حوار هادئ وانصات باهر

د عبدالعزيز التويجري

2022-10-11 - 1444/03/15
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/حوار النبي مع عتبة بن الوليد 2/الهدف من الحوار 3/من آفات الإنصات والحوار 4/نماذج من إنصات النبي لأصحابه

اقتباس

المشاريع الكبار لا تحتاج إلى مهاترات ومجادلات, الحق والعدل يظهر بحوار هادئ, وإعراض عن الجاهلين, الإنصات والاستماع من شيم العظماء, وكسب القلوب وتقبل الرسالة, تظهر مع فن الاحتواء...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله ذي العزة والجلال، غافر الذنب وقابلِ التوب شديد المِحال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)[الأنفال: 20].

 

عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ الله عَنْه- قَالَ: اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا، فَقَالُوا: من يَأْتِ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَعَابَ دِينِنَا؛ فَيُكَلِّمْهُ, فَأَتَاهُ عُتْبَةُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَمَا -وَاللَّهِ- مَا رَأَيْنَا  أَشْأَمَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْكَ؛ فَرَّقْتَ شَمْلَنَا، وَعِبْتَ دِينَنَا وَفَضَحْتَنَا فِي الْعَرَبِ، فإِنْ كَنتَ تريد مالا، جَمَعْنَا لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَغْنَى قُرَيْشٍ, وَإِنْ كَانَت إِنَّمَا بِكَ الْبَاءَةُ، فَاخْتَرْ من نِسَاءِ قُرَيْشٍ, وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَفَرَغْتَ يا أبا الوليد؟ قَالَ: نَعَمْ, فَقَالَ: فاسمع مني فقرأ: (حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[فصلت: 1 - 3], فأَنْصَتَ عُتْبَةُ, وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا؛ يَسْتَمِعُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ:  (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)[فصلت: 13], فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ, وَقال: حَسْبُكَ، حَسْبُكَ، انشدك الرَّحِمَ إلا كففت، فَقَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: وَرَائِي أَنِّي -وَاللهِ- قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَاللهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ, وَلَا السِّحْرِ, وَلَا الْكِهَانَةِ, يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي, خَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ، وَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاللهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ"(أخرجه الحاكم والبيهقي).

 

حوار هادئ وانصات باهر, نتج عنه تغيير للمفاهيم المغلوطة,  والعقول المنكوسة, حوار في أعظم قضية، في توحيد الألوهية، ونقاش في أعمق تبيان، في بيان معنى الإسلام, يتم الإقناع في كيفية إدارة الموقف وتحويله من استكبار إلى إذعان بأسلوب راق وحوار هادئ!.

 

مِنْ كُلِّ لَفْظٍ بَلِيغٍ راقَ جَوْهَرُهُ *** كأنُهُ السَّيْفُ ماضٍ وَهْوَ مَصْقُولُ

لم تبقِ ذكراً لذي نُطقٍ فصاحتهُ *** وهل تضيءُ مع الشمسِ القناديلُ؟

 

شُبه تُرمى وقذف وبهتان, ثم يُفند ذلك في روعة إنصات، وحسن استماع حتى ينتهي المهرج من الهُراء, ليجابه سيد البلغاء بكلمات عظيمات, أصغت معها الحواس؛ فاهتدى العقل الحيران، واقتنع القلب بالإسلام, إقناع في أعظم أسلوب.

 

حوار لكنه ليس في تنازل عن مبادئ الإسلام، حوار وإقناع لكن بالحجج والبراهين العظام, لا تنازل؛ بل بيان وتبيان للإسلام, الاستماع والإنصات ليس معناه القبول والإذعان، وإنما احتواء، حتى إذا أذعنت الحواس وظنت أنها انتصرت أتتها الآيات الباهرات، والحجج الدامغات؛ لتكسر القناعات التي ضلت وأضلت.

 

أخرج الإمام مسلم في صحيحه: أَنَّ ضِمَادًا الأزدي قَدِمَ مَكَّةَ, فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ؛ لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ", قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ، ثم قال: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ.

 

تؤلف اللفظ والمعنى فصاحته *** تبارك الله منشي الدرّ في الكلمِ

 

المشاريع الكبار لا تحتاج إلى مهاترات ومجادلات, الحق والعدل يظهر بحوار هادئ, وإعراض عن الجاهلين, الإنصات والاستماع من شيم العظماء, وكسب القلوب وتقبل الرسالة, تظهر مع فن الاحتواء.

 

يدخل -عليه الصلاة والسلام- بيته يحمل هم الأمة بمشاكلها وإدارتها وترتيب شؤونها, أمامه رسالة تعجز السماوات عن حملها, وخلفه أعداء يتربصون به الدوائر, فيجلس إلى زوجته, فتستفتح زوجته حديثها بقصص وأخبار ترويها زوجات عن تعامل أزواجهن، فتقص عائشة الصديقة أخبارهن على المعصوم, فتقول كما في الصحيحين: "جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا, فتسردُ أخبارهن واحدة تلو الأخرى، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصغٍ يستمع, حتى إذا بلغت عائشةُ مسك الختام مع أم زرع، قالت، فقَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: "زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ".

 

نبـــيٌّ زكــيٌّ أريحـــيٌّ مهــذبٌ *** شريفٌ منيفٌ سِرْبهُ غيُر مهملِ

 

هذا هو سر القبول والرضا الاستماع والاحتواء, تُثار مهاترات ومجادلات والنتيجة خصام ومفارقات؛ لأن عنصر الإنصات والاستماع وفهم المراد مفقود!.

 

يفترى على الشريعة الغراء، ويتهم حملتها، ويتقوَّل على الله بلا علم؛ لأن متقولها لم يقتطع من وقته لسماع الحق الناصع بلا تشويش، ولم يدرك سر التشريع برضى وتسليم؛ (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)[الجاثية: 9].

 

أستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات؛ إنه غفور رحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى, وسمع الله لمن دعا, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله المصطفى.

 

أما بعد: وخير الاستماع واوجبه ما كان لله وآياته ورسوله؛ (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)[الفرقان: 73], متى ما استمعوا آيات الله تذكروا، واتعظوا وازدجروا، قال ابن عطية: "كأن المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر", هذه هي صفات المؤمنين ينصتون لآيات الله.

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجوب بيوت الصحابة يستمع لآي القرآن، حين تصدح بها بيوتهم, مر ببيت أبي موسى وهو يقرأ القرآن فجلس يستمع, وقَالَ لَهُ: "يَا أَبَا مُوسَى! لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ", ومر ببيت أبي بكر وعمر, فلما أصبح قال لأَبِي بَكْرٍ: "مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِكَ"، فَقَالَ: "ارْفَعْ قَلِيلاً"، وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ, وَأَنْتَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ"(أخرجه أهل السنن).

 

ما أجمل البيوت وأهناها وأسعدها حين يكون القرآن صداها!, وما أتعس وأشقى بيوت يكون مزمار الشيطان يعلو جنباتها!, وإذا غلب الران على القلب اشمئز القلب؛ وضاق الصدر من سماع الحق والإنصات له، فضلاً عن قبوله والإذعان له, وهذه -وربي- آفة الإعراض عن دين الله والاستماع لآياته؛ (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[لقمان: 7].

 

وجماع الأمر وختام المسك في وصية الله لنا: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)[الأنفال: 20 - 23].

 

فاللهم أتم علينا نعمك, وارزقنا علما وعملا. وإيمانا وثباتا.

 

المرفقات
enlIsvK3US0cBpbeMq3Jlin0Z5mp8HScwxXbGrE1.pdf
P792mhBnpus9D3xiFIUcVK8JFThelWuPMg5EJi2J.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life