة؛ فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع، وفى هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من ألم ما بعده، قال الشاعر:

 كلُّ الحوادثِ مبدأُها من النظر *** ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَرِرِ

كْم نظرةٍ فعلتْ في قلب صاحبها *** فِعْلَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وتـرِ

والمرءُ ما دامَ ذا عينٍ يُقَـلِبُها *** في أَعينِ الغِيرِ موقوفٌ على خَطرِ

يَسرُّ مُقلَتَهُ ما ضرَّ مُهجَـتَهُ *** لا مرحباً بسرورِ عادَ بالضـررِ

 

ولقد تكاثرت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية الآمرة بغض البصر، والمحذرة من عواقبه، قال -تعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)[النور: 30]، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والجلوس في الطرقات، فإن أبيتم فأعطوا الطريق حقها"، قالوا وما حقه؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(وأخرج الترمذي وأبو داود وغيرهما من حديث بريدة)، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنَّها لك الأولى وليست لك الآخرة"، وأخرج مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبدالله قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "عن نظر الفجاءة، فقال: "اصرف بصرك"،.

والمعنى لهذا الحديث والذي قبله أنَّه إذا اتفق للعبد أن وقع بصره على محرم من غير قصد، فليصرف بصره سريعاً.

 

أيها المؤمنون: إنَّ النظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فلنق الله بغض أبصارنا عن المحرمات، فيكفي مطلق البصر من العذاب ما يورثه نظره من الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس للعين قدرة عليه ولا صابراً عنه، قال ابن القيم -رحمه الله-: "ومن العجب أنَّ لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه، حتى يتبوأ مكاناً من قلب الناظر"، قال ابن القيم:

يَا رَامِيًا بِسِهَامِ اللَّحْظِ مُجْتَهِدًا *** أَنْتَ الْقَتِيلُ بِمَا تَرْمِي فَلَا تُصِبِ

يَا بَاعِثَ الطَّرْفِ يَرْتَادُ الشِّفَاءَ لَهُ *** احْبِسْ رَسُولَكَ لَا يَأْتِيكَ بِالْعَطَبِ

 

اللهم أعنا على غض أبصارنا، وحفظ فروجنا يا سميع الدعاء، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له إله الحق المبين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله، رسول رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الكرام الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 

معاشر المؤمنين: ومما ورد في السنة المطهرة في الأمر بغض البصر والنهي عن إطلاقه، ما رواه الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-، قال -صلى الله عليه وسلم-: "اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة"، وذكر منها: "غضوا أبصاركم"، وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".

 

عباد الله: من هذا الحديث يظهر لنا أنَّ غض البصر هو عن العورات، وعن كل ما من شأنه أن تنتج الشهوة، أياً كان المنظور إليه، قال ابن تيمية -رحمه الله-: "قد أمر الله في كتابه بغض البصر وهو نوعان: غض البصر عن العورة، وغضه عن محل الشهوة، فالأول منها: كغض الرجل بصره عن عورة غيره، وأما النوع الثاني: فهو غض البصر عن الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية، وهذا أشد من الأول". أهـ.

 

أيها المؤمنون: سؤال أجب عليه في نفسك: هل غضَّ بصره من أطلقه في القنوات الفضائية، أو تطبيقات الجوال؟ أم هل غض بصره من قلّب بصره في المجلات الساقطة؟.

 

وإياك أن تقول: إنَّها نظرة عابرة برئية!، قال ابن مسعود: "الإثم حوّاز القلوب، وما من نظرة إلاَّ للشيطان فيها مطمع"، وقال أنس بن مالك: "إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك".

 

أيها الناس: إنَّ غض البصر ليس مقصوراً على النساء فقط، بل كل ما يخشى منه أن يحدق في القلب الشهوة، يجب أن يغض البصر عنه، قال الزهري -رحمه الله- في النظر إلى البنت الصغيرة: "لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة".

 

وإنَّ مما يجب غض البصر عنه كذلك هو غض البصر عن المردان، وهم الذكور دون سن البلوغ ممن لم ينبت في وجهه شعر، قال القرطبي -رحمه الله-: "إنَّ كثيراً من السلف كانوا ينهون أن يحد الرجل نظره إلى الأمرد، وحرّمه طائفة من أهل العلم؛ لما فيه من الافتتان"، وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "إن كان الأمرد جميلاً يخاف الفتنة بالنظر إليه، لم يجر تعمد النظر إليه".

 

عباد الله: غضوا أبصاركم، تصح لكم قلوبكم، وتطمئن نفوسكم إلى أزواجكم، وتنبسط نفوسكم إلى ذكر ربكم ومولاكم.

 

اللهم نعوذ بك من خائنة الأعين، اللهم أعنا على غض أبصارنا.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life