شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

بوعلام محمد بجاوي

2022-10-11 - 1444/03/15
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

إن الأمة قد اتبعت سنن من قبلها كما تواترت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك، بل من أعظمه، بل أعظمه أنها فرّقت دينها وكانت شيعا، وقد تواترت الأخبار أيضا بأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق، فعلى أهل العلم أن يبدأ كل منهم بنفسه فيسعى في تثبيتها على الصراط وإفرادها عن اتباع الهوى، ثم يبحث عن إخوانه ويتعاون معهم على الرجوع بالمسلمين إلى سبيل الله، ونبذ الأهواء التي فرقوا لأجلها دينهم وكانوا شيعاً. اهـ

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين صاحب الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود:

 

هذا شرح مختصر لنصيحة تستمد شأنها من:

 

الناصح: المعلمي عبد الرحمن بن يحيى (ت: 1386).

 

المنصوح: ورثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل المرسل إلى خير الأمم الذين حفظ الله بهم الرسالة من التبديل والتغيير إبقاء للنور لمن أراد التزامها والحجة لمريد الرشاد وعلى مريد الغيّ.

 

وكونها موجهة إلى أهل العلم لا يجعل فائدتها قاصرة عليهم، بل هي عامة لجميع المسلمين الباحثين عن النجاة من النار والفوز بالجنة

موضوعها: هداية الخلق إلى الحق، الذي علق النجاة بالنار والفوز بالجنة به

وأفضل ما شرح به كلام المعلمي كلام المعلمي نفسه، ومن الله أرجو العون والتوفيق.

 

نص الوصية:

قال المعلمي عبد الرحمن بن يحيى بن علي العُتمي (ت: 1386): إن الأمة قد اتبعت سنن من قبلها كما تواترت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك، بل من أعظمه، بل أعظمه أنها فرّقت دينها وكانت شيعا، وقد تواترت الأخبار أيضا بأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق، فعلى أهل العلم أن يبدأ كل منهم بنفسه فيسعى في تثبيتها على الصراط وإفرادها عن اتباع الهوى، ثم يبحث عن إخوانه ويتعاون معهم على الرجوع بالمسلمين إلى سبيل الله، ونبذ الأهواء التي فرقوا لأجلها دينهم وكانوا شيعاً. اهـ[1].

 

مقدمة:

الأفراد يصيبهم المرض والسقم بعد الصحة والعافية بسبب عدولهم عن الصراط الموافق لخلقتهم وهو الذي خطه الله لعباده في شريعته اعتقادا وفعلا وتركا، وكذلك الأمم عندما يعدل بعض أفرادها عن شريعه الله ثم لا يجدون ناهيا بالذكرى لمن كان له قلب وبالقوة - من أهلها - لمن مات قلبه أو أوشك.

 

قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) [الرعد: 11].

 

أي لا يغير النعمة إلى النقمة إلا بعد تغير الحال من التوحيد والطاعة إلى الشرك والمعصية

والأفراد عند مرضهم يلجؤون إلى طبيب عارف ماهر يبدلون له أعزّ ما يملكون: ليحدد المرض أولاً، ثم يجد له دواء مناسباً

وهذا هو الواجب على الأمة عند مرضها أن تلجأ إلى الطبيب العارف الماهر ليحدد لها المرض ويصف لها دواء شافيا[2]

 

وقد تضمنت نصيحة المعلمي خمسة أمور هي - إضافة إلى المقدمة - أركان العلاج:

1- ( المقدمة ) المرض أمر كوني لا مفرّ منه.

2 - ( الركن الأول ) وصف المرض.

3 - ( الركن الثاني ) الطبيب المعالج.

4 - ( الركن الثالث ) الدواء والعلاج.

5 - ( الركن الرابع ) التعاون على العلاج.

 

المقدمة: المرض أمر كوني

قال المعلمي: إن الأمة قد اتبعت سنن من قبلها كما تواترت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

قضى الله كونا أن تتبع هذه الأمة سبيل مَن قبلها من الأمم، كما في الصحيحين ( خ / 3456، 7320 - م / 2669 ) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن "

 

والمقصود متابعتهم فيما أحدثوا وبدّلوا وتركوا من شرائع أنبيائهم

 

قال ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف ( ت: 449 ) عن المهلب أبي القاسم بن أحمد بن أسيد ( ت: 433 أو بعدها ): فأخبر صلى الله عليه وسلم أن أمته قبل قيام الساعة يتبعون المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء المضلة كما اتبعتها الأمم من فارس والروم حتى يتغيّر الدين عند كثير من الناس، وقد أنذر صلى الله عليه وسلمفي كثير من حديثه أن الآخر شر، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، وأن الدِّين إنما يبقى قائما عند خاصة من المسلمين لا يخافون العداوات، ويحتسبون أنفسهم على الله في القول بالحق، والقيام بالمنهج القويم في دين الله. اهـ[3]

 

الركن الأول: وصف المرض

قال المعلمي: ومن ذلك، بل من أعظمه، بل أعظمه أنها فرقت دينها وكانت شيعا.

إذا كانت هذه الأمة قد اتبعت سنن من قبلها، فإن أعظم ما ابتدعت الأمم السابقة الاختلاف والافتراق بعد الاتفاق مع وضوح الحق، فتجدهم فرقا كثيرة متباينة يجمعها "الكفر بالله وابتداع ما لم يأذن به الله"

 

قال الشافعي محمد بن إدريس (ت: 204 ) - عن النبي صلى الله عليه وسلم -: بعثه، والناس صنفان:

أحدهما: أهل كتاب بدّلوا من أحكامه وكفروا بالله، فافتعلوا كذبا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم...

وصنف: كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن الله به، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبا وصورا استحسنوها ونبزوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه: فأولئك العرب

 

وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابّة ونجم ونار وغيره...

 

فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أهل كفر في تفرقهم واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور:

 

الكفر بالله

وابتداع ما لم يأذن به الله، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، لا إله غيره، سبحانه وبحمده، رب كل شيء وخالقه. اهـ[4]

و لا يزالون إلى اليوم يختلفون بسبب إعراضهم عن الوحي الذي أتتهم به رسل ربهم، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لبيان الحق فيما حصل فيه الخلاف، أي الرد إلى الأمر الأول.

 

قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213].

 

وقال: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [يونس: 19].

 

وقال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) [البقرة: 253].

 

وقال: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [يونس: 93].

 

وقال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النحل: 64].

 

وقال: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)  [الشورى: 14].

 

وقال: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [الجاثية: 17].

 

وقال: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة: 4].

وقال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [النمل: 76].

وقال: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [السجدة: 25].

 

وقال: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) [الزمر: 3].

 

وقال: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [الزمر: 46].

وقال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود: 118].

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [الأنعام: 159].

وقال: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم: 31، 32].

وقال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 105].

 

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه "إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاتٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة "[ د/ 4596، ت/ 2640، جه/ 1399 ][5]

 

و في حديث العرباض بن سارية "وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا "[ د/ 4607، ت/ 2676، جه/ 43، 44 ][6]

 

مسألة: التعامل مع قضاء الله الكوني في الاختلاف

وما قضاه الله كونا لا بدّ من وقوعه، عقيدة نعتقدها ولا نصوبه ولا نستسلم له، بل لا بدّ من:

 

1- طلب الحق

2 - ثم السعي في هداية من رحم الله من عباده واختاره للسعادة في العاجل والآجل

 

أولاً: طلب الحق، والصبر على مشقة تحصيله، لا لعدم بيان الشرع له[7]، بل لكثرة الغشاوات التي أحاطه بها الجهمية ومن سار على نهجهم في تحريف النصوص المخالفة لأهوائهم، قديماً كان التحريف أكثره في " العقائد "، واليوم أكثره في " الأحكام " لا بسبب التعصب كما في السابق، ولكن الانهزام، وذلك أن من يُعظِّمون يرونها تخلفاً.

 

قال المعلمي: ومخالفة الهوى للحق في العلم والاعتقاد قد تكون لمشقة تحصيلية، فإنه يحتاج إلى البحث والنظر، وفي ذلك مشقة ويحتاج إلى سؤال العلماء والاستفادة منهم. اهـ[8]

 

ومن المشقة - أيضا –: مخالفة العادة والهوى، قال المعلمي - بعد كلامه السابق -: وقد تكون [مخالفة الهوى للحق] لكراهية العلم والاعتقاد نفسه، وذلك من جهات:

الأول: ما تقدم في "الاعتراف"، فأنه كما يشقّ على الإنسان أن يعترف ببعض ما قد تبين له، فكذلك يشقّ عليه أن يتبين بطلان دينه أو اعتقاده أو مذهبه أو رأيه الذي نشأ عليه، واعتزّ به، ودعا إليه، وذبّ عنه، أو بطلان ما كان عليه آباؤه وأجداده وأشياخه، ولا سيما عندما يلاحظ أنه إن تبين له ذلك تبين أن الذين يطريهم ويعظمهم ويثنى عليهم بأنهم أهل الحق والإيمان والهدى والعلم والتحقيق هم على خلاف ذلك، وإن الذين يحقرهم ويذمهم ويسخر منهم وينسبهم إلى الجهل والضلال والكفر هم المحقون... فتجد ذا الهوى كلما عرض عليه دليل لمخالفيه أو ما يوهن دليلاً لأصحابه شقّ عليه ذلك واضطرب واغتاظ وسارع إلى الشغب، فيقول في دليل مخالفيه " هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات "، و"هذا المذهب مذهب باطل لم يذهب إليه إلا أهل الزيغ والضلال "، ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه وأشياخه ويعدّد المشاهير منهم ويطريهم بالألفاظ الفخمة، والألفاظ الضخمة، ويذكر ما قيل في مناقبهم ومثالب مخالفيهم، وإن كان يعلم أنه لا يصح، أو أنه باطل. اهـ[9]

 

ولهذا يقلّ أن تجد من يترك دين النشأة إلى دين الحق

قال المعلمي: ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على الناس أنهم - كما تراهم - على أديان مختلفة، ومقالات متباينة، ومذاهب متفرقة، وآراء متدافعة، ثم تراهم كما قال الله تبارك وتعالى (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم: 32] فلا تجد من ينشأ على شيء من ذلك ويثبت عليه يرجع عنه إلا القليل، وهؤلاء القليل يكثر أن يكون أول ما بعثهم على الخروج عما كانوا عليه أغراضا دنيوية. اهـ[10]

 

و قد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم - وهو النبي المعصوم -: اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك

مسلم 200 - ( 770 ) من طريق عكرمة بن عمار حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

 

مدراه على عكرمة بن عمار، قال أحمد ابن حنبل ( ت: 241 ): مضطرب عن غير إياس بن سلمة، وكأن حديثه عن إياس بن سلمة صالح[11]. وقال: أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ليس بصحاح، قلت له: من عكرمة أو من يحيى؟ قال: لا إلا من عكرمة[12]. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث ( ت: 275)   في حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب[13]. وقال علي بن المديني ( ت: 234 ): سألت يحيى بن سعيد القطان ( ت: 198 ) عن أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير؟ فضعفها، وقال: ليست بصحاح[14].

 

لأن المعصوم من عصم الله، فأول الأسباب سؤال الله التوفيق والهداية

قال تعالى: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213]

وقال عن المؤمنين: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 43]

 

-----

[1] التنكيل 2 / 382.

[2] كما يأتي في " الركن الثاني ".

[3] شرح ابن بطال على البخاري 10 / 366.

[4] الرسالة 1 / 1 - 3 - الأم.

[5] تخريجه في: الظفر بالصواب في صاحب رسالة باب الأبواب.

[6] تخريجه في: الظفر بالصواب في صاحب رسالة باب الأبواب.

[7] للمعلمي كلام حول تقسيم الشرع من حيث البيان، تركته تركا للتطويل. وأكتفي بالإحالة: التنكيل 2 / 182 وما.بعدها.

[8] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الاباطيل - القائد إلى تصحيح العقائد - 2 / 181.

[9] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الاباطيل - القائد إلى تصحيح العقائد - 181 - 182.

[10] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الاباطيل - القائد إلى تصحيح العقائد - 182.

[11] العلل ومعرفة الرجال عن أحمد ( 1 / 379 - رقم: 733 ).

[12] العلل ومعرفة الرجال عن أحمد ( 2 / 494 - رقم: 3255 ).

[13] سؤالات أبي عبيد الآجري 1 / 264 - مسألة: 361.

[14] الجرح والتعديل 1 / 236 و7 / 10.

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات