خطبة عيد الفطر لعام 1426هـ

إبراهيم بن صالح الدحيم

2022-10-04 - 1444/03/08
التصنيفات: الفطر
عناصر الخطبة
1/ من معاني العيد 2/ مفهوم الغلو الفكري وكيفية محاربته 3/ آيات الله في كثرة الزلازل 4/ التحذير من غوائل الدنيا 5/ المؤامرة على الإسلام 6/ نصائح للنساء وأزواجهن لبناء بيت مسلم مستقر
اهداف الخطبة

اقتباس

العيد فرصة لتحسين العلاقات، وتسوية النزاعات، وجمع الشمل، ورأب الصدع، وقطع العداوات المستشرية، ورحم الله مَن أعان على إعادة مياه المودة إلى مجاريها, اجْعَلْ هدية العيد لهذا العام عفواً وصفحاً وغفراناً، (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..

 

 

 

 

 

أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله سبحانه وتعالى، وداوموا شكره، والزموا طريق طاعته تفلحوا.
مضت أيام الصيام والقيام, وقد كشفت عن ذاكر وساجد, وآخر في لهوه سادر, فلا ذا بقي له أنس سهراته, ولا ذاك آنس تعب صلاته، فيا فوز المجتهد المبادر! ويا حسرة الغافل السادر! (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت:46].

العيد استمرار على العهد، وتوثيق للميثاق، فيا من وفى في رمضان على أحسن حال لا تغير في شوال، ويا من أدرك العيد عليك بشكر المنعم والثناء عليه، ولا تنقض غزلاً من بعد قوة وعناء، (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [النحل:92].

العيد بقاء على الخير، وثبات على الجادة، واستمرار في الطريق, قال بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت مع سفيان يوم العيد فقال: إن أول ما نبدأ به يومنا هذا غض البصر. ورجع حسان بن أبي سنان من عيده فقالت له امرأته: كم من امرأة حسناء قد رأيت؟! فقال: ما نظرت منذ خرجت إلا في إبهامي حتى رجعت. هكذا فهم السلف العيد، لم يجدوه فرصة للنظرات الخائنة تُقلَّب في المرد وأعين الغيد.

احذر الرجوع إلى الذنب بعد الطاعة؛ فإن ذلك علامة مقت وخسران, قال يحي بن معاذ: من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود, وعزمه أن يرجع إلى المعصية بعد الشهر ويعود, فصومه عليه مردود، وباب القبول في وجهه مسدود.
 

العيد فرصة لتحسين العلاقات، وتسوية النزاعات، وجمع الشمل، ورأب الصدع، وقطع العداوات المستشرية، ورحم الله من أعان على إعادة مياه المودة إلى مجاريها, اجعل هدية العيد لهذا العام عفواً وصفحاً وغفراناً، (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن:14].

ما أجمل أن يكون العيد فرصة لصلة المتهاجرين، والتقاء المتقاطعين! إن الرجل الكريم هو من يعفو عن الزلة، ولا يحاسب على الهفوة، حاله كما قال الأول:
وإِنَّ الَّذي بيني وبينَ بني أبي *** وبينَ بني عَمِّي لَمُخْتَلِفٌ جِدَّا
إذا نهَشوا لحمي وَفَرْتُ لُحُومَهم *** وليسَ زعيمَ القومِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا

نعم، ليس زعيم القوم من يحمل الحقد، ليس كريماً ولا عظيماً ولا سيداً من يجمع الأحقاد, ويحمل الضغائن ويداوم على الجفاء والقطيعة؛ إنه لابد لتحسين العلاقات من نفوس كبيرة تتسع لهضم البغضاء وقضم العداوات، (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى:37].

أطفئ لهيب العداوة ببرد الصدَقة؛ فإن ذلك من أفضل البِر، فعن أم كلثوم بنت عقبة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أفضل الصدقة: الصدقة على ذي الرحم الكاشح" رواه أحمد وغيره.

فأصلحوا ذات بينكم، (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) [الزخرف:61]، فإنه قد يزين للمسلم أن التنازل عن الحقوق، والصفح عن الهفوات نوع ضعف وعجز ومهانة, ولئن يؤثر المسلم أن يقال فيه ذلك خير له من أن يقع في بحور القطيعة وخطيئة التدابر، وفي الحديث الصحيح: "وما زاد الله عبداً بعفْوٍ إلى عِزَّاً"، و "إذا التقى المسلمان فخيرهما الذي يبدأ بالسلام".

بروا آباءكم، وأَحْسِنوا إلى أهليكم، واجمعوا شمل ذويكم، فقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأقربين فقال: " أمّك وأباك, وأختك وأخاك, وأدناك أدناك" صحيح الجامع الصغير.

روى البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولنْ يُشادّ الدِّينَ أَحدٌ إلاّ غلبهُ، فسدِّدوا وَقاربوا، وأبشرُوا"، الدين ليس قتلاً للمسلمين, ولا ترويعاً للآمنين, ولا رمياً بالكفر للمؤمنين، ومن رضع لبان الغلو, والتقم ثدي التنطع، قاء تفجيراً وتجريحاً، وسعي في الأرض فساداً, ومن سلك طريق الغلو انقطع "ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه"، قال ابن المنير: في هذا الحديث عَلَم من أعلامِ النبوَّة, فقد رأينا ورأى النَّاس قبلنا أنَّ كلّ متنطِّع في الدِّين ينقطعُ . يجب أن نسد ثغرات الغلو الفكري، وأن نغلق منافذه، ولكن ليس بغلو آخر.

لا يحارب الغلو بنبذ الدين، أو رمي المؤسسات الخيرية والدعوية بالتهم في صورة عداء معلن، أو تشفٍّ خفيٍّ, إن ما يكتب في الصحف والمجلات وما تثيره بعض وسائل الإعلام من تهمة واستهزاء لا يطفئ نار الغلو بل يزيد وقوده سعارا! إن الجمعيات الخيرية، والهيئات الإغاثية، والأنشطة الدعوية، والتي تعمل تحت أشعة الشمس، وترعاها يد أمينة، حين يغيب دورها في المجتمع، وتصير محل التهمة؛ فإن ذلك سيولد جموعاً يجمعها الظلام، يبرر لها نسج خيوط الفتنة في الخفاء, ورضع فكرٍ منحرف من وراء حجاب عن طريق الإنترنت، وغيرها من وسائل الاتصال التي تجمع المفترق، وتألف بين المختلف، في منظومة لا يعرف لها وجهٌ أو قفا.

لا يحارب الغلو بنشر الفساد والانحلال والدعوة إلى التبرج والسفور وتغريب المجتمعات بل ذلك يزيد النار سعاراً, ويفتح الباب على عصابات النهب ودوائر الاغتصاب والتي ليست بأقل ضررأ من غيرها. ويوقع في الفوضى الذي تبكي لها دول الغرب المنحل.

لا يحارب الغلو بتمييع الدين وإعادة صياغته ليناسب العصر! مع نسفٍ لثوابته المستقرة، وقواعده المستمرة, وإذا كنا نحذّر من الغلو في الدين فإنا كذلك نحذر من التفريط والتضييع, لقد أصيب عدد من الكتاب والمفكرين المحسوبين على الإسلام بردة فعل لظاهرة الغلو والتطرف، ففروا من طرف إلى آخر، أصبحوا يحذرون الإكثار من التحريم، ويقابلون كل حرمة برخصة، حتى قال أحدهم وهو يرد على من يراهم متشددين: يريدون أن يحرموا على الناس كل شيء! فعمل المرأة حرام, والغناء حرام, والموسيقى حرام، والتمثيل حرام, والتلفزيون حرام, والسينما حرام, والتصوير كله حرام، والحياة كلها حرام في حرام!. نقول لهذا المفتون ولمن سار على دربه ممن يتسنمون الفتيا في القنوات وعلى أعمدة المجلات: إذا كان هناك من لا يعرف إلا حراماً في حرامٍ -بزعمكم- فقد خرجتم علينا لا تعرفون إلا حلالا في حلال.

وَلَا تَغْلُ في شَيءٍ مِن الأمْرِ واقْتَصِدْ *** كِــلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ

إن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه, وليستِ الوسطيةُ في الإسلامِ وسطيةً رياضيةً حسابيّةً، الخمسةُ وسْطَ العشرةِ! ولا هي وسطيةٌ تلفيقيةٌ كما يفعل بعض المنتسبين للإسلام من خلطِ الأوراقِ، فيخلطُ الإسلامَ بغيرهِ من الآراء الفاسدةِ، والأطروحات السمجةِ، ويقولُ هذا هو الإسلامُ الوسطي المعتدلُ! وليستِ الوسطيّةُ ردّةً عنيفةً تورث تميعاً مقيتاً يذهب برونق الدين وجمال الشريعة. إن وسطيةُ الإسلامِ تكمنُ في روحِه الصافيةِ الميسورةِ، كما أرادها الشارعُ، وكما بينها صاحبُ الرسالةِ -صلى الله عليه وسلم-، وسطيةٌ تعتمدُ على القرءانِ والسنةِ نصّاً وفهماً وانقياداً بالتطبيقِ والسلوكِ، وسطيةً تقومُ على الرحمةِ بالخلقِ، واللينِ لهم، وزمّهم بأمرِ الخالقِ الحكيمِ.

بمشاركة بعض الإخوة الأفاضل قمنا بجمع وترجمة معلومات عن الزلازل في العالم في الفترة من رمضان الماضي إلى رمضان هذه السنة, خرجنا بالنتائج التالية: بلغ عدد الزلازل مع حالات التردد لأيام مختلفة 106 زلزال, شملت 32 دولة وإقليما في أنحاء العالم، بلغ مجموع الوفيات بأسباب الزلازل (325.924)، أما عدد المفقودين (14.100)، أما عدد المشردين ( 5.126.955)، ولا تسل عن البيوت والمصالح والمصانع التي ذهب جراء هذه الزلازل.

إن كثرة الزلازل علامة من علامات الساعة، كما في حديث أبي هريرة -رضي اله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل" رواه البخاري.

وهي آية من آيات الله يخوف الله بها عبادة, يجريها عقوبة لمن عصاه وتذكرةً لمن خافه واتقاه، روى الإمام أحمد عن صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر فقال: يا أيها الناس، ما هذا؟! ما أسرع ما أحدثتم! -يعني من العصيان والمخالفة- لئن عادت لا تجدونني فيها. لقد كان عمر -رضي الله عنه- يعرف أن وجود بعض المعاصي داخل مجتمع المدينة سبب لوقوع البلاء, حتى ولو كان مجتمع المدينة المثالي الذي وضع أساسه وأقام دعائمه محمد -صلى الله عليه وسلم-.

إن الزلازل آية من آيات الله يخوف الله بها عبادة, يُنتظر من القلوب أن تحيا عند وقوعها لا أن تموت, ومن النفوس أن تستنير لا أن تتطاول في العمى، وتصر على الغي واتباع الهوى: (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) [التوبة:126]، (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) [يونس:101]. وتكون المصائب نعمة وتنقلب المحنة منحة حين يستفاد منها في توجيه الناس إلى الله واستدراك أيامهم بالتوبة قبل أن يُقطعوا دونها
لَكَ الحَمْدُ أَنَّ الرَّزَايَا عَطَايَا *** وَأَنَّ الــْمُصِيبَاتِ بعضُ الكَرَم

لم نعد قرية صغيرة يمكن أن تغلق أبوابها مع غروب الشمس, لقد انشقَّ الفضاء باتصالات دكت الحدود, وكسرت القيود, وعَدَت على القيم, وانتثرت علينا أخلاق أمم لا خَلاق لها, مما جعلنا مهددين بنوع تشوهات خُلُقية سلوكية، مما يؤكد على ذوي العقل والبصيرة وذوي الرأي والتدبير وضع ضمانات وقائية، ومدافعة للشر بالخير.

وإني أرى أن من أعظم صمامات الأمان أما هذا الغزو السلوكي والفكري إحياء عبادتي الخوف والحياء في الأمة، ففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين"، وفي الحديث الآخر: "الحياء لا يأتي إلا بخير".

وفي الحديث، عنه -صلى الله عليه وسلم-: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح الدنيا عليكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم"، واليوم فتح على الناس من الدنيا ما لم يعرفوه قبل، واشتغل الناس بالأسهم والمرابحات، فكان لا بد من الحذر من غوائل الدنيا, فإن الغنى مقرونٌ به الطغيان في غالب الحال، (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) [العلق:6-7].
على المسلم، وهو يأخذ بنصيب الدنيا، أن يراعي أموراً ثلاثة ليسلم له دينه: أن يكسبه من حلال، وأن ينفقه في حلال، وأن لا يلهيه عن ذكر الله. فكونوا على نوع حذرٍ وحيطة في تجارة الأسهم حتى لا تكونوا ضحية قراصنة تلقف ما تصنعون, فتصبحوا وخزائنكم كالصريم, وخذوا بالحكمة العمرية: اجعلوا الرأس رأسين. ومثله تقول الحكمة المعاصرة: لا تجعل بيضك في سلة واحدة.

ويمضي عام تلو عام لتزداد فيه بقعة الدم الإسلامي على يد عصابات دولية عالمية يهودية ونصرانية في مؤامرات ومؤتمرات لا تنقطع، وأحلاف وقوىً مشتركة، ومكرٍ كُبَّار يقذفه الليل على النهار والنهار على الليل، في محاولات خائبة خاسرة لوأد الإسلام وإبادة أهله، (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف:8]، فمن الدماء الزكية في فلسطين, إليها في أفغانستان والشيشان مروراً بكشمير والفلبين، وقوفاً عليها في بلاد الرافدين، في حالة من الصمت الرهيب الذي يخيم على عالم أبكم لا يسمع ولا يتكلم إلا ما أشرب من هواه.

دماء زكية تهراق، ونفوس تزهق ليس لهم ذنب (إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [البروج:8]، فعلى الدماء الزكية السلام، وللنفوس الأبية التحية والإكرام، والظلم لن يدوم ظلامه، وسيأتي يوم يشع فيه نور الدين ويسطع ضياؤه.

إن نصر هذه الأمة قد انعقد غمامه، وأقبلت أيامه، فأَحْسِنُوا الظن بربكم، واجمعوا إلى الأمل حسن عمل، والزموا الصبر والتقوى، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئَاً) [الأنفال:]، ويا عباد الله فاثبتوا وثبتوا الذين آمنوا، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال:45].
لا تجْزَعنْ مِنْ كُلِّ خَطْبٍ عَرَا *** وَلَا تُرى الأعداءَ مَـا يُشْمِتُ
يــا قومُ بالصَّبْرِ يُنَالُ الْمُنَى *** إِذَا لَقِيتُم فئةً فــــاثْبُتُوا

معاشر النساء: أجبن نداء الله لكن حيث قال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب:33]، إن الأصل في المرأة قرارها في البيت, إذ هي نور أركانه، وسكون أرجائه, والخروج من البيت أمر طارئ لا يكون إلا لحاجة.

البيت هو وظيفة المرأة الأساس، فما بالنا نرى تهافت النساء على الخروج من البيت لحاجة ولغير حاجة؟ لقد اكتظت الأسواق، وازدحمت المتنزهات، في حين بقيت البيوت خلواً من ساكن.

عليكِ بخدمة الزوج والقيام معه بالطاعة, ورعاية أولاده، وحفظ ماله ومتاعه، فإن لك بذلك عظيم الأجر، وجزيل العطاء، ففي الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخَلَت الجنة" رواه الترمذي وقال حديث حسن.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " إذا صلت المرأة خمسها، وصامت فرضها، وحصنت فرجها, وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئتِ" رواه الخمسة وصححه الألباني.

وروى الطبراني في معجمه، وصححه الألباني، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟"، يعني من نساء الدنيا، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: "الولود الودود، التي إذا غضبت أو أسيء إليها أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك، لا أكتحل بغمضٍ حتَّى ترضى". "اثنان لا تجاوز صلاتُهما رؤسَهما: عبدٌ آبِقٌ مِنْ مَوَاليهِ حتى يرجِع, وامرأة عصت زوجها, حتى ترجع" صحيح الجامع الصغير.

لا تكلفي زوجك من النفقة مالا يطيق، ولا ترهقيه من أمره عسرا، ففي الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم-: "إن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلِّفُهُ من الثياب أو الصيغ -أو قال: من الصبغة- ما تكلف امرأة الغني".
 

احذري الخضوع في مخاطبة الرجال, ومخالطتهم وإبداء الزينة لهم, ابتعدي عن ذلك في أماكن العبادة كمكة، وفي الأعياد والجمع، فضلاً عن الأسواق والحدائق العامة، عن أبي أسيد الأنصاري -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو خارج من المسجد فاختلط رجال مع نساء في الطريق، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر النساء! استأخرن، فإنه ليس لكنَّ أن تحققن الطريق، عليكنّ بحافات الطريق"، قال أبو أسيد: فقد رأيت المرأة تلتصق بالجدار، حتى إن ثوبها يعلق بالجدار من شدة لصوقها به.

احذري مشابهة الكافرات والماجنات بحجة متابعة الموضة، فـ "من تشبه بقوم فهو منهم"، وفي الحديث الصحيح: "صنفان من أمتي لم أرهما قط"، وذكر منهن: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها".

حافظي على عفافك وحجابك وحيائك، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) [الأحزاب:59]، وفي الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله -عز وجل- عنها ستره" صححه الألباني.

احذري دعوات التغريب، وسهام التضليل التي يقذف بها الأعداء، احذري تمييع الحجاب, فالحجاب عبادة وليس عادة, الحجاب ستر وليس زينة، ليست العباءة الضيقة ولا الشفافة ولا مطرزة الأكمام حجاباً شرعياً، (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:49].

أيتها المرأة المسلمة في هذا البلاد: لقد صمدتِ كثيراً، ودافعتِ التغريب طويلاً, فأنت آخر حصن لم يسقط بعدُ، ولن يسقط بإذن الله، لقد ضاق العلمانيون المنافقون بك ذرعاً فصاروا يحيكون المؤامرات لك ليلاً ونهاراً، فصموداً وصبراً وثباتاً واستعلاءً على كيد الشيطان وحزبه، (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفَاً) [النساء:76]، (وَإِنْ تَصْبِروا وَتَتَّقوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) [آل عمران:120].

أيتها المسلمة: الله لحكمته جعل القوامة بيد الرجل، (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء:34]، فكان ذلك تكليفاً له بهذه الأمانة, من أجل رعاية البيت وحمايته وحفظه، وإن التمرد على القوامة والنشوز دون حق شرعي يعتبر من أعظم الذنوب التي يعاقب الله عليها، ففي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح".

على الزوج أن يتقي الله في زوجته فلا يظلمها ولا يضربها، عليه أن يحفظ لها قيمتها وقدرها، خصوصاً عند أولادها.

عليك أيها الزوج أن تعلم أن رباط الزوجية رباط وثيق، فهو رباط مصاحبة لا ينقطع بالمـوت، (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [عبس:36]، إنه عقد صحبة لا عقد رِق، وفي الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كل نفس من بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها" رواه ابن السني وصححه الألباني.

فالواجب احترام سيادة المرأة في البيت، وأن لا تسقط، خاصة عند أولادها، وحين يدوس الزوج كرامة المرأة وتفعل المرأة كذلك فهو أذان بسقوط البيت، وتقويض خيامه، وذهاب قيمته التربوية، ودوره المرتقب.

لابد أن يبنى البيت على المودة والرحمة: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم:21]، وعلى العفو والصفح بين كل من الطرفين، (وَإِنْ تَعْفُو وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن:14]، وحين يرى أحد الطرفين من الآخر ما يسوؤه فليتذكر محاسنه، وجوانب الكمال فيه، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يفرك مؤمناً مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخَر" رواه مسلم.

تَسَامَحْ ولا تسْتَوفِ حقَّكَ كُلَّهُ *** وَأَبْقِ فَلَمْ يَسْتَوفِ قَطُّ كَرِيمُ

أما لنا أسوة حسنة في الإمام أحمد وزوجه؟ فقد قال -رحمه الله-: أقمت مع (أم صالح) ثلاثين سنة! فما اختلفت أنا وهي في كلمة!.

أيها الرجال: إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فيها الغيرة والعاطفة والليونة، وكل ذلك أمر طبعي، ودلالة كمال فيها، فاستقامة المنجل في اعوجاجه، (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) [آل عمران:36].

حذارِ من إفساد أحد الزوجين على الآخر، والمشي بينهما بالنميمة؛ فإن ذلك من مكر الشيطان، وفي الحديث الصحيح: "مَن خبب زوجة أو مملوكاً فليس منا"، و"لا يدخل الجنة نمام"، وكل فساد يقع بسبب الطلاق الناتج عن التحريش بين الزوجين فعلى الجاني إثم ذلك.

لا بأس أن يهنئ بعضكم بعضاً في العيد لورود ذلك عن الصحابة -رضي الله عنهم-، وكان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- مخالفة الطريق في العيد، فعودوا من غير الطريق التي قدمتم فيها اقتداء بنبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم-، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرَاً) [الأحزاب:21].
 

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات
خطبة الفطر 1426هـ1.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life