عناصر الخطبة
1/كثرة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم (ق) في الجمعة 2/من السنة قراءة سورة (ق) 3/تفسير سورة (ق)

اقتباس

فإن سورة من القرآن مكية النزول طالما تلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبين أسرارها في خطبة الجمعة على منبره حتى حفظها بعض الصحابة من فيه الرطب -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد جاء عند مسلم عَنْ أُمِّ هِشَامٍ قَالَتْ: "مَا أَخَذْتُ (ق * وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته. ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته. وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله نبيًا شرح الله له صدره. ورفع ذكره. ووضع عنه وزره. صلى الله عليه وآله وصحبه وعلى سائر متبعي دربه. أما بعد: فاتقوا الله (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا).

 

فإن سورة من القرآن مكية النزول طالما تلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبين أسرارها في خطبة الجمعة على منبره حتى حفظها بعض الصحابة من فيه الرطب -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد جاء في صحيح مسلم عَنْ أُمِّ هِشَامٍ قَالَتْ: "مَا أَخَذْتُ (ق * وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ".

 

واتباعًا للسنة فلنذكر ما في هذه السورة العظيمة من عظيم آيات، وجلائل العظات. قال العلماء: كان رسول الله كان يقرأ بهذه السّورة في المجامع الكِبار كالعيد والجُمَع؛ لأنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة.

 

أيها المؤمنون: لا أعظم ولا أنفع من كلام الله -تعالى-، ولذلك أقسم به في هذه صدر هذه السورة، وختمها بقوله: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ). والمؤمن الحق يجد السعادة في القرآن: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) وأما المكذب بالحق، فهو في أمر مريج مختلط تتقاذفه الأهواء وتقلقه الشكوك، فمواقفه متأرجحة وقلبه في وحشة.

 

ثم أخبر من هدانا أن أعظم الحجب على الكفار أنهم استكبروا أن يُبعث رسول من منهم، يعرفهم ويعرفونه: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) وكما اعترضوا على الرسول اعترضوا على الرسالة وأعظمها إنكارهم للبعث؛ فقالوا (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) لم يشُكُّوا في الخلق أول مرة، لكنَّ شكَّهم في إعادة الخلق. فقال الحق العليم: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) لا يتغير ولا يتبدل.

 

ثم ذكر -جل شأنه- بعضًا من عظمة المخلوق الدالَّة على عظمة الخالق، فذكر السماءَ والأرض، وإنزالَ المطر، وإنباتَ الزرع، ونخلاً (بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) يَبْدُو مِنْ ثَمَرَتِهِ فِي أَوّلِ ظُهُورِهِ قَبْلَ تَشَقّقِ الكافور عَنْهُ: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).

 

ثم ينتقل السياق لحال الإنسان مع ربه الذي يعلم (مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) والملكان الرقيبان يقولان: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)؛ فالذي عن يمينه يكتب الحسنات ويشهد معه الآخر، والذي عن الشمال يكتب السيئات ويشهد معه الآخر، ثم يلتقيان مع صاحبهما بين يدي الله الذي لا تخفى عليه خافية، وطوبى لعبد كانت سريرته خيراً من علانيته.

 

تمضي على ذلك أيامه وأعوامه حتى يواجه سكرة الموت (بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)؛ أي تفر من سكرة الموت، من اللحظة التي يواجهها كل أحد، وفيها أمور عظام؛ يخففها الله- جل وعلا- على المؤمن، فتنزع روحه نزعاً رفيقاً.

 

مات الناس وانتهت الدنيا. انتهت مرحلة الدنيا ومرحلة البرزخ والقبر، وجاءت مرحلة أخرى، حين نفخ (فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ). وهذا يقول قرينه الشيطان الذي وكل به. ويكون الخطاب الرباني: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ).

 

أيها المؤمنون: لا ذنبَ للعبد يلقى اللهَ به أعظمُ من الشرك، وهذا لا يغفره الله أبداً، أما المؤمنون فإن أول ما يُنظَر فيما فعلوه ما بينهم وبين الله هو الصلاة؛ فمن حافظ عليها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو إلى ما سواها أضيع، وأول ما ينظر إليه بين الناس والآخرين مسألة الدماء، فأول ما يقضي به بين الخلائق الدماء.

 

انتهت محاسبة الفجار والكفار؛ فماذا بقي؟! بقي: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) ومن الأواب الحفيظ؟ الجواب مباشرة هو: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) يزدلف حيناً إلى طاعات، ولكنه يقع في معاصٍ؛ فما يلبث أن يستغفر، و"ما من مؤمن إلا وله ذنب يصيبه الفَيْنة بعد الفينة، إن المؤمن خُلقَ مُفَتَّناَ توَّاباً نسَّاءً؛ إذا ذُكِّر تذكَّر"؛ حتى يلقى الله ويرى الجنة قد قربت. جعلنا الله جميعًا من أهل ذلك النعيم، الذين يقول لهم العلي الأعلى (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ)؛ فلا موت ولا انتقال (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) وأعظم المزيد رؤية وجه الله -تعالى-.

 

 

الخطبة الثانية:

 

وفي عَطفٍ بيانيّ عجيب يعود آخر السّورة بتوكيدٍ للقضايا السّابقة من البعثِ والخلق ومصير الخلائق. ومن دلائل العقل والإيمان أن ينظر إلى صنيع الله -جل وعلا- في من عصاه، ورحمته في من اتبع هداه : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).

 

ثم رد ربنا على اليهود الزاعمة أن الله خلق الخلق فاستراح بعد التعب -تعالى الله عما يقولون-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ).

 

ثم جاء توجيهان مهمان لمن يقوم بمهمة الدعوة إلى الله ونشر الخير ومحاربة الباطل وما يواجهوه من الأذى:

الأول: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)؛ لأن طبيعة عملهم تحتاج إلى صبر طويل وجميل؛ فما أصابك من أذى المنافقين (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)، وما سمعتَ من التهم الملفقة من المفسدين (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)، وما واجهوك من الألفاظ المعلبة المستوردة من بلاد الكفار (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)، وما واجهوك باتهام النوايا والتصنيف الغاشم (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ).

 

والثاني -وهي أولى وأهم-: ذكر الله -تعالى- (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ).

 

ثم ذكر بالميعاد الأكبر بنداء ملك الصور إسرافيل فقال: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) وهو بيت المقدس؛ لأنه قريب من مكة. فينادي: أيتها العظام البالية أيتها الأوصال المتقطعة إن الله يدعوكن لفصل القضاء فتجتمع الأجساد: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ)؛ لأن السر عنده علانية، وليس عليك أيها النبي إلا البلاغ (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) فيتعظ خاف، وتقوم الحجة على من لم يخف.

 

اللهم إنا نسألك ثبات الإيمان، والعفو عما سلف وكان، من الذنوب والعصيان.

 

اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنا مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِنا، وَتَوَفَّنا إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لنا.

 

اللَّهُمَّ وَنسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَنسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَنسْأَلُكَ نَعِيمًا لاَ يَنْفَدُ، وَنسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تَنْقَطِعُ، وَنسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَنسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَنسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ؛ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.

 

اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.

المرفقات
ألطاف-من-سورة-ق-1.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life