تجنيد الإرهاب للشباب: الأسباب والعلاج

علي بن يحيى الحدادي

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ وصف النبي الكريم للخوارج وتحذيره منهم 2/ سمات الشباب الذين يجنّدهم الإرهابيون بسهولة 3/ سبل نجاة الشباب من فخاخ الإرهاب
اهداف الخطبة

اقتباس

والشبهاتُ خطيرة جدا؛ فإن الشبهة التي أثرت على عبد الرحمن بن ملجم وهو العابد القارئ المقرئ للقرآن فجعلته يتقرب إلى الله بدم الخليفة الراشد المبشر بالجنة على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفضل من يمشي على الأرض في وقته، أقول: تلك الشبهة وأخواتها قادرة على أن تؤثر اليوم أيضاً في قلوب الشباب الذين لديهم استعداد لتقبل هذه الأفكار. ولكنّ السؤال المهم: مَن هو الشاب الذين يسهل التأثير عليه ومن ثَم تجنيده؟...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكمال نصحه لأمته وشدة حرصه عليهم حذرهم من الخوارج تحذيراً بالغاً، فبيّن أوصافهم وأحوالهم حتى لا يغتر بهم من قلّ علمه وضعفت بصيرته ممن يقف عند الظواهر والشكليات دون أن ينظر في عقيدة الإنسان ومنهجه.

 

فالخوارج قوم يغرون الناس بظاهر حالهم وحسن مقالهم، فعندهم ألسن عذبة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ"، وعندهم عبادة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ"، ومع ذلك توعدهم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأقتلهم قَتْلَ عَادٍ"؛ وذلك لعظم شرهم، وشدة خطرهم، وبشاعة جرائمهم، وعظم جنايتهم، وافترائهم على الإسلام وأهله.

 

فهذه العبادة لم تمنع خوارج الأمس من قتل عثمان وعلي -رضي الله عنهما- وغيرهما من خيار الصحابة والتابعين، ولم تمنع خوارج اليوم من قتل الآباء والأمهات والأقارب والأرحام وحراس الأمن وحماة الحرمين الشريفين وخدام ضيوفهما. وكانت كل هذه الجرائم تنفذ بحجة طلب الشهادة في سبيل الله والشوق إلى جنات النعيم!.

 

وإن كثيراً من الناس يتساءل: كيف يجندون أبناءنا؟ وكيف يوجهونهم؟ وكيف يجرونهم إلى هذه المستنقعات القذرة؟ والحقيقة أنهم يستعملون الشبهات فيحرفون معاني القرآن والسنة وكلام السلف الصالح.

 

والشبهاتُ خطيرة جدا؛ فإن الشبهة التي أثرت على عبد الرحمن بن ملجم وهو العابد القارئ المقرئ للقرآن فجعلته يتقرب إلى الله بدم الخليفة الراشد المبشر بالجنة على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفضل من يمشي على الأرض في وقته، أقول: تلك الشبهة وأخواتها قادرة على أن تؤثر اليوم أيضاً في قلوب الشباب الذين لديهم استعداد لتقبل هذه الأفكار.

 

ولكنّ السؤال المهم: مَن هو الشاب الذين يسهل التأثير عليه ومن ثَم تجنيده؟ ولا شك أن الجواب المفصل يصعب في خطبة جمعة يشرع فيها الاختصار، ولكن يمكن القول: إن من الشباب الذين يمكن تجنيدهم الشاب الذي يعيش في أسرة يسمع فيها على لسان أبيه أو ضيوف أبيه الطعن الشديد في ولاة الأمر وغيبتهم وتنقصهم ورميهم بالأوصاف السيئة حتى يتشرب قلبه بغض ولاة أمره فينشأ حانقاً حاقداً على دولته ووطنه.

 

وكذلك الشاب الذي تلقى تربيته الإيمانية مع مجموعة من زملائه أو مدرسيه يربونه على الحرص على نوافل الطاعات كحفظ القرآن وصيام الأيام البيض ورحلات العمرة والطلعات الدعوية؛ ولكنهم في جانب العقيدة يربونه على بغض ولاة أمره في الله لأسباب عديدة متنوعة، ويربونه على بغض كبار العلماء باعتبارهم عملاء وعلماء سلطة، ويربونه على بغض الجهاز الأمني للدولة كالمباحث والاستخبارات وقوات الأمن الخاصة ونحوها باعتبارها أجهزة تتعقب العلماء والمجاهدين والصالحين وتحاربهم، ويربونه على بغض المجتمع الذي يعيش فيه باعتباره مجتمع معاص وفجور أو باعتباره مجتمعا جاهليا؛ فينشأ منفصل الشعور، منعزلا عن مجتمعه، لا يفرح لفرحه ولا يحزن لحزنه ولا يسعى في مصلحته.

 

ومتى نشأ الشاب على بغض ولاة أمره ورجال أمنه وازدراء علماء السنة صار فريسة سهلة لكل التنظيمات المعادية لبلادنا تجنده وتوجهه كما تشاء؛ لوجود الدافع للعدوان عنده وعدم البصيرة التي تمنعه.

 

وكذلك الشاب الذي يتوب ويلتزم على يد بعض المحرضين فيقولون له: إنك قد أسرفت على نفسك بالمعاصي والذنوب ولا بد أن تتخلص منها قبل أن تموت فتدخل النار، والحل العاجل المضمون هو أن تقوم بعملية استشهادية فتنغمس في جنود الطاغوت وتفجر نفسك فيهم وخلال ثوان معدودة تكون في الجنة تتمشى في قصورها وتشرب من خمورها وتلعب مع حورها، ثم يتلون عليه آيات نعيم الجنة ويذكرونه بأحاديثها ويسمعونه كثيراً من القصص الخيالية التي تشجع قلبه وتهيج شوقه، وهو خالي الوفاض ليس عنده من العلم شيء يستطيع به تمييز الحق من الباطل فينقاد لهم سريعاً.

 

وكذلك الشاب الذي تربى على الكتب التي تنضح بتكفير المسلمين، وتربى على تعظيم رموز التنظيمات الإرهابية واعتبارهم قادة الجهاد وقدوة الأمة، وهم ممن يجاهر بتكفير دولتنا وعلمائنا.

 

فأمثال هؤلاء الشباب هم الذين يسهل تجنديهم في عمليات التكفير والتفجير والاغتيالات -والعياذ بالله- بحجة الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله.

 

نسأل الله أن يحفظنا وأن يحفظ شبابنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: فبعد أن عرفنا بعض الأسباب التي تسهل تجنيد الشباب من قبل الجماعات الإرهابية يحسن بنا أن نتعرف على بعض أسباب الوقاية والسلامة. والأسباب كثيرة، ومنها على سبيل الإجمال:

 

أولاً: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحذيفة -رضي الله عنه- لما سأله عن سبيل الخلاص من دعاة جهنم، قال له: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم".

 

ثانيا: ملازمة العلماء الربانيين ومتابعة فتاويهم وتوجيهاتهم ونصحهم وتحذيرهم من دعاة الفتن والجماعات الضالة والفرق المبتدعة وتحذيراتهم من الاشتراك في القتال في البلاد التي وقعت فيها الفتن والشرور، فإنهم هم الذين عندهم القدرة على التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل، والجهاد الشرعي والجهاد البدعي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الموافق للشرع والآخر المخالف له، وقد قال -تعالى-: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:43].

 

ثالثاً: الحذر من التنظيمات الإرهابية وممن يدعو إليها ويزكيها ويمدحها، ومما يعينكم على معرفتها بيانات هيئة كبار العلماء والفتاوى الفردية لكبار العلماء وبيانات وزارة الداخلية؛ فإن الحذر من أهل الشر واجب شرعي، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) [آل عمران:7]، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعائشة: "فإذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".

 

رابعاً: استشعار الأسرة مسؤوليتها في تربية الأبناء، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

 

ومن القيم العظيمة التي ينبغي أن يربوا عليها صدق الولاء لولاة أمرهم؛ فإن الوفاء بالبيعة دين يثاب عليه المسلم، ونقض البيعة أو الإخلال بواجباتها ذنب ومعصية، حتى توعد النبي -صلى الله عليه وسلم- من لا يفي ببيعته إذا انتقص نصيبه من الدنيا بأن لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم، كما في صحيح البخاري.

 

فإذا سمع الابن والديه يثنون على الملك وولاة الأمر والحكومة ويدعون لهم ويحذرون أولادهم ممن يبغضهم وينتقصهم ويدعو عليهم ويحرض عليهم، نشؤوا على ذلك واستعصوا بإذن الله على الذئاب التي تقعد لهم كل مرصد.

 

خامساً: أن يحرص الشاب وأهله على حسن اختيار الأصحاب والأصدقاء والمعلمين، وذلك باجتناب كل صاحب أو معلم يثيره ويحرضه على وطنه ومجتمعه وولاة أمره، ولو كان ظاهر حاله الاستقامة والتدين، فالتدين الظاهري ليس هو الميزان؛ إنما الميزان هو التدين الصحيح المبني على الكتاب والسنة.

 

وهذا الحرص مطلوب في كل وقت، ولا سيما حين يتوب الشاب من بعض المعاصي؛ لأنه وقت رقة القلب والرغبة في الخير مع ضعف البصيرة، فما لم يلتزم السنة وقع في بدعة الخوارج أو بدعة التصوف أو غيرها من البدع؛ ولذا قال أيوب السختياني: "إن من سعادة الحَدَث والأعجميّ أن يوفقهما الله لعالمٍ مِنْ أهل السنة"، وقال عبد الله بن شوذب: "إن من نعمة الله على الشابّ إذا تنسّك أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها".

 

فعلينا بذل الأسباب، والله هو الحافظ، وهو الذي بيده مقاليد القلوب، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله.

 

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:8]، (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان:74].

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين...

 

 

المرفقات
تجنيد الإرهاب للشباب الأسباب والعلاج.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life