طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

  • 401 /
  • 11 /
  • 0
433

قيامة

1438/10/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
التعريف

 


 


القيامة الصغرى هي الموت ، فكل من مات فقد قامت قيامته ، وحان حينه ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة قالت : كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه متى الساعة ، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول :" إن يعش هذا ، لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم" .


 


قال ابن كثير :" والمراد انخرام قرنهم ، ودخولهم في عالم الآخرة ، فإن من مات فقد دخل في حكم الآخرة ، وبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته ، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح " . وقد أشار ابن كثير إلى أن هذا القول يقوله الفلاسفة ، ويريدون به معنى فاسداً . فإن الملاحدة يريدون أن الموت هو القيامة ولا قيامة بعدها . يقول ابن كثير:"وقد يقول هذا بعض الملاحدة ، ويشيرون به إلى شيء آخر من الباطل ، فأمّا الساعة العظمى ، وهي وقت اجتماع الأولين والآخرين في صعيد واحد ، فهذا ما استأثر الله بعلم وقته" . وتسمى القيامة الصغرى أيضاً بالمعاد الأول ، كما تسمى البرزخ . يقول ابن القيم:" الموت بعث ومعاد أول" فإن الله جعل لابن آدم معادين وبعثين يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى . فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن ، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول


 


القيَامة الكبرى:


 


سيأتي يوم يبيد الحيُّ القيوم فيه الحياة والأحياء ، مصداقاً لقوله تعالى:( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [ الرحمن : 26- 27 ] ، ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) [ القصص : 88 ] ، ثم يأتي وقت يعيد الله العباد ويبعثهم ، فيوقفهم بين يديه ويحاسبهم على ما قدموه من أعمال ، وسيلاقي العباد في هذا اليوم شيئاً عظيماً من الأهوال ، ولا ينجو من تلك الأهوال إلا من أعدَّ لذلك اليوم عدته من الإيمان والعمل الصالح ، ويساق العباد في ختام ذلك اليوم إلى دار القرار : الجنة أو النار . هذا اليوم هو يوم القيامة.


 


 


العناصر


1.أهمية الإيمان بيوم القيامة.


2.وجوب الإيمان بيوم القيامة.


3.الآثار المترتبة على الإيمان بيوم القيامة.


4.يوم القيامة يوم الحساب.


5.القيامة لها أصل من اشتقاقها.


6.الاستعداد ليوم القيامة أوجب شي على الإنسان.


7.العلم بفناء هذه الدنيا وزوالها، وحقارتها.


8.قصر إقامة الإنسان في الدنيا ؛ مما يستوجب عدم الركون إليها.


الايات
1- قال الله تعالى: (اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ) [النساء:87].
2- قال تعالى: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ) [الجاثية:26].
3- قال تعالى: (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة:177].
4- قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:64].
5- قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * ...) الآية [الحج:1، 2].
6- قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [الروم:56].
7- قال تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) [المعارج:43].
8- قال تعالى: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * ...) الآيتين [القارعة:1-5].
9- قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [الصافات:21].
10- قال تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة:4].
11- قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ) [عبس:33].
12- قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) [النازعات:34].
13- قال تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم:39].
14- قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية:1].
15- قال تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) [ق:34].
16- قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26].
17- قال تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) [الحاقة:15].
18- قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) [ق:20].
19- قال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * ...) [غافر:15-18].
20- قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن:9].
21- قال تعالى: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * ...) الآية [غافر:32، 33].
الاحاديث
1- عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (أوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاء). متفق عليه.
2- وعنه، قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في دَعْوَةٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وقال: (أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاس مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ وَلاَ يَحْتَمِلُونَ، فَيقُولُ النَّاسُ: أَلاَّ تَرَوْنَ مَا أنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ، ألاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأتُونَهُ فَيقُولُونَ: يَا آدَمُ أنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وأسْكَنَكَ الجَنَّةَ، ألاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ ألاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغْنَا؟ فَقَالَ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأتُونَ نوحاً فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهلِ الأرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، ألاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، ألاَ تَرَى إِلَى مَا بَلَغْنَا، ألاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيقُولُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إبْرَاهِيمَ، فَيَأتُونَ إبْرَاهِيمَ فَيقُولُونَ: يَا إبْرَاهِيمُ، أنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيقُولُ لَهُمْ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذبَاتٍ؛ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأتُونَ مُوسَى فَيقُولُونَ: يَا مُوسَى أنَتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرسَالاَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فيقُولُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي؛ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى. فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أنْتَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقُولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْباً، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم).
وفي روايةٍ: (فَيَأتُونِي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أنتَ رَسُولُ اللهِ وخَاتَمُ الأنْبِياءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِداً لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، سَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأرْفَعُ رَأْسِي، فَأقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأبْوَابِ). ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى). متفق عَلَيْهِ.
الاثار
1- قال عمر رضي الله عنه: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) " حلية الأولياء.
2- قال ابن مسعود رضي الله عنه: " إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ ليأخذ حقه، قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيراً " تفسير ابن كثير.
3- قال الحسن البصري: " إنما الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط بينهما، ونحن أضغاث أحلام من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر. من نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل. من حلم غنم، ومن خاف سلم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، ومن علم عمل. فإذا زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمسك، واعلم أن أفضل الأعمال ما أكرهت النفوس عليه ".
4- يقول رحمه الله: " إن المؤمن -والله- ما تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي ما أردت بحديثي، وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاقب نفسه " تفسير ابن كثير.
5- يقول رحمه الله: " يا ابن آدم! بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان: أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك؛ فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك؛ فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً، وقد عدَل والله من جعلكَ حسيبَ نفسك " تفسير ابن كثير.
6- سئل الإمام أحمد رحمه الله: متى يجد المؤمن طعم الراحة؟ قال: " عند أول قدم يضعها العبد في الجنة " طبقات الحنابلة.
7- قال ابن الجوزي: " يا مُطالباً بأعماله، يا مسئولاً عن أفعاله، يا مكتوباً عليه جميع أقواله، يا مناقشاً على كل أحواله، نسيانك لهذا أمر عجيب ".
8- وقال أيضاً: " يُجمع الناس كلهم في صعيد، وينقسمون إلى شقي وسعيد؛ فقوم قد حلّ بهم الوعيد، وقوم قيامتهم نزهة وعيد، وكل عامل يغترف من مشربه ".
9- قال بلال بن سعد: " عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من أعمالكم تقبلت منكم أو شيئاً من خطاياكم غفرت لكم والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم من العبادة، وتنافسون في جنة (أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار) " البداية والنهاية.
10- يقول الغزالي: " ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاهاً من غير ترجمان؛ فتسأل عن القليل والكثير، والنقير والقطمير، فبينما أنت في كرب القيامة، وعرقها، وشدة عظائمها - إذ نزلت ملائكة من أرجاء السماء بأجسام عظام، وأشخاص ضخام، غلاظ شداد، أمروا أن يأخذوا بنواصي المجرمين إلى موقف العرض على الجبار.
ثم تقبل الملائكة فينادون واحداً يا فلان بن فلان هلم إلى الموقف، وعند ذلك ترتعد الفرائص، وتضطرب الجوارح، وتبهت العقول، ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار، فتوهم نفسك يا مسكين وقد أخذت الملائكة بعضديك وأنت واقف بين يدي الله تعالى يسألك شفاهاً؛ فكيف ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك؛ فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه وبأي لسان تجيب وبأي قلب تعقل وما تقول؟ " إحياء علوم الدين.
11- وقال أيضاً: " ولا يسلم من أهوال يوم القيامة إلا من أطال فكره في الدنيا؛ فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد؛ فمن خاف هذه الأهوال في الدنيا أمنها في الآخرة ولست أعني بالخوف رقة كرقة النساء تدمع عينيك ويرق قلبك حال الموعظة، ثم تنساه على القرب، وتعود إلى لهوك ولعبك، فما هذا من الخوف في شيء؛ فمن خاف شيئاً هرب منه، ومن رجا شيئا طلبه؛ فلا ينجيك إلا خوف يمنعك من المعاصي ويحثك على الطاعة، وأبعد من رقة النساء خوف الحمقى إذا سمعوا الأهوال سبق إلى ألسنتهم الاستعاذة فقال أحدهم: استعنت بالله اللهم سلم سلم، وهم مع ذلك مصرون على المعاصي التي هي سبب هلاكهم، فالشيطان يضحك من استعاذته كما يضحك على من يقصده سبع ضار في صحراء ووراءه حصن فإذا رأى أنياب السبع وصرلته من بعد قال بلسانه: أعوذ بهذا الحصن الحصين، وأستعين بشدة بنيانه وإحكام أركانه، فيقول ذلك بلسانه وهو قاعد في مكانه فأنى يغني عنه ذلك من السبع، وكذلك أهوال الآخرة ليس لها حصن إلا قول: لا إله إلا الله صادقاً ومعنى صدقه أن لا يكون له مقصود سوى الله تعالى ولا معبود غيره " إحياء علوم الدين.
القصص
1- نظر أبو بكر رضي الله عنه إلى طير وقع على شجرة فقال: " ما أنعمك يا طير، تأكل وتشرب وليس عليك حساب وتطير ليتني كنت مثلك ".
2- كان رضي الله عنه كثير البكاء وكان يمسك لسانه ويقول: " هذا الذي أوردني الموارد ".
3- قال عمر بن الخطاب لابنه عبد الله وهو في الموت: " ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني ثم قال: بل ويل أمي إن لم يغفر لي ويل أمي إن لم يغفر لي ".
4- وأخذ رضي الله عنه مرة تبنة من الأرض فقال: " ليتني هذه التبنة ليتني لم أكن شيئاً، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت منسياً ".
5- كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على القبر يبكي حتى يبل لحيته وقال: " لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصيرُ ".
6- هذا أبو عبيدة رضي الله عنه يقول عن نفسه: " وددت أني كنت كبشاً فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويشربون مرقي ".
7- هذا علي رضي الله عنه كما وصفه ضرار بن ضمرة الكناني لمعاوية يقول: كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، ويتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضا على لحيته يضطرب ويتقلب تقلب الملسوع ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه يقول للدنيا: إلي تعرضت، إلي تشوفت، هيهات هيهات غري غيري قد طلقتك ثلاثا فعمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك يسير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية رضي الله عنه على لحيته ما يملكها وجعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء وهو يقول: هكذا والله كان أبو الحسن.
8- كان شداد بن أوس رضي الله عنه إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم ويقول: الله إن النار أذهبت مني النوم فيقوم يصلي حتى يصبح.
9- كان منصور بن المعتمر كثير الخوف والوجل كثير البكاء من خشية الله قال عنه زائدة بن قدامة: إذا رأيته قلت: هذا رجل أصيب بمصيبة ولقد قالت له أمه: ما هذا الذي تصنع بنفسك تبكى عامة الليل، لا تكاد أن تسكت لعلك يا بنيّ أصبت نفساً، أو قتلت قتيلا؟ فقال: يا أمه أنا أعلم بما صنعتْ نفسي.
10- لما احتضر عمر بن قيس، الملائي بكى فقال له أصحابه: على ما تبكي من الدنيا فوالله لقد كنت غضيض العيش أيام حياتك فقال: والله ما أبكي على الدنيا وإنما أبكي خوفا من أن أحرم الآخرة.
11- قال الحسن البصري: " لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى - لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم ".
12- قيل لعمر بن عبد العزيز: ما بدءُ إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال: يا عمر! اذكر ليلةً صبيحتُها يومُ القيامة.
13- كان الأحنف رضي الله عنه: يجيء إلى المصباح بالليل، فيضع إصبعه فيه ثم يقول: " حس، حس ثم يقول يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا وكذا يحاسب نفسه ".
الاشعار
وَيَوْمَ مَوْعِدِهِمْ أَنْ يَخْرُجُـوا زُمَـرًا *** يَوْمَ التَّغَابُنِ إِذَا لا يَنْفَـعُ الْحَـذَرُ
وَحُوسِبُوا بِالَّذِي لَمْ يُحْصِـهِ أَحَـدٌ *** مِنْهُمْ وَفِي مِثْلِ ذَاكَ الْيَـوْمِ مُعْتَبَرُ
فَمِنْـهُـمُ فَـرِحٌ رَاضٍ بِمَبْعَـثِـهِ *** وَآخَرُونَ عَصَوا مَأوَاهُـمُ سَقَـرُ
[أمية بن أبي الصلت]

وَكُـلُّ امْرِئٍ يَوْمُـا سَيَعْلَمُ سَعْيَـهُ *** إِذَا كُشِفَتْ عِنْدَ الإِلَهِ الْمَحَاصِـلُ
[لبيد بن ربيعة]

وَلَـو أَنَّـا إِذَا مُتْـنَـا تُرِكْـنَـا *** لَكَـانَ الْمَـوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَـكِنَّـا إِذَا مُتْـنَـا بُعِـثْـنَـا *** وَنُسْـألُ بَعْـدُ عَنْ كُلِّ شـيءِ
[علي بن أبي طالب]

كَيْفَ يَبْكِـي لِمَحْبِسٍ فِي طُلُـولٍ *** مَنْ سَيُفْضِي لِحَبْسِ يَوْمٍ طَوِيـلِ
إِنَّ في الْبَعْـثِ والحِسَـابِ لَـشُغْلاً *** عَنْ وُقُوفٍ بِرَسْـمِ دَارِ مُحِيـلِ
[بشار بن برد]

إِنَّ فِي الْمَوْتِ وَالـمَعَـادِ لَشُغْـلاً *** وَادِّكَارًا لِذِي النُّهَـى وَبَـلاغًـا
فَاغْتَنِمْ خُطَّتَيْـنِ قَـبْـلَ الْمَنَـايَـا *** صِحَّةَ الْجِسْمِ يَا أَخِي وَالْفَرَاغَـا
[أبو محمد عبد الحق الإشبيلي]

أَمَـا وَاللهِ لَـوْ عَـلِـمَ الأَنَـامُ *** لِمَـا خُلِقُوا لَمَا هَجَعوا وَنَامُـوا
لَقَدْ خُلِـقُـوا لأَمْـرٍ لَـوْ رَأَتْـهُ *** عُيُونُ قُلُوبِهِـمْ تاهُـوا وَهَامُـوا
مَمَاتٌ ثُـمَّ قَـبْـرٌ ثُـمَّ حَشْـرٌ *** وَتَـوْبِيـخٌ وَأَهْـوَال عِـظَـامُ
لِيَوْمِ الْحَشْـرِ قَـدْ عَلِمَتْ رِجَالٌ *** فَصَلَّـوا مِنْ مَخَافَتِهِ وَصَـامُـوا
[.........]

أَيْنَ نُـمْـرودُ وَكَنْـعَـانُ وَمَـنْ *** مَلَـكَ الأَمْـرَ وَوَلَّـى وَعَـزَلْ
أَيْنَ مَـنْ سَـادُوا وَشَـادُوا وَبَنَوا *** هَلَك الْكُـلُّ وَلَمْ تُغْـنِ الْقُلَـلْ
أَيْنَ أَرْبَابُ الـحِجَى أَهْـلُ النُّهَـى *** أَيْنَ أَهْـلُ الْعِلْـمِ وَاْلقَـوْمُ الأُوَلْ
سَـيُعـيِـدُ اللهُ كُـلاًّ مِـنْـهُمُ *** وَسَيَجْـزِي فَـاعِلاً مَا قَـدْ فَعَلْ
[عمر بن الوردي]

فَيَـا لَيْتَنِي مِـنْ بَعْدِ مَوْتِي وَمَبْعَثِي *** أَكُـونُ رُفَاتًـا لا عَلَـيَّ وَلا لِيَا
[أبو تَمَّام]

هُوَ المَوْتُ لا مَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ والذي *** نُحَـاذِرُ بَعْدَ المَوْتِ أَدْهَى وَأَفْظَعُ
[..........]

يَوْمُ الْقِيَـامَـةِ لا مَـالٌ وَلا وَلَـدٌ *** وَضَمَّـةُ الْقَبْـرِ تُنْسِي لَيْلَةَ الْعُرْسِ
[الشافعي]

وَالْبَعْثُ بَعْدَ الـمَوْتِ وَعْـدٌ صَادِقٌ *** بِإِعَـادَةِ الأَرْوَاحِ فـي الأَبْـدَانِ
[عبد الله بن محمد الأندلسي]

إِنَّ يَـوْمَ الـحِسَابِ يَـوْمٌ عَظِيـمٌ *** شَابَ فِيهِ الصَّغِيـرُ شَيْبًا طَويـلاً
[أمية بن أبي الصلت]

وَاذْكُرْ مُنَاقَشَـةَ الـحِسَابِ فَإِنَّـهُ *** لا بُدَّ يُحْصَى مَـا جَنَيْتَ ويُكْتَبُ
لَمْ يَنْسَـهُ الْمَلَكَـانِ حِينَ نَسِيتَـهُ *** بَـلْ أثْبَـتَـاهُ وَأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ
[........]

باب ذِكْرِ الصِّراطِ
أَمَـامِـي مَوْقِـفٌ قُـدَّامَ رَبِّـي *** يُسَـائِلُنِي وَيَنْكَشِـفُ الْغِطَـاءُ
وَحَسْبِـي أَنَّ أَمُـرَّ عَلَى صِـرَاطٍ *** كَحَـدِّ السَّيْفِ أَسْفَلُـهُ لَظَـاءُ
[..........]

عَلَيْهَـا صِرَاطٌ مُدْحَـضٌ وَمَزَلَّـةٌ *** عَلَيْـهِ الْبَرَايَا فِي القِيَامَةِ تُحْمَـلُ
وَفِيهِ كَـلالِيبٌ تَعَـلَّـقُ بِالْـوَرَى *** فَهَذا نَجَا مِنْهَـا وَهَذَا مُخَـرْدَلُ
فـلا مُذْنِبٌ يَفْديهِ مَـا يَفْتَدِي بِهِ *** وَإِنْ يَعْتَذِرْ يَوْمًا فَـلا الْعُذْرُ يُقْبَلُ
فَهَـذَا جَزَاءُ الْمُجْرِمِيْنَ عَلَى الرَّدَى *** وَهَذَا الَّذِي يَوْمَ الْقِيَـامَةِ يَحْصُلُ
[..........]

يوم القيامة لو علمت بهوله *** لفررت من أهل ومن أوطان
يوم تشققت السماء لهوله *** وتشيب فيه مفارق الولدان
يوم عبوس قمطرير شره *** في الخلق منتشر عظيم الشان
[القحطاني]
الدراسات
- أثبتت دراسة حديثة أن خلو الإنسان بنفسه كي يتأمل عالمه الداخلي ويتعبد ويحاسب نفسه على أخطائها يزيده صقلاً وصفاء.
الحكم
1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ويقرن بين أصابعه السبابة والوسطى.
2- من حكم علي بن أبي طلب رضي الله عنه: " لا تكون بما نلته من دنياك فرحاً، ولا لما فاتك منها ترحاً، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل ".
3- قليل الدنيا يشغل عن كثير من الآخرة.
4- ما عندكم ينفد، وما عند الله باق.
5- شر الندامة يوم القيامة.
6- اعمل لآخرتك وانسَ حقد دنياك.
7- من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر.
متفرقات

1- يوم القيامة يوم عظيم أمره ، شديد هوله ، لا يلاقي العباد مثله ، ويدل على عظم هوله أمور :



الأول : وصفُ الله لذلك اليوم بالعظم ، وحسبنا أن ربنا وصفه بذلك ، ليكون أعظم مما نتصور ، وأكبر مما نتخيل ( أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ - يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ المطففين : 4-6 ] ، ووصفه في موضع آخر بالثقل ، وفي موضع ثالث بالعسر ، ( إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ) [الدهر : 27] ، ( فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ) [ المدثر : 9-10 ] .



الثاني : الرعب والفزع الذي يصيب العباد في ذلك اليوم ، فالمرضع التي تفدي وليدها بنفسها تذهل عنه في ذلك اليوم ، والحامل تسقط حملها ، والناس يكون حالهم كحال السكارى الذين فقدوا عقولهم ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) [ الحج : 1-2 ] . ولشدة الهول تشخص أبصار الظلمة في ذلك اليوم ، فلا تطرف لشدة الرعب ، ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً ، ولشدة الخوف تصبح أفئدتهم خالية لا تعي شيئاً ولا تعقل شيئاً ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ) [إبراهيم : 42-43] . وترتفع قلوب الظالمين لشدة الهول إلى حناجرهم ، فلا تخرج ، ولا تستقر في مكانها ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ) [ غافر : 18 ] . ومعنى كاظمين، أي : ساكتين لا يتكلمون . ووصف في موضع آخر ما يصيب القلوب والأبصار في ذلك اليوم فقال : ( يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) [ النور : 37 ] ، وقال : ( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ - أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ) [ النازعات : 8-9 ] .



وحسبك أن تعلم أن الوليد الذي لم يرتكب جرماً يشيب شعر رأسه لشدة ما يرى من أهوال ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا - السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ) [ المزمل : 17-18 ]، [يوم القيامة (1/62، 63) ] .



الثالث : انقطاع علائق الأنساب في يوم القيامة ، كما قال تعالى : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ ) [ المؤمنون : 101 ] ، فكل إنسان في ذلك اليوم يهتم بنفسه ، ولا يلتفت إلى غيره ، بل إن الإنسان يفر من أحب الناس إليه ، يفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبَنيه ، كما قال تعالى : ( فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ - يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) [عبس : 33-37] . وقال في موضع آخر : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) [ لقمان : 33 ] ، وقال : ( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) [ البقرة : 48 ] .



الرابع : استعداد الكفار في يوم الدين لبذل كل شيء في سبيل الخلاص من العذاب، فلو كانوا يملكون ما في الأرض لافتدوا به ( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ) [ يونس : 54 ] . بل لو كان للكافر ضعف ما في الأرض لافتدى به ( وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ ) [ الرعد : 18 ] ، بل هو على استعداد أن يبذل ما عنده ولو كان ملء الأرض ذهباً ، وعلى احتمال أن كان الأمر كذلك ، فإن الله لا يقبل منه ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ) [ آل عمران : 91 ] .



وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : « يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم . فيقال له : قد كنت سألتك ما هو أيسر من ذلك » [صحيح البخاري ، كتاب الرقاق ، باب من نوقش الحساب عذب ، فتح الباري : (11/400) ] .



ويصل الحال بالكافر في ذلك اليوم أن يتمنى لو دفع بأعز الناس عنده في النار لينجو هو من العذاب ( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ - وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ - وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ - كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ) [ المعارج : 11-15 ] .



الخامس : ويدلك على هول ذلك اليوم وشدته :طوله ، قال تعالى : ( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ - فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا - إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [ المعارج : 4-7 ] .



 



2- قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ ) [ يونس : 45 ] : يقول تعالى مذكراً للناس قيام الساعة ويحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ.. ) . كقوله : ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) [النازعات : 46] .



وقال تعالى : ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ) [ طه : 104 ] ، وقال تعالى : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ) [ الروم : 55 ] ، وهذا دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة ، كقوله : ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ - قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [المؤمنون : 112- 114] [تفسير ابن كثير : (3/505) ] .



 



3- قال القرطبي : روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ »: ( إذا الشمس كورت ) [ التكوير : 1 ] ، ( إذا السماء انفطرت ) [ الانفطار : 1 ] ، ( إذا السماء انشقت ) [الانشقاق : 1] قال : هذا حديث حسن [يوم القيامة (1/71) ] .



 



4- يقول الشيخ ابن جبرين: من الأهوال التي تكون في يوم القيامة: نصب الميزان، وتطاير الصحف، فإن الناس يأتيهم الهول عندما تنصب الموازين، حتى يعلم: هل يخف ميزانه أم يثقل؟! وعندما تتطاير الصحف، حتى يعلم: هل يأخذ كتابه بيمينه، أم يأخذه بشماله؟! فإذا ثقلت موازينه نودي: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإذا أوتي كتابه بيمينه كذلك يفوز فوزاً عظيماً، ويقرأ كتابه ويعرضه على من يعرفه، ويقول: (هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) [الحاقة:19] ، وكل ذلك مفصل في القرآن بعبارات واضحة لا يعتريها شيء من الشك والريب، ولكن الفلاسفة الذين ينكرون هذه الأشياء حقيقة يتسلطون على تأويلها وصرفها عن ظاهرها؛ حتى تسلم لهم عقيدتهم، كما تسلط إخوانهم من المعتزلة على نصوص الصفات فتأولوها، ففتحوا للناس باب التأويل [شرح العقيدةالطحاوية (64/5) ] .



 



5- قال علي بن نايف الشحود : كان الصحابة يخافون الله تعالى ويخشونه ويرجونه، وكانت لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم أثر في نفوسهم عظيم، وكان المنهج القرآني الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل الأفاعيل في نفوس الصحابة؛ لأن القرآن الكريم وصف أهوال يوم القيامة ومعالمها, من قبض الأرض ودكها، وطي السماء، ونسف الجبال، وتفجير البحار وتسجيرها، وموران السماء وانفطارها, وتكوير الشمس, وخسوف القمر, وتناثر النجوم، وصَّور القرآن الكريم حال الكفار وذلتهم وهوانهم وحسرتهم ويأسهم وإحباط أعمالهم، وتحدث القرآن الكريم عن حشر الكفار إلى النار، ومرور المؤمنين على الصراط، وخلاص المؤمنين من المنافقين وكان لهذا الحديث أثره العظيم في نفوس الصحابة، وصور القرآن الكريم ألوان العذاب في النار فأصبح الرعيل الأول يراها رأي العين [موسوعة البحوث والمقالات العلمية جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة حوالي خمسة آلاف وتسعمائة مقال وبحث علي بن نايف الشحود] .

الإحالات

1- نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم المؤلف : عدد من المختصين بإشراف الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي الناشر : دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة الطبعة : الرابعة (1/701) .



2- أشراط الساعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار المؤلف : عبد الملك بن حبيب الأندلسي المتوفى : 238 هـ المحقق : عبد الله عبد المؤمن الغماري الحسني الناشر : أضواء السلف الطبعة : الأولى ، 2005 م (2/108) .



3- الأربعون النووية اختيار الحافظ: يحيى بن شرف النووي مع زيادات الحافظ: ابن رجب الحنبلي إعداد: عبد العزيز الداخل (1/70) .



4- الإيمانُ بيومِ القِيامةِ وأهوالِهِ جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود حقوق الطبع متاحة لجميع الهيئات العلمية والخيرية .



5- بشريات السلامة من أهوال القيامة جمع وترتيب: جميلة المصري مراجعة وتقديم : فضيلة الشيخ أحمد المحلاوي الطبعة الأولى 1429هـ/2008 م دار البيان للنشر والتوزيع .



6- مواقف يوم القيامة تأليف السيد الجميلي www.geocities.com/moujahedmouslem شبكة مجاهد مسلم بنت الجنوب فاطمة .



7- تأخير الظلامة إلى يوم القيامة المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ) المحقق: أبو المنذر المنياوي الناشر: مخطوط ينشر لأول مرة بالمكتبة الشاملة، 1434 هـ .



8- العظمة المؤلف : عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني أبو محمد الناشر : دار العاصمة – الرياض الطبعة الأولى ، 1408 تحقيق : رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري (4/1167) .



9- مباحث في العقيدة تأليف: فضيلة الدكتور/ أ. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار الأستاذ بجامعة القصيم (3/33) .



10- التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور المؤلف : محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ) الناشر : مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان الطبعة : الأولى، 1420هـ/2000م (5/257) .



11- التفسير المنير فى العقيدة والشريعة والمنهج المؤلف : وهبة بن مصطفى الزحيلى الموضوع : فقهى و تحليلى القرن الخامس عشر الناشر : دار الفكر المعاصر مكان الطبع : بيروت دمشق سنة الطبع : 1418 ق (3/105) .

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات