عناصر الخطبة
1/الحث على تجنب ساعات الندم وماهيته 2/ندم الإنسان على فوات الطاعة وكيفية تدارك ذلك 3/الندم على فعل معصية وكيفية تجنب ذلك

اقتباس

الندم هو الحزن والتأسف على فوات طاعة أو فعل معصية، والندم مفيد للمؤمن؛ لأنه يدفعه إلى التوبة، والرجوع إلى الله -تعالى-، فما الساعة الأولى التي يندمها الإنسان في دنياه؟ ساعة الندم الأولى: الندم على فوات الطاعة، وتأملوا...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، نحمدك ربنا على ما أنعمت به علينا من نعمك العظيمة، وآلائك الجسيمة؛ حيث أرسلت إلينا أفضل رسلك، وأنزلت علينا خير كتبك، وشرعت لنا أفضل شرائع دينك، فاللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

 

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: فساعات الندم محطات يمر بها العبد المؤمن والأمة المؤمنة لزومًا، فوجب التنبيه عليها لتجنب الندم؛ حيث لا ينفع.

 

وحديثي إليكم في هذه الخطبة وفي الخطبة اللاحقة -بإذن الله- في التحذير من ساعات الندم، وحديثي إليكم اليوم عن ساعتين من ساعات الندم التي تكون في الدنيا، ويمكن تدارك الأمر قبل فوات الأوان، إذا كنَّا صادقين في ندمنا.

 

والندم هو الحزن والتأسف على فوات طاعة أو فعل معصية، وقصدنا بالأساس فوات مصلحة دينية يعود نفعها على الدين والدنيا والآخرة، أو ارتكاب مفسدة يتعدى ضررها إلى الدين والدنيا والآخرة، والندم مفيد للمؤمن؛ لأنه يدفعه إلى التوبة والرجوع إلى الله -تعالى-.

فما الساعة الأولى التي يندمها الإنسان في دنياه؟

ساعة الندم الأولى: الندم على فوات الطاعة:

أيها الإخوة المؤمنون: المداومة على الطاعة نعمة ربانية، والطاعة أن تمتثل أمر الله، وتجتنب نواهيه، وتأملوا معي أدلة قرآنية تدلكم على هذا الأمر، قال تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)[المعارج: 23]، ليس كمن يصلي تارة ويقطع أخرى، بل مداوم على الصلاة في المنشط والمكره، وقال تعالى على لسان عيسى -عليه السلام-: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)[مريم: 31] أي: ما دمت حيًّا يجب عليَّ التزام الصلاة.

 

وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[الحجر: 99]، واليقين هو: الموت، فأنت في عبادة متجددة، وليس عندنا التقاعد في الطاعة والعبادة، قال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)[الشرح: 7-8]، فأنت دائمًا في عبادة حتى تلقى الله -سبحانه وتعالى-، ولذلك سُئِلَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أيُّ الأعْمَالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قَالَ: "أدْوَمُهَا وإنْ قَلَّ"، وقَالَ: "اكْلَفُوا مِنَ الأعْمَالِ ما تُطِيقُونَ"(رواه البخاري)، ونقول باللسان الدارج: "قليل ومداوم خير من كثير ومقطوع"، فيجب أن نفهم أن الدوام على الطاعة نعمة إلهية.

 

وذمَّ الله الغافلين عن طاعته، وقال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)[الأعراف: 205]، نعوذ بالله من الغفلة، الإنسان يحدث له نوع غفلة بسبب النفس الأمَّارة بالسوء، أو الشيطان، أو الرفقة السيئة، بسبب كثرة الملاهي، فيفوِّت عليه طاعات واجبة أو مندوبة، فمن الواجبات التي يغفل عنها الإنسان كأن يترك الصلاة بالمرة فلا يصلي، وقد يصلي، ولكنه غافل عن أوقاتها، أو عن الصلاة مع الجماعة، أو يجمع الصلوات الخمس ويصليها دفعة واحدة، قال الله محذرًا هؤلاء: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)[الماعون: 4-5].

 

وقد يكون عنده مال وتجب عليه الزكاة فلا يخرجها، وهذا نوع غفلة، وهؤلاء حذرهم الله بقوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[التوبة: 34]، فالذي أوجب لهم العقوبة عدم الإنفاق، وهو نوع غفلة.

 

وقد يستطيع الحج فلا يحج، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[آل عمران: 97]، فهناك من يستطيع ماليًّا وبدنيًّا، ولكنه لا يفكر في الحج، وتراه يكنز الذهب والفضة، لا يشارك في قرعة الحج؛ لأنه لا يحدث نفسه أن هناك فريضة اسمها الحج، وجب عليه أداؤه متى استطاع.

 

وقد يكون قادرًا على أداء دين، فيماطل، قال صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم"(رواه مسلم)، وهذا نوع غفلة.

 

ومن المستحبات المندوبات التي يغفل عنها الإنسان: قيام الليل، قد يستطيع ولكنه لم يفعل، هو ليس واجبًا علينا، نعم، ولكنه اقتفاء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ودأب الصالحين.

 

يستطيع الإنسان إعطاء الصدقة من غير الزكاة الواجبة، ويستطيع التصدق ببعض ماله على الفقراء، فلا يفعل، وهذا نوع غفلة لبخل فيه، وقلة سخاء اليد، قال تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ)[التوبة: 92]، فهؤلاء حزنوا أن لا يجدوا مالًا ينفقونه في سبيل الله.

 

الصوم الواجب رمضان، لكن هناك صيام مندوب كالاثنين والخميس، فيه فضل وأجر عظيم، ولكن لا تحدثهم أنفسهم بصيام النافلة، وهذه غفلة.

 

ولذلك -أيها الإخوة المؤمنون-، من نعم الله على العبد أمران: 1- أن يرزقه النفس اللَّوامة، تلومُك على فوات الطاعات، وتحثك على استدراك ما فات. 2- أن يرزقك الندم، وهو ركن من أركان التوبة، فإذا ندمت، دفعك الندم إلى التوبة دفعًا.

 

وهذه قصة حاتم الأصم وندمه في فوات الصلاة في جماعة، روي أن حاتم الأصم فاتته صلاة العصر في جماعة، فجاءه أصحابه يعزونه، لماذا يعزونه؟ هل لفقد ابن من أبنائه؟ أو قريب من أقاربه؟ لا، وإنما لفوات صلاة العصر في جماعة، ليس لأنه لم يصلِّها أبدًا، وإنما الجماعة فقط، فنظر إليهم وكانوا قلة فبكى، قالوا: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: لو مات ابن من أبنائي، لأتى أهل المدينة كلهم يعزونني، أما أن تفوتني صلاة، فلا يأتيني إلا بعض أهل المدينة، والله لموت أبنائي جميعًا أهون عندي من فوات صلاة الجماعة.

 

فماذا نقول نحن -أيها الإخوة الأفاضل- في تفريطنا ليس في جماعة واحدة، وإنما في جماعات؟

 

فاللهم اجعلنا من المداومين على طاعتك حتى نلقاك، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلَّم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن اقتفى.

 

أما بعد: فقد رأينا في الخطبة الأولى الندم على فوات طاعة من الطاعات، فكل واحد منكم يسأل نفسه بصدق: أي طاعة فرطت فيها؟ فيحاول جاهدًا لتداركها.

 

فما الساعة الثانية التي يندم فيها الإنسان في دنياه؟

ساعة الندم الثانية: الندم على فعل معصية.

المؤمن ليس معصومًا عن الخطأ، فقد تصدر منه المعصية، لكن ترى نفسه تلومه، فيؤوب إلى ربه، ويرجع لأجل حياة قلبه، قال عبدالله بن المبارك:

رأيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ *** وقد يورثُ الذُّل إدمانُهَا

وتركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ *** وخَيْرٌ لِنَفْسِكِ عِصْيَانُهَا

 

وهو يعلم أن سبب المصائب هي الذنوب والمعاصي، وسبب رفعها واستجلاب النعم هو الندم والتوبة، والرجوع إلى الله، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة"، ورحم الله القائل:

إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن الذنوب تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم

وإياك والظلم مهما استطعت *** فظلم العباد شديد الوخم

وسافر بقلبك بين الورى *** لتبصر آثار من قد ظلم

 

وأختم بقصة لشاب صغير السن هداه الله لكنه في بيت مليء بالفجور والمعاصي، فأبوه لا يعرف القبلة، حاول أن يدعو أباه بلا فائدة، فأتى إمام المسجد وقال له: إن أبي يعصي الله، ولا يعرف ربه، حاولت أن أدعوه، فلم يستجب لي، فماذا أفعل؟

قال له الإمام: إذا قمت في الثلث الأخير من الليل، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم صلِّ ركعتين، وادعُ الله أن يهدي أباك، في هذا الجزء من الليل، حيث: "ينزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟"(رواه مسلم)؛ فكان الشاب في كل ليلة يفعل ذلك، وفي ليلة من تلك الليالي دخل الأب على عادته متأخرًا يسهر في الفجور والمعاصي، وفتح الباب وكل من في البيت نائم، لكنه سمع صوت بكاء في غرفة فاقترب رويدًا، فإذا ابنه يرفع يديه داعيًا وهو يقول: اللهم افتح صدر أبي للهداية، اللهم اهدِ أبي، فسمع الأب هذا الكلام وتأثر فأخذته قشعريرة، فخرج من الغرفة واغتسل، ثم رجع والابن على حاله، فصلى إلى جانبه، وأمَّن على دعاء ابنه، فلمَّا فرغ الابن، التفت، فإذا أبوه يبكي، فاعتنقه، وجعلا يبكيان، فكانت بداية هداية هذا الأب، قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[القصص: 56]، وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[آل عمران: 135].

 

فاللهم اجعلنا من النادمين على فوات الطاعات، ومن النادمين على معاصٍ اقترفوها، واجعلنا من التوابين الراجعين إليك.

 

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا...

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life