عناصر الخطبة
1/حب الأوطان فطرة 2/مكانة الحرمين عند المسلمين

اقتباس

حبُّ الوَطنِ لا يُقدَّرُ بالأثمانِ، ولو ظُلمَ وافتقرَ فيها الإنسانُ، بل ولو جارَ عليه فيها الزَّمانُ، ذكرَ ياقوتُ الحَمويُّ في كتابِه معجمِ البُلدانِ بلداً اسمَها سِيراف، فَقَالَ: ولقد رأيتُها وليسَ بها قومٌ إلا صَعاليكٌ -أي: فُقراءُ-، ما أَوجبَ لهم المُقامُ بها إلا حُبَّ الوَطنِ

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ ‌للهِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَزَّ جَاهُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ، وكَثُرَ عَطاؤهُ، وتَقَدسَتْ صِفاتُهُ وأَسماؤهُ، نَحمِدُهُ عَلى مَا أَفَاضَ من النِّعمِ، ومَا صَرفَ ووَقَى من الشُّرورِ والنِّقمِ، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهدُ أنَّ نَبيَّنا وقُدوتَنا مُحمداً عَبدُ اللهِ ورَسولُهُ، صَلَّى اللهُ وسَلمَ عَليهِ وعَلى آلِهِ وأَتباعِه أَجمعينَ، أماَ بَعدُ:

 

الحَديثُ عَن حُبِّ الأوطانِ، هو حَديثٌ يُثيرُ الأشواقَ والأشجانَ، حَديثٌ عَن فِطرةٍ في الإنسانِ والحَيوانِ، فالبَشرُ حَنينُها إلى أوطانِها، والدَّوابُّ إلى مساكنِها، والإبلُ إلى معاطنِها، والطُّيورُ إلى أَوكارِها، والأسماكُ إلى بِحارِها، عَلاقةٌ غَريبةٌ بينَ المَخلوقاتِ وبينَ التُّرابِ، حَتى أصبحَ مُفارقَتُهُ قطعةً من العذابِ، وفي الحَديثِ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ".

 

الوطنُ .. لَيسَ خُطبةً مِنَ البُلَغاءِ، ولَيسَ قَصيدةً عَصمَاءَ، ولَيسَ نَشيداً أو أُغنيَّةً، ولَيسَ لوحةً فَنيَّةً، إنَّما هي أحَاسيسُ قَد لا تَستطيعُ التَّعبيرَ عَنها الحُروفُ، ومَشاعرُ تَراها في عُيونِ المُغتَربِ المَلهوفِ، الوَطنُ .. قِصَّةٌ كَتَبَها التَّاريخُ بِدِماءِ المُجاهدينَ، وبِعَرقِ المُكَافِحينَ، وبِصَبرِ الأَوَلينَ، وبِدُعاءِ الصَّالحينَ، الوطن .. هو ماضينا وذكرياتُنا، هو حَاضرُنا وتَضحياتُنا، هو مُستقبلُنا وأمنياتُنا، فيهِ تَعلَّمنا الجُودَ والفَيضَ والعَطاءَ، وعَلى أرضِه تطيبُ المُبادرةُ التَّضحيةُ والنَّماءُ، وله يَهونُ التَّعبُ والمَشقةُ والبِناءُ.

 

حبُّ الأوطانِ في قلوبِ النَّاسِ كالجبالِ، ولو لم يكنْ فيها شيءٌ من الجمالِ، يقولُ القَزوينيُّ في آثارِ البلادِ وأخبارِ العبادِ عن بلدةِ الرَّصَافةِ: ومن عَجيبِ هذه البَلدةِ، أنَّ ليسَ بها زرعٌ ولا ضَرعٌ ولا ماءٌ، ولا أَمنٌ ولا تجارةٌ، ولا صَنعةٌ مَرغوبةٌ، وأهلُها يَسكنونَها .. ثُمَّ قَالَ: ولولا حُبُّ الوَطنِ لخَربِتْ، وصدقَ القائلُ:

 

بلادٌ أَلِفنَاها على كُلِّ حَالةٍ *** وقد يُؤْلَفُ الشَّيءُ الذي لَيسَ بالحَسنْ

وتُسْتعذبُ الأرضُ التي لا هَواءَ بها *** ولا ماؤها عَذبٌ، ولكنَّها وَطَنْ

 

هَل تَعلَمونَ أنَّ قَسوةَ خُروجِ الأجسادِ من الأوطانِ، تُعادلُ قَسوةَ خُروجِ الأرواحِ من الأبدانِ، كما قَالَ تَعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ) [النساء:66 ]،  ولِذلكَ كَانَ هذا الخُروجُ قَدَرَ الأنبياءِ، لأنَّهم أَشَدُّ النَّاسِ بلاءً، كَماَ قَالَ وَرقةُ بنُ نَوفلٍ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ: يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟"، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وهَا هو بَعدَ سِنَينَ مَعدودةٍ، يُلقي عَلى مَكةَ نَظرةً وَدودةً، ويَقولُ: "واللهِ، إنَّكِ لأحبُّ بُلادِ اللهِ إلى اللهِ، وأحبُّ بلادِ اللهِ إليَّ، ولولا أنَّ قَومي أَخرجوني مِنكِ ما خَرجتُ".

 

حبُّ الوَطنِ لا يُقدَّرُ بالأثمانِ، ولو ظُلمَ وافتقرَ فيها الإنسانُ، بل ولو جارَ عليه فيها الزَّمانُ، ذكرَ ياقوتُ الحَمويُّ في كتابِه معجمِ البُلدانِ بلداً اسمَها سِيراف، فَقَالَ: ولقد رأيتُها وليسَ بها قومٌ إلا صَعاليكٌ -أي: فُقراءُ-، ما أَوجبَ لهم المُقامُ بها إلا حُبَّ الوَطنِ .. وهذا كما عبَّرَ عنها الشَّاعرُ:

 

بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ *** وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ

 

قِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ: أَتْشَتَاقُ إِلَى وَطَنِكَ؟، قَالَ: كَيْفَ لَا أَشْتَاقُ إِلَى رَمْلَةٍ، كُنْتُ جَنِينَ رُكَامِهَا، وَرَضِيعَ غَمَامِهَا؟.

 

حتى الشعراءُ كانَ في أشعارِهم نصيبٌ كَبيرٌ من التَّغَزُّلِ في الأوطانِ، حَتى أنَّ أشهرَ بَيتٍ لأبي تَمامٍ في الغَزلِ، "ما الحبُّ إلا للحَبيبِ الأولِ"، قَد قِيلَ في الوَطنِ ولَيسَ في المَحبوبةِ، حَيثُ يَقولُ:

 

كَمْ مَنزلٍ في الأرضِ يَألفُهُ الفَتَى *** وحَنينُهُ أَبَداً لأولِ مَنزلِ

نقِّل فُؤادَك حَيثُ شِئتَ من الهَوى *** ما الحُبُّ إلا للحَبيبِ الأولِ

 

أقُولُ قَوْلي هَذَا، وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ هو الغنيُّ وعبادُه الفُقراءُ، وهو القَويُّ وخلقُه هم الضُّعفاءُ، وصلى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وأصحابِه، والتَّابعينَ ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

 

كيفَ إذا كانَ هذا الوطنُ، فِيهِ بيتُ اللهِ عامرٌ تَهوي إليه أفئدةُ المسلمينَ من كلِ مكانٍ، وهذا مسجدُ النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ تُشدُ إليه الرِّحالُ في كلِ زمانٍ، أمنٌ وأمانٌ، وتحكيمٌ بشريعةِ الإيمانِ، شعائرُ التوحيدِ ظاهرةٌ، ومظاهرُ الشركِ داحرةٌ، قد أخَذَتْ مُقدساتُه بقِطعةٍ من فؤادِ كلِّ مسلمٍ على وجهِ الأرضِ، يحبُّها، ويَغارُ لها، ويُدافعُ عنها، ويحزنُ لها، ويَتَمنى أن يَراها في أمنٍ واستقرارٍ، عامرةً بالحُجَّاجِ والمعتمرينَ والزُّوَّارِ.

 

وَطنٌ قَد خَرجَ مِنهُ الإيمانُ وانتشَرَ في كُلِّ مَكانٍ، وسيرجعُ ليَستقَرَّ فِيه إذا فَسَدَ الزَّمانُ، كما قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "إنَّ الإيمَانَ لَيَأْرِزُ إلى المَدِينَةِ -أي: سيرجعُ إلى المدينةِ- كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحْرِهَا".

 

فيا أهلَ الحَرَمِ، يا من كَفاكم اللهُ النِّقمَ، وأَسبغَ عَليكم النِّعمَ، انظروا حَولَكم، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت:67 ]، واعلَموا أنَّهُ لا أَمنَ إلا بإيمانٍ، (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ ‌لَهُمُ ‌الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام:82 ]، ولا زِيادةَ إلا بِشُكرانٍ، (وَإِذْ ‌تَأَذَّنَ ‌رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7 ]، وإلا فالعَذابُ جَزاءُ الكُفرانِ، (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ).

 

اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا وولاةَ أُمورِنا، واجعلِ اللهمَّ ولايتَنا فيمن خَافَكَ واتَّقاكَ، واتَّبَع رِضاكَ يا ربَّ العَالمينَ، اللهمَّ أيِّد بالحقِّ والتَّوفيقِ والتَّسديدِ إمامَنا ووليَّ أَمرِنا، ووفِّقه لما تحبُّ وتَرضَى، وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتَّقوى، اللهمَّ من أرادَنا وأَرادَ دينَنا ودِيارَنا وأَمنَنا وولاةَ أمرِنا وعُلماءَنا وأهلَ الفَضلِ والصَّلاحِ منَّا ورِجالَ أَمنِنا وقُواتِنا ووِحدتَنا واجتماعَ كَلمتِنا بسُوءٍ، اللهمَّ فأشغِله بنَفسِه، واجعل كيدَه في نَحرِه، واجعل تَدبيرَه تَدميرًا عَليهِ يا رَبَّ العَالمينَ، اللهم احفظنا من شرِّ الأشرارِ، وكَيدِ الفُجَّارِ، وشرِّ طوارِقِ الليلِ والنهارِ، اللهمَّ يا ذا الجُودِ والمنِّ، احفظ علينا هذا الأمنَ، وسدِّد قيادتَه، وقوِّ رجالَه، وخُذ بأيديهم، وشُدَّ من أزرِهم، وقوِّ عزائِمَهم، وزِدهم إحسانًا وتوفيقًا، وتأييدًا وتسديدًا، اللهم اشفِ مرضاهم، وارحم شُهداءَهم يا ربَّ العَالمينَ.

 

المرفقات
0kCEG84c8apHPmtogL5Fpou52G0LfOiLNBhYy4KG.pdf
reDI126oZbaMH4aOcKBgI3ELUicfVc8OiwT9FUFt.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life