عناصر الخطبة
1/قصة خصومة المُثًل وضابط الخصومة العادلة 2/تربية النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة على القيم الشرعية 3/فضل التخلق بالقيم السامية 4/حال أهل المُثُل وقت الخصومة

اقتباس

أيها المسلمون: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربّي أمته بأسلوب القصص الحق، الماثل واقعاً على مراعاة القيم الشرعية السامية، والنهوض بالمُثُل والمبادئ العلية، والعيش بها بين الخلائق، حتى خرّج في مدة لم تتجاوز ربع القرن...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...)[النساء 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)[الأحزاب: 70].

 

أيها المؤمنون: الخصومة العادلة عادة ما يكون منبعُها أخذَ الحق أو منعَه، فهل سمعتم بخصومة باعثها دفع الحق؟! روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اشترى رجل من رجل عقاراً له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض، ولم أبتع منك الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال: الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا".

 

الله أكبر، ما أجل تلك الخصومة! وما أجمل ذلك الحكم!

 

أيها المسلمون: هكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربّي أمته بأسلوب القصص الحق الماثل واقعاً على مراعاة القيم الشرعية السامية، والنهوض بالمُثُل والمبادئ العلية، والعيش بها بين الخلائق، حتى خرّج في مدة لم تتجاوز ربع القرن جيلاً فريداً لم تعرف البشرية له نظيراً في مُثُله، وقِيمه الجمعية والفردية، بعد أن كان يعيش ذلك الجيل في حضيض سفح الجاهلية الهابط فأخذ بيده متدرجاً، حتى بوأه مكان قمة الخيرية السامقة، مستحقاً بجدارة وصف الخيرية المطلقة على سائر الأمم؛ كما قال الله -تعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[آل عمران: 110]، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[الجمعة: 2].

 

أيها المسلمون: في نبأ الخصومة المرويّ تقديم للقيم والمبادئ الشرعية على المصالح فلم يحمل حب المال الفطري -مع كثرته جرة ذهب، ويسر مأخذه، وخفاء أمره، وسماحة الخصم- على خدش صفاء قيمة الأمانة وإطابة المطعم، وما ذاك إلا إبقاءً لغُنم القيمة الباقي وإن كان على حساب غنم المصلحة الفاني.

وذا ما سما به الخصمان، حتى غدا نبأهما مثالاً تربَّى عليه الأمة من لدن نبيها -عليه أزكى الصلاة والسلام- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

إن العيش بالقيم والمبادئ الشرعية وتمثّلها واقعاً عملياً مطرداً في الحياة لمن أعظم ما يحمل على التقدير والاقتداء، فتتسع شريحة ذوي المبادئ في المجتمع، وذاك من أبلغ أسباب نهضة الأمم.

وانظروا كيف سرت بركة تلك القيم في نفس القاضي؛ فلم يلوي على دائرة الحقوق، بل تعداها إلى أفق المُثُل؛ مسايرة لأهلها، وتوسيعاً لشريحة الشرفاء، سائلاً طرفي الخصومة عن نسليهما ليزوج ابن أحدهما بابنة الآخر؛ إذ (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)[الأعراف: 58].

 

عباد الله: وما تزال بركة العيش بالقيم الشرعية تحط ركائبها في نزل أهلها الشرفاء، فكانت خصومة المُثُل التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- سبباً في زواج مبارك يَسير دون أن يتحمل أصحابه عناء البحث والسؤال، وتوفير المال، بل جعل الله لهما ما يتصدقان به، والمرء في ظل صدقته يوم القيامة؛ فما ظنكم بظل صدقة تدوم إلى يوم الدين؟!

 

وبركة أخرى تنشأ من رعاية القيم الإسلامية حين يكون شعور صاحبها مرهفاً تجاه حقوق الآخرين، ويبقى حذراً من خفر ذممهم، وغمط حقوقهم، فتسخو نفسه بالحق الذي لها، وتدقّق في الحق الذي عليها، فتسلم من الشح والتطفيف.

 

ولا سلامة منهما إلا بالأمانة والصدق والعدل، وتلك أخص صفات أهل الإيمان التي تمثلت في نبأ الخصومة، كتب محمد بن واسع إلى رجل من إخوانه: "من محمد بن واسع إلى فلان بن فلان، سلام عليك، أما بعد: فإن استطعت أن تبيت حين تبيت وأنت نقي الكف من الدم الحرام، خميص البطن من الطعام الحرام، خفيف الظهر من المال الحرام فافعل، فإن فعلت فلا سبيل عليك: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[الشورى: 42]، والسلام عليك".

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله...

 

وبعد: فاعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله...

 

أيها المؤمنون: في نبأ الرجلين بيان حال أهل المُثُل وقت الخصومة، والتي أدت لحل النزاع بطيب نفس واختصار جهد وقلة وقت؛ وذاك مقصد من مقاصد الشرع الشريف.

وحال ذينك الرجلين الشريفين في خصومتهم منهج شرعي ينبغي ارتسامه حال الخلاف والتقاضي مما لا يمكن فكاك المجتمع منه، والذي يمكن إبرازه في الرغبة الجازمة في السلامة من الظلم، والصدق في المرافعة، والاستجابة لداعي المحكمة، والسماحة في التقاضي، والأدب في الترافع، ومتى ما خلت الخصومة من واحد منها فإن أمدها يطول، وهوة الشقاق تتسع، وتطغى على النفوس الشحناء، وذاك ما ينطق به حال المحاكم المرير، وللأسف.

 

أيها المسلمون: ذاك نبأ أهل القيم في خصامهم فكيف إذاً يكون حالهم حال وفاقهم؟!

 

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاحُ

 

يقال ذلك والأمة الإسلامية اليوم بجراجها وضعفها وانقسامها أحوج ما تكون إليه في الرجوع إلى قيم الهدي الصافي، ومبادئ الشرع الغراء؛ لتعود لمجدها التليد، ومكانها المرموق في عالم اختلت فيه الموازين، وتربعت المصالح على عروشه، فصار يركض لاهثاً خلف سرابها الخالب، وزخرفها الفاتن، فهلمّ هلمّ إلى المعين العذب والنبع الزلال: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[المائدة: 15-16].

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life