عناصر الخطبة
1/معاناة النبي في صغره 2/من الابتلاءات التي مر بها النبي في حياته 3/ما كان عليه النبي من الفقر 4/كيف نعالج همومنا؟

اقتباس

فرمَوهُ بالحجارةِ، فسالتْ من قدميهِ الدماءُ، فرجعَ ماشيًا مغمومًا، ومن شدةِ الغمِ لم يستفِقْ إلا وهوَ في السيلِ الكبيرِ الذي يَبعدُ عن الطائفِ ستةً وأربعينَ كيلوًا قطعَها -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَشياً، فلا يُنفِّسُ عن نفسهِ إلا بدعواتٍ مؤثراتٍ يصدعُ بها لمولاهُ...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا الله؛ (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)[البقرة: 194].

 

إليكمْ قصةَ يتيمٍ نشأَ يصارعُ الحياةَ، ماتَ أبوهُ قبلَ أن يولدَ، وماتتْ أمُهُ وعمرهُ أربعُ سنواتٍ، فما عرفَ حنانَ الأبِ، ولا تلذذَ برحمةِ الأمِ، ونشأَ طفلاً عند جدِهِ، ثم صبيًا عند عمِهِ الذي كانَ كثيرَ الأولادِ, أتدرونَ مَن هذا اليتيمُ الذي لاقَى أحزانًا، وذاقَ منَ المصائبِ ألوانًا؟! إنه لَلذي قالَ اللهُ عنه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)[الضحى: 6 - 8], فصلَى اللهُ وسلَّمَ عليه تسليمًا كثيرًا.

 

نبيٌ مجتبَى, ورسولٌ مصطفَى، أفيُبتلَى؟! نعم يُبتلى؛ بل أشدُ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، وفي هذا عزاءٌ لكل مهمومٍ, ومَدينٍ ومُهانٍ ومبتلَىً, ومشرَّدٍ ومحارَبٍ.

 

فما المصائبُ والمصاعبُ التي مرَّ بها حبيبُنا محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟!.

 

عمِلَ وهو غلامٌ أجيراً في رعيِ غنمِ أثرياءِ مكةَ، مقابلَ دراهمَ معدودةٍ.

رُزِقَ بثلاثةِ أولادٍ ماتُوا سريعاً، وبأربعِ بناتٍ ظلَلنَ في كنفهِ, والبنتُ ليست كاسبةً, ثمَّ ذاقَ حُزنَ دفنهِن في حياتهِ إلا فاطمةَ!.

 

طردَهُ قومُه أهلُ مكةَ، فسافرَ لدعوةِ المجاوِرينَ أهلِ الطائفِ، ولم يجدْ مِن مالهِ دابةً يركبُها، فلم يجدْ إلا قدميهِ، فلما دعاهُم إذْ بهم يطردونَه ويقولونَ: أمَا وجدَ اللهُ غيرَك رسولاً فيرسلَه إلينا؟! فرمَوهُ بالحجارةِ، فسالتْ من قدميهِ الدماءُ، فرجعَ ماشيًا مغمومًا، ومن شدةِ الغمِ لم يستفِقْ إلا وهوَ في السيلِ الكبيرِ الذي يَبعدُ عن الطائفِ ستةً وأربعينَ كيلوًا قطعَها -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَشياً، فلا يُنفِّسُ عن نفسهِ إلا بدعواتٍ مؤثراتٍ يصدعُ بها لمولاهُ، ونعمَ المولَى ونعمَ النصيرُ؛ "اللهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانًا عَلَيَّ، فَلَا أُبَالِي، إِنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي"(معجم الطبراني).

 

لقد وصلَ به -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الحرصُ أنْ كادَ يُتلِفُ نفسَه؛ أسَفًا على أمتهِ، حتى عاتَبهُ ربُه، فقالَ -تعالَى-: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)[الكهف: 6], وبلغَ به الجَهدُ أن يعجَزَ في آخرِ حياتهِ عن صلاتهِ قائمًا, فقد "كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ  بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ"(صحيح مسلم).

 

آذاهُ الكفارُ بالقولِ والفعلِ، وضربُوهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرّةً حتى غُشِيَ عليهِ, ووضَعُوا السّمَّ في طعامِهِ، وسَحَروهُ في أهلهِ, وقاتلَهُم لما قاتلوُه، وبلغتْ عددُ غزواتهِ وسراياهُ ثلاثًا وستينَ، بعددِ عمرهِ المباركِ.

 

والسؤالُ: هل كانَ النبيُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَنْعَمُ في بحبوحةٍ من العيشِ؟.

الجوابُ: كلا؛ فقد نزلَ المدينةَ بلا مالٍ أو متاعٍ، وبنَى بجوارِ المسجدِ حجراتٍ لزوجاتهِ، وكانتِ كلُّ حجرةٍ لا تكفِي إلا لشخصينِ، وكان يمرُ شهرانِ كاملانِ، لا يُوقَدُ في بيتهِ نارٌ قطُ, إنما على الماءِ والتمرِ.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ وكفَى، وصلاةً وسلامًا على النبيِ المصطفَى، أما بعدُ:

 

فالسؤالُ المهمُ: كيف نُعالجُ همومَنا كما عالجَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- همومَه؟.

 

والجوابُ: كان يتسلحُ بالصبرِ، ويَتَسَلَّى بانتظارِ الفرجِ، وكان يبثُّ أشجانَه وأحزانَه إلى زوجاتهِ، وهذا البثُّ تنفيسٌ وعلاجٌ ناجعٌ للهمومِ، فكانَ يقولُ لخديجةَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي", ويقولُ لعائشةَ: "لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ".

 

توالَتْ عليهِ المحَنُ، وربُّه يقولُ له: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)[الأحقاف: 35], فصبرَ وانتظرَ الفرجَ، فكان له المقامُ المحمودُ والنصرُ المشهودُ, ومن مقاماتهِ العاليةِ المسليةِ مقامُ الإسراءِ والمعراجِ، الإسراءِ به من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، ثم العروجِ به -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى السمواتِ السبعِ، ورؤيتِهِ الأنبياءَ وصلاتهِ بهم، وتكليمِه لربهِ، في مقامٍ لم يَصِلْ إليه مخلوقٌ، كلُ هذا حصلَ في ليلةٍ واحدةٍ!.

 

أَسرى بِكَ اللَهُ لَيـلاً إِذ مَلائِكُــهُ *** وَالرُسْلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ

لَمّا خَطَرْتَ بِهِ اِلتَفّوا بِسَيِّـدِهِـمْ *** كَالشُهْبِ بِالبَدْرِ أَو كَالجُنْدِ بِالعَلَمِ

صَلّى وَراءَكَ مِنهُمْ كُلُّ ذي خَطَرٍ *** وَمَـن يَفُـزْ بِحَبيـبِ اللهِ يَأتَـمِـمِ

حَتّى بَلَغتَ سَمـاءً لا يُطـارُ لَها *** عَلى جَنـاحٍ وَلا يُسعَى عَلى قَدَمِ

وَقيــلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتبَـتِــــهِ *** وَيا مُحَمَّدُ هَـذا العَرشُ فَاستَـلِمِ

 

فاللهم إنا آمنا بنبيِك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واحببناهُ واتبعناهُ وما رأيناهُ, اللهم فلا تحرمنا رؤيته يوم القيامةِ, اللهم اجعلنا من إخوانِ حبيبِنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذين تمنى رؤيتهم يوم قال: "وددتُ أني رأيتُ إخواني الذين لم يأتُوا بعدُ", اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ بِنُوْرِ وَجْهِك الكَرِيمِ الذِي أشْرَقَتْ لَهُ السَّمَواتُ والأرْضِ, وبِاسْمِك العَظِيْمِ أنْ تَقْبَلَنَا في هَذِهِ السَّاعَةِ وتَرْضَى عَنَّا رِضىً لا سَخَطَ بَعْدَهُ أبَدًا, ورَحْمَتُكَ تَسَعُ منْ أطَاعَكَ مِنَّا ومَنْ عَصَاك, اللهم احفظْ دينَنَا وبلادَنا وأدِمْ أمنَنا، ووفقْ وسدِّدْ وليَ أمرِنا ووليَ عهدِه لهُداكَ, واجعلْ عمَلَهما في رضاكَ.

 

اللهم صلِ وسلمْ على محمدٍ.

 

المرفقات
JwBBAudOmJHvPXHlvUxQk729cFOJ2AcZzehVg4eP.pdf
NJYzashDEqFzKtLij3RYHRld4HI68yE2JhfZya0a.doc
التعليقات
زائر
06-10-2023

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life