شيء مما لهن علينا

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

2022-10-04 - 1444/03/08
التصنيفات: قضايا المرأة
عناصر الخطبة
1/ عناية الإسلام بعلاقة الرجل بالمرأة 2/ حق المرأة في الإسلام 3/ جواز التعامل بين الجنسين بحدود الشرع 4/ أثر طهر العلاقة بين الجنسين في صلاح المجتمع 5/ الحرص على احتشام النساء وصيانتهن 6/ الغرب واسترخاصه للمرأة
اهداف الخطبة

اقتباس

إِنَّ المَرأَةَ حِينَ تَكُونُ أُمًّا أَو بِنتًا أَو زَوجَةً، فَحَقُّهَا البِرُّ وَالإِحسَانُ وَالمُعَاشَرَةُ بالمَعرُوفِ، وَالإِطعَامُ وَالكِسوَةُ وَالسَّترُ وَالحِشمَةُ، وَالقِيَامُ عَلَيهَا بِالإِنفَاقِ وَالحِفظِ وَالرِّعَايَةِ؛ لأَنَّهَا دُرَّةٌ غَالِيَةٌ وَجَوهَرَةٌ ثَمِينَةٌ، تَزدَادُ قِيمَتُهَا بِمِقدَارِ حِفظِهَا وَحِمَايَتِهَا، وَصِيَانَتِهَا مِن أَن تَتَنَاوَلَهَا الأَيدِي الخَادِشَةُ ..

 

 

 

أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ) [الأنفال: 29].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: دِينُكُم دِينٌ عَظِيمٌ، وَمَنهَجُ حَيَاةٍ شَامِلٌ مُتَكَامِلٌ، فِيهِ لِلأَبدَانِ عِلاجٌ وَدَوَاءٌ، وَهُوَ لِلأَروَاحِ هُدًى وَشِفَاءٌ، وَكُلُّ عِلاقَةٍ لِلمَرءِ فِيهِ مَعَ غَيرِهِ، فَهِيَ عِلاقَةٌ وَاضِحَةٌ مُبَيَّنَةٌ، تَحكُمُهَا ضَوَابِطُ وَتُحِيطُ بها حُدُودٌ، بَدءًا بِعَلاقَتِهِ مَعَ رَبِّهِ وَخَالِقِهِ وَمَعبُودِهِ، وَمُرُورًا بِوَالِدَيهِ وَأَهلِ بَيتِهِ، ثم مَن حَولَهُ مِن جِيرَانٍ وَإِخوَانٍ وَأَصحَابٍ وَخَدَمٍ، بَل حَتى الحَيَوَانَاتُ وَالبَهَائِمُ وَكُلُّ نَاطِقٍ في الأَرضِ وَصَامِتٍ، لَهُم عَلَى هَذَا الإِنسَانِ حَقٌّ يَجِبُ أَن يَحفَظَهُ وَيَرعَاهُ، وَيَسِيرَ فِيهِ عَلَى هُدًى مِنَ اللهِ، لِيَسلَمَ لَهُ بِذَلِكَ دِينُهُ وَعِرضُهُ، وَيَسعَدَ في أُولاهُ وَأُخرَاهُ.

أَلا وَإِنَّ مِمَّا أَولاهُ الإِسلامُ عِنَايَةً خَاصَّةً وَحَفِظَهُ وَنَظَّمَهُ وَرَعَاهُ، عِلاقَةَ الرَّجُلِ بِالمَرأَةِ، الَّتي هِيَ لَهُ أُمٌّ أَو بِنتٌ أَو أُختٌ، أَو عَمَّةٌ أَو خَالَةٌ أَو زَوجَةٌ، أَو غَرِيبَةٌ أَجنَبِيَّةٌ، مُسلِمَةً كَانَت أَم غَيرَ ذَلِكَ.

إِنَّ تِلكَ العِلاقَةَ إِمَّا أَن تَكُونَ سَامِيَةً شَرِيفَةً، فَيُؤجَرَ عَلَيهَا الرَّجُلُ أَجرًا عَظِيمًا، وَيَدخُلَ بِسَبَبِهَا الجَنَّةَ، بَل وَيُجَاوِرَ فِيهَا خَيرَ خَلقِ اللهِ مُحَمَّدَ بنَ عَبدِ اللهِ، وَإِمَّا أَن تَكُونَ عِلاقَةً شَيطَانِيَّةً بَهِيمِيَّةً، تُؤَجِّجُهَا الشَّهوَةُ وَتَدفَعُهَا النَّزوَةُ، فَتَكُونَ عَلَى صَاحِبِهَا عَارًا في دُنيَاهُ يَلحَقُهُ حَتى مَمَاتِهِ، وَضِيقًا في قَبرِهِ وَعَذَابًا يَومَ حَشرِهِ، نَاهِيكَ عَمَّا قَد يُصِيبُهُ مِن جَرَّائِهَا مِن آثَارٍ صِحِّيةٍ أَو نَفسِيِّةٍ سَيِّئَةٍ.

إِنَّ المَرأَةَ حِينَ تَكُونُ أُمًّا أَو بِنتًا أَو زَوجَةً، فَحَقُّهَا البِرُّ وَالإِحسَانُ وَالمُعَاشَرَةُ بالمَعرُوفِ، وَالإِطعَامُ وَالكِسوَةُ وَالسَّترُ وَالحِشمَةُ، وَالقِيَامُ عَلَيهَا بِالإِنفَاقِ وَالحِفظِ وَالرِّعَايَةِ؛ لأَنَّهَا دُرَّةٌ غَالِيَةٌ وَجَوهَرَةٌ ثَمِينَةٌ، تَزدَادُ قِيمَتُهَا بِمِقدَارِ حِفظِهَا وَحِمَايَتِهَا، وَصِيَانَتِهَا مِن أَن تَتَنَاوَلَهَا الأَيدِي الخَادِشَةُ، قَالَ -سُبحَانَهُ-: (وَاعبُدُوا اللهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدِينَ إِحسَانًا) [النساء: 36]، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلا-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا)، وَعَن أَبي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحَابَتي؟! قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثم مَن؟! قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثم مَن؟! قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثم مَن؟! قَالَ: "أَبُوكَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَعَن طَلحَةَ بنِ مُعَاوَيَةَ السُّلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: أَتَيتُ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي أُرِيدُ الجِهَادَ في سَبِيلِ اللهِ. قَالَ: "أَمُّكَ حَيَّةٌ؟!"، قُلتُ: نَعَم. قَالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "اِلزَمْ رِجلَهَا فَثَمَّ الجَنَّةُ". رَوَاهُ الطَّبرانيُّ وَقَالَ الأَلبَانيُّ: صَحِيحٌ لِغَيرِهِ.

وَعَنِ ابنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- قَالَ: أَتَى النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أَذنَبتُ ذَنبًا عَظِيمًا، فَهَل لي مِن تَوبَةٍ؟! فَقَالَ: "هَل لَكَ مِن أُمٍّ؟!"، قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَل لَكَ مِن خَالَةٍ؟!!"، قَالَ: نَعَم. قَالَ: "فَبَرَّهَا". رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَأَمَّا البِنتُ فَهِيَ حَبَّةُ القَلبِ وَرَيحَانَةُ الفُؤَادِ، بَلَغَ مِن عِنَايَةِ الإِسلامِ بها أَن أَوصَى أَبَاهَا بها، وَوَعَدَهُ الجَنَّةَ عَلَى الإِحسَانِ إِلَيهَا وَالصَّبرِ عَلَيهَا، قَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "مَن كُنَّ لَهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيهِنَّ وَأَطعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِن جِدَتِهِ، كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ". رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَقَالَ: "مَن عَالَ جَارِيَتَينِ حَتى تَبلُغَا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ". رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَقَالَ: "مَنِ ابتُلِيَ مِن هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيءٍ فَأَحسَنَ إِلَيهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِترًا مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَأَمَّا الزَّوجَةُ فَهِيَ شَقِيقَةُ الحَيَاةِ وَأُمُّ الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ، وَالصَّاحِبَةُ في اليُسرِ وَالعُسرِ، لا يُكرِمُهَا إِلاَّ كَرِيمٌ، وَلا يُهِينُهَا إِلاَّ لَئِيمٌ، عَلَيهَا لِلزَّوجِ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ، وَحَقُّهَا عَلَيهِ بَينَ مَعرُوفٍ وَإِحسَانٍ، إِذْ بَطنُهَا لأَبنَائِهِ وِعَاءٌ، وَثَديُهَا لَهُم سِقَاءٌ، وَهِيَ مِنهُم في تَعَبٍ وَعَنَاءٍ، قَالَ -سُبحَانَهُ-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعرُوفِ) [النساء: 19]، وَقَالَ: (فَإِمسَاكٌ بِمَعرُوفٍ أَو تَسرِيحٌ بِإِحسَانٍ) [البقرة: 229]، وَعَن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهَا- قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "خَيرُكُم خَيرُكُم لأَهلِهِ، وَأَنَا خَيرُكُم لأَهلِي". رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَعَن مُعَاوِيَةَ بنِ حَيدَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: مَا حَقُّ زَوجَةِ أَحَدِنَا عَلَيِه؟! قَالَ: "أَن تُطعِمَهَا إِذَا طَعِمتَ، وَتَكسُوَهَا إِذَا اكتَسَيتَ، وَلا تَضرِبَ الوَجهَ وَلا تُقَبِّحَ، وَلا تَهجُرَ إِلاَّ في البَيتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "لا يَفرَكْ مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً، إِن كَرِهَ مِنهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنهَا آخَرَ". رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ.

وَعَن أَبي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "دِينَارٌ أَنفَقتَهُ في سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنفَقتَهُ في رَقَبَةٍ، وَدِيَنارٌ تَصَدَّقتَ بِهِ عَلَى مِسكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنفَقتَهُ عَلَى أَهلِكَ، أَعظَمُهَا أَجرًا الَّذِي أَنفَقتَهُ عَلَى أَهلِكَ". رَوَاهُ مُسلِمٌ.

هَذَا -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- بَعضٌ مِمَّا يَجِبُ لِلمَحَارِمِ مِنَ النِّسَاءِ وَالقَرِيبَاتِ، وَأَمَّا مَن عَدَاهُنَّ مِنَ البَعِيدَاتِ الغَرِيبَاتِ، فَقَد عُنِيَ الإِسلامُ بِالعِلاقَةِ فِيهِ بَينَ الجِنسَينِ عِنَايَةً عَظِيمَةً؛ لأَنَّ مَا بَينَهُمَا إِنَّمَا هُوَ حِجَابٌ رَقِيقٌ وَسِترٌ غَيرُ صَفِيقٍ، إِن حُفِظَ بَقِيَ طَاهِرًا نَظِيفًا، وَإِن هُوَ تُرِكَ هُتِكَ، وَحِينَ أَمَرَ الإِسلامُ بِالتَّفرِيقِ بَينَ الإِخوَةِ وَالأَخوَاتِ في المَضَاجِعِ بَعدَ بُلُوغِهِم سِنَّ عَشرِ سَنَوَاتٍ، فَإِنَّمَا تِلكَ إِشَارَةٌ وَاضِحَةٌ إِلى خُطُورَةِ اختِلاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، قَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالَّسلامُ-: "مُرُوا أَولادَكُم بِالصَّلاةِ وَهُم أَبنَاءُ سَبعِ سِنِينَ، وَاضرِبُوهُم عَلَيهَا وَهُم أَبنَاءُ عَشرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَينَهمُ في المَضَاجِعِ". رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ.

لَقَد أَجَازَ الإِسلامُ التَّعَامُلَ بَينَ الجِنسَينِ في غَيرِ خَلوَةٍ، بِشَرطِ التِزَامِ النِّسَاءِ بِالحِجَابِ الشَّرعِيِّ، وَعَدَمِ الخُضُوعِ بِالقَولِ، وَعَدَمِ التَّخَاطُبِ لِغَيرِ حَاجَةٍ أَو مَصلَحَةٍ، وَأَن يَغُضَّ كُلٌّ مِنَ الطَّرفَينِ بَصرَهُ وَلا يَمَسَّ الآخَرَ وَلا يُصَافِحَهُ، قَالَ -تَعَالى-: (قُلْ لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزكَى لَهُم إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما يَصنَعُونَ * وَقُلْ لِلمُؤمِنَاتِ يَغضُضنَ مِن أَبصَارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَلْيَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَو آبَائِهِنَّ أَو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَو أَبنَائِهِنَّ أَو أَبنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَو إِخوَانِهِنَّ أَو بَنِي إِخوَانِهِنَّ أَو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَو نِسَائِهِنَّ أَو مَا مَلَكَت أَيمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الإِربَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفلِ الَّذِينَ لم يَظهَرُوا عَلَى عَورَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضرِبْنَ بِأَرجُلِهِنَّ لِيُعلَمَ مَا يُخفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ) [النور: 30، 31].

وَفي صَحِيحِ البُخَارِيَّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:" لا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامَرأَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ".

وَعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُم وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ: أَفَرَأَيتَ الحَموَ؟! قَالَ: "الحَموُ المَوتُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَرَوَى مُسلِمٌ أَنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "اِتَّقُوا الدُّنيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ"، وَفي الصَّحِيحَينِ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَا تَرَكتُ بَعدِي فِتنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لأن يُطعَنَ في رَأسِ رَجُلٍ بِمِخيَطٍ مِن حَدِيدٍ، خَيرٌ لَهُ مَن أَن يَمَسَّ امرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ". رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَقَالَ -تعالى-: (فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي في قَلبِهِ مَرَضٌ وَقُلنَ قَولاً مَعرُوفًا * وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعنَ اللهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: 32، 33]، وَقَالَ -سُبحَانَهُ-: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدنى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: 59].

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الإِسلامِ، وَالزَمُوا أَحكَامَهُ وَقِفُوا عِندَ حُدُودِهِ، فَإِنَّهُ مَتى كَانَتِ العِلاقَةُ بَينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَبنِيَّةً عَلَى هَديِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلم تَعتَرِضْهَا قَوَانِينُ أَهلِ الزَّيغِ وَالشَّهوَةِ، فَإِنَّ المُجتَمَعَاتِ سَتَبقَى تَتَفَيَّأُ دَوحَةَ الطُّهرِ وَالعَفَافِ، سَالِمَةً مِن كُلِّ شَرٍّ، طَاهِرَةً مِن كُلِّ رَذِيلَةٍ.

فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِمَّا قَد يَغُرُّ بِهِ الشَّيطَانُ بَعضَ المَفتُونِينَ بِزَعمِ أنَّه قَوِيٌّ في دِينِهِ، فَيَتَجَرَّأَ عَلَى الالتِقَاءِ بِالنِّسَاءِ أَو مُحَادَثَتِهِنَّ، ثم مَا يَلبَثُ أَن يَسِيرَ في طُرُقِ الضَّلالَةِ حَتى يَسقُطَ عَلَى رَأسِهِ في شِبَاكِ الغِوَايَةِ، وَالوَاقِعُ خَيرُ شَاهِدٍ، وَالسَّلامَةُ لا يَعدِلُهَا شَيءٌ: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا) [الطلاق: 2].

 

 

الخطبة الثانية:

أَمَّا بَعدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالى- وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاحرِصُوا عَلَى كُلِّ مَا يَحفَظُ عَلَى نِسَائِكُم سِترَهُنَّ وَاحتِشَامَهُنَّ، فَإِنَّ ذَلِكُم مِن أَغلَى مَا بَقِيَ لَكُم في هَذِهِ البِلادِ، وَلا تَكُونَنَّ الدُّنيَا هِيَ غَايَتَكُم وَنِهَايَةَ مَا إِلَيهِ تَهدِفُونَ، فَتُفَرِّطُوا لأَجلِهَا في كُنُوزِكُم الثَّمِينَةِ أَو تُضِيعُوا أَمَانَاتِكُمُ العَظِيمَةَ، فَإِنَّه لا شَيءَ أَعظَمُ وَلا أَوجَبُ مِن إِتمَامِ الدِّينِ وَإِكمَالِ أَركَانِهِ.

وَمَعَ هَذَا -وَصِيَانَةً لِلمَرأَةِ وَحِفظًا لِكَرَامَتِهَا- فَإِنَّ الحَجَّ وَهُوَ خَامِسُ أَركَانِ الإِسلامِ لم يُوجَبْ عَلَى المَرأَةِ إِلاَّ بِوُجُودِ المَحرَمِ، فَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ إِلاَّ ذِي مَحرَمٍ"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: امرَأَتِي خَرَجَت حَاجَّةً وَاكتُتِبتُ في غَزوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: "اِرجِعْ فَحُجَّ مَعَ امرَأَتِكَ". أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَصَلاةُ الجَمَاعَةِ مَعَ فَضِيلَتِهَا وَعِظَمِ أَمرِهَا وَوَافِرِ أَجرِهَا، خُصَّ بها الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَجُعِلَت أَفضَلُ صَلاتِهِنَّ في قَعرِ بُيُوتِهِنَّ، لِئَلاَّ تَحصُلَ الفِتنَةُ لَهُنَّ وَبِهِنَّ، قَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "صَلاةُ المَرأَةِ في بَيتِهَا أَفضَلُ مِن صَلاتِهَا في حُجرَتِهَا، وَصَلاتُهَا في مِخدَعِهَا خَيرٌ مِن صَلاتِهَا في بَيتِهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد غَوَى الغَربُ الكَافِرُ وَالشَّرقُ المُلحِدُ حِينَ جَعَلُوا المَرأَةَ سِلعَةً مِن أَرخَصِ السِّلَعِ، لا هَمَّ لَهُم إِلاَّ دَغدَغَةُ عَاطِفَتِهَا وَالعَزفُ عَلَى أَوتَارِ شُعُورِهَا المُرهَفِ، فَلَعِبُوا بِجَسَدِهَا مُرَاهِقَةً وَشَابَّةً، ثم رَمَوهَا عَجُوزًا كَبِيرَةً في دُورِ العَجَزَةِ، تُعَاني الضَّعفَ وَالعَجزَ، وَتُقَاسِي المَرضَ وَالوحدَةَ، وَهَا هُمُ الآنَ يَجنُونُ ثَمَرَاتِ ضَلالاتِهِم أَولادَ زِنى لا يَعرِفُونَ آبَاءَهُم، وَلا يِحفَظُونَ وَاقِعًا وَلا يَحرِصُونَ عَلَى مُستَقبَلٍ، بَل هُم عَالَةٌ على بُلدانِهِمُ اقتِصَادِيًّا وَاجتِمَاعِيًّا، بَل كَثِيرٌ مِنهُم مُجرِمُونَ وَمُسَعِّرُو حَربٍ وَمُثِيرُو شَرٍّ وَفِتنَةٍ؛ مَا جَعَلَ العُقَلاءَ مِنهُم يُنَادُونَ بِالرُّجُوعِ إِلى مَا عَلَيهِ المُسلِمُونَ في مُجتَمَعَاتِهِم مِن مُحَافَظَةٍ عَلَى جَوهَرَتِهِمُ الغَالِيَةِ مَستُورَةً مَصُونَةً، كَرِيمَةً حَيَاتُهَا عَزِيزًا جَانِبُهَا.

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ جَمِيعًا -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، وَاحذَرُوا مِنَ الانخِدَاعِ بِدَعَوَاتِ مَن زَاغَت مِنهُم القُلُوبُ وَتَعَلَّقُوا بِالدُّنيَا وَالشَّهَوَاتِ، مِمَّن لا هَمَّ لَهُم إِلاَّ اقتِنَاصُ غَفَلاتِ النِّسَاءِ وَخِدَاعُهُنَّ في كُلِّ طَرِيقٍ، وَإخرَاجُهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ لِلاطِّلاعِ عَلَى عَورَاتِهِنَّ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ.
 

 

 

 

المرفقات
شيء مما لهن علينا.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life