طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

  • 371 /
  • 6 /
  • 0
392

عذر بالجهل

1438/10/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
التعريف

الجهل له معانٍ :



منها: خلو النفس من العلم ، بمعنى أنك لا تعلم هذا الشيء أصلاً، كمن يسأل عن شيء فيقول: لا أدري، فهو جاهل به، لأنه خال من علمه وهو ما يسميه المناطقة بالجهل البسيط ، وهذا النوع من الجهل هو الذي تعرفه العامة ، إذ هو المشهور بينهم . ومنها : فهم الشيء على غير وجهه ، فإذا فهم الإنسان قولاً أو فعلاً على غير مراد صاحبه فهو جاهل به ، لكن هذا الجهل إنما ينصب على فهم المعنى لا الألفاظ ، ذلك أن اللفظ قد بلغه لكنه لم يفهم معناه الفهم الذي يقصده صاحبه ، وهو الذي يسميه المناقطة بالجهل المركب. ويقول فيه الأصوليون : هو اعتقاد الشيء على غير ما هو عليه .



والجهل ليس صفة ذاتية لازمة للإنسان ، بل هو من العوارض التي تذهب بزوال أسبابها ، فالجهل بالشيء يذهب ويزول إذا تعلمه الإنسان ، إذا علم هذا فليعلم أن الله تعالى قد أمرنا برفع الجهل ، وذلك في قوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )



والأمر للوجوب فيما علمه واجب ، وللاستحباب فيما علمه مستحب .



أما ضابط العذر بالجهل فهو مراعاة القدرة على رفعه من عدمها ، فالجهل الذي يشق الاحتراز منه ولا يتمكن المكلف من رفعه هو الذي يعد عذرًا من الأعذار الشرعية ، أما الجهل الذي يتمكن المكلف من رفعه بيسر وسهوله لكنه فرط وأهمل فإنه لا يعذر عذرًا في الشريعة ، ومن صور الجهل الذي يشق الاحتراز منه ولا يتمكن المكلف من رفعه كالذي أسلم في دار الحرب ولا يستطيع الهجرة منها لعذرٍ من الأعذار ، فإنه إذا ترك مأمورًا أو فعل محظورًا في هذه الحالة وادعى أنه كان جاهلاً بوجوب هذا أو حرمة هذا ، فإنه يقبل منه ذلك ؛ لأن دار الحرب غالبًا لا يظهر فيها علم أهل الإسلام ، بل هي خالية من أحاد المسلمين غالبًا فضلاً عن العلماء وطلاب العلم ، فالجهل فيها مما لا يمكن المكلف رفعه ، ورفع الجهل واجب على المكلف في حكم هو واجب عليه ، والواجبات تسقط بالعجز عنها كما هو مقرر في القواعد ، وهو عاجز عن رفع الجهل فيسقط عنه ؛ لأنه لا واجب مع العجز ، وهذه الصورة من النوع الأول من أنواع الجهل وهو خلو النفس عن العلم .



 



ومنها : من نشأ ببادية بعيدة عن العلم والعلماء ولا يمكنه الاتصال بهم ، ففعل محظورًا أو ترك مأمورًا وادعى أنه كان جاهلاً بذلك ، فهو معذور بهذا الجهل ؛ لأنه في هذه الحالة لا يقدر على رفع الجهل عن نفسه ولا واجب مع العجز ، فالجهل في البوادي البعيدة هو مما يشق التحرز منه أي أن التحرز من وقوع الجهل في هذه الأماكن من الأمور الشاقة جدًا ، وهذه الصورة أيضًا من النوع الأول وهو خلو النفس عن العلم ، ويمثل لذلك بحال الأعرابي الذي بال في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والأعرابي الذي جاء بزق خمرٍ فأهداه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبجهل من هاجر إلى الحبشة بزيادة صلاة الحضر فإنهم لم يعلموا بذلك إلا بعد مدة ومثلها عدم علمهم بنسخ القبلة وهم معذورون في ذلك لبعدهم عن دار العلم ، وكذلك حديث خلاد بن رافع فإنه ليس من أهل المدينة وإنما من الأعراب فعذر بجهله السابق؛ لأنه كان في دارٍ بعيدة ، ونحو ذلك.



ومنها : حداثة الإسلام ، فإن من أسلم حديثًا يغلب عليه طابع الجهل ببعض الأحكام الشرعية سواءً العقدية أو الفقهية ، فجهله هذا يكون عذرًا مانعًا من انطباق حكم فعله عليه ، وعلى ذلك حديث أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - والشاهد منه قوله : ( ونحن حدثاء عهدٍ بكفرٍ ) أي لا زلنا بعد لم نتفقه ولم نتعلم ولم تذهب منا عادات قومنا زمن الكفر ، وذلك لحداثة الإسلام ، وهذا يكون فيمن أسلم حديثًا سواءً في دار الإسلام أو في دار الكفر أوضح ، لكن حتى الكافر في دار الإسلام قد لا يعرف كثيرًا من أحكام الإسلام لعدم اهتمامه بها واشتغاله بغيرها ، فجهل حديث الإسلام ببعض شرائعه يشق الاحتراز منه إذ من الصعب جدًا أن تعلم الكافر قبل أن يسلم جميع الشرائع حتى لا يدخل في الإسلام إلا على بصيرة ، وإنما الواجب هو النطق بالشهادتين أولاً وإن لم يك عالمًا بمعناهما عرف معناهما ، وهذه الصورة أيضًا هي من النوع الأول ، وهو خلو النفس عن العلم ، والله ربنا أعلم .



ومنها : من نشأ في بلدةٍ من بلاد الإسلام لكن يغلب عليها البدعة كبدعة الصوفية بطرقها الضالة ، أو القبورية ، والكلمة فيها لعلماء السوء الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل ، وكبلاد الشيعة التي لا تكاد فيها تجد للسنة طريقًا ولا كلمة ولا راية ، ولا طريق للعلم الصحيح لبعده عن بلاد أهل السنة أو لاعتقاده صواب نفسه ، فهذا معذور - إن شاء الله تعالى - حتى تقام عليه الحجة الرسالية ؛ لأنه جاهل جهلاً لا يتمكن من رفعه عن نفسه ، ولأن الجهل في هذه الأماكن مما يشق التحرز منه .



فهذه بعض الصور التي يذكرها العلماء في الجهل الذي يعذر به صاحبه ويجمعها قولنا : كل جهل يشق الاحتراز منه ولا يتمكن المكلف من رفعه فيعذر به في ترك المأمور أو فعل المحظور وما لا فلا والخلاصة:



 



الأول : أن الأدلة دلت على أن من جملة الأعذار الشرعية الجهل .



الثاني : أن الجهل الذي يعذر به صاحبه هو الذي لا يقدر على رفعه ويكون مما يشق التحرز منه .



الثالث : أن العذر بالجهل متوافق مع روح الشريعة في رفع الحرج وإرادة التخفيف والتيسير على المكلفين ، والله ربنا أعلى وأعلم . الرابع : حيث تقرر أن الجهل عذر فهو عذر عام في كل المسائل أي العلمية والعملية ، والله أعلم .[القول الرشيد في سرد فوائد التوحيد القسم الأول تأليف الشيخ : وليد بن راشد بن سعيدان (1/56-64) بتصرف يسير] .


العناصر

1- مشروعية العذر بالجهل من حيث المبدأ .



2- أهمية موضوع العذر بالجهل من جهة ما يترتب عليه من أحكام ونتائج وتبعات على حياة الناس .



3- الحالات التي لا يعذر معها بالجهل .



4- صفة قيام الحجة وبما تقوم ووقت قيامها .



5- قيام الحجة غير فقهها والتزامها .



6- بيان أن التكفير المطلق العام لا يستلزم دائماً تكفير المعين لاحتمال وجود موانع التكفير وانتفاء لوازمه .



7- صفة الكافر الجاهل الذي يُعذر بالجهل .



8- شاتم الله والرسول، هل يُعذر بالجهل؟



9- العذر بالجهل من القضايا العملية وليست من قضايا العقيدة .



10- حكم من لم تبلغهم الدعوة .

الايات

1- قال الله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286 ] .



 



2- قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [الإسراء:15] .



 



3- قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) [النساء:165] .



 



4- قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) [طه:134] .



 



5- قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) [الأنعام:131] .



 



6- قوله تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) [الملك: 9] .



 



7- قوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [الزمر:71] .



 



8- قوله تعالى: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ. قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) [قّ: 28] .



 



9- قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ . قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) [غافر:49-50] .



 



10- قوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ) [الأنعام: 19] .

الاحاديث

1- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر » [الإيمان لابن تيمية (1/133) وقال الألباني صحيح] .



 



2- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له » [صحيح مسلم (2756) ] .



 



3- عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أنه قال: « أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله عز وجل لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، وساقيها، ومُسقيها » [مسند أحمد وقال شعيب الأرناؤوط صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن].



 



4- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تلعنوه فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله» [صحيح البخاري (6780) ] .



 



5- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أغير من الله و لذلك حرم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و لا أحد أحب إليه المدح من الله و لذلك مدح نفسه و لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب و أرسل الرسل» [قال الألباني رواه الحاكم والبيهقي والترمذي وقال: ( صحيح ) انظر حديث رقم : 7165 في صحيح الجامع ] .



 



6- عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب. حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقي في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها» فقال له صلة: ما تغنى عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثاً [رواه ابن ماجه (كتاب الفتن) رقم 4049 والحاكم (4/473)، (كتاب الفتن والملاحم) وقال صحيح على شرط مسلم، ورواية الحاكم ليس فيها ذكر الصلاة، وقال البوصيرى في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 87، وصحيح ابن ماجه 2/378] .



 



7- عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر وكانوا أسلموا يوم الفتح قال: فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط وكان للكفار سدرة يعفكون حولها ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط فلما قلنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: « الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) لتركبن سنن من كان قبلكم» [رواه أحمد 5/218 (بطريقين) والترمذي كتاب الفتن 4/474، وقال حسن صحيح، والطيالسي (1346) وعبد الرزاق (20763) والحميدي (848) وابن جرير الطبري في التفسير 9/31، 32، وابن عاصم في السنة (76) (واللفظ له) وقال الألباني إسناده حسن] .

متفرقات

1- قال ابن تيميه في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: «قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له »: فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك [مجموع الفتاوى: 13/ 331] . ويقول ابن قتيبة: عن هذا الحديث: وهذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري في الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه جهله بهذه الصفة من صفاته [تأويل مختلف الحديث (ص 136) ت: محمد الأصفر] .



 



2- قال ابن تيميه رحمه الله في قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي كان يشرب الخمر ولعنه بعض القوم «لا تلعنه إنه يحب الله ورسوله»: فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لعن في الخمر عشرة. ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق. ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط وانتفاء موانع ... وقال: وموانع لحوق الوعيد متعددة منها: التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية للسيئات، ومنها بلاء الدنيا ومصائبها، ومنها شفاعة شفيع مطاع، ومنها رحمة أرحم الراحمين[الفتاوى: 10/ 329].



 



3- قال ابن تيميه: إن العذر لا يكون عذراً إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق، فقصر فيه، لم يكن معذوراً [رفع الملام: ص114] .



 



4- قال ابن كثير: إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه .. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله - عز وجل - لا يدخل النار أحداً إلا بعد إرسال الرسول إليه [تفسير ابن كثير (3/31) ] .



 



5- قال الشوكاني في تأويل قوله تعالى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) [الأنعام:131]: المعنى أن الله أرسل الرسل إلى عباده لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من القرى، والحال أنهم غافلون عن الإعذار والإنذار بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم ، وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم [فتح القدير: 2/163].



 



6- يقول محمد بن صالح بن عثيمين الجهل نوعان: جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئاً عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئاً عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام فإنه يعذر فيه فإن كان منتسباً إلى الإسلام، لم يضره، وإن كان منتسباً إلى الكفر، فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، يمتحن، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار. فعلى هذا من نشأ ببادية بعيد ليس عنده علماء ولم يخطر بباله أن هذا الشيء حرام، أو أن هذا الشيء واجب، فهذا يعذر، وله أمثلة: منها: رجل بلغ وهو صغير وهو في بادية ليس عنده عالم، ولم يسمع عن العلم شيئاً، ويظن أن الإنسان لا تجب عليه العبادات إلا إذا بلغ خمس عشرة سنة، فبقي بعد بلوغه حتى تم له خمس عشرة سنة وهو لا يصوم ولا يصلي ولا يتطهر من جنابه، فهذا لا نأمره بالقضاء لأنه معذور بجهله الذي لم يفرط فيه بالتعلم ولم يطرأ له على بال، وكذلك لو كانت أنثى أتاها الحيض وهي صغيرة وليس عندها من تسأل ولم يطرأ على بالها أن هذا الشيء واجب إلا إذا تم لها خمس عشرة سنة، فإنها تعذر إذا كانت لا تصوم ولا تصلي. وأما من كان بالعكس كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل، لكن عنده تهاون وغفلة، فهذا لا يعذر، لأن الغالب في المدن أن هذه الأحكام لا تخفى عليه، ويوجد فيها علماء يستطيع أن يسألهم بكل سهولة، فهو مفرط، فيلزمه القضاء ولا يعذر بالجهل. [القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين (1/ 204)] .



 



7- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فكون الشيء معلوماً من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية، فضلاً عن كونه يعلمه بالضرورة، وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي- صلى الله عليه وسلم -سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة [مجموع الفتاوي (13/ 118) وانظر (19/ 211) منهاج السنة (5/ 87 - 95) مختصر الصواعق المرسلة (ص: 613) ] .



 



8- يقول ابن تيمية: إن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة، لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ، كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة [بغية المرتاد (ص: 311) ] . ويقول أيضاً: لا يكفر العلماء من استحل شيئاً من المحرمات لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك [مجموع الفتاوى (28/ 501) وانظر (11/ 407) ] .



 



9- يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: إن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة [مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (3/ 11) الفتاوى، وانظر الفتاوى (4/ 54، 12/ 180) لابن تيمية, وانظر تعليق الشيخ محمد رشيد رضا في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (4/ 517) وانظر مجموع فتاوى ابن باز (4/ 26، 27) ] . ويقول في موضع آخر: إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر، فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة [الدرر السنية (8/ 244) , وانظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/ 73، 74) ] .



 



10- قال الإمام ابن القيم رحمه الله في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضاً من فرائض الإسلام: ... . و أما من جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً [مدارج السالكين 1/367] .

الإحالات

1- صغوة المفاهيم من ميراث سيد المرسلين - على الهزاع ص 16 مكتبة المنار – الكويت الطبعة الأولى 1407 .



2- العذر بالجهل - شريف هزاع مكتبة ابن تيمية .



3- العذر بالجهل والرد علي بدعة التكفير - أحمد فريد .



4- الكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل - عبد الله أبابطين مكتبة السلام .



5- المجموع الثمين من فتاوى الشيخ ابن العثيمين - فهد بن ناصر السليمان 3/5 دار الوطن للنشر الطبعة الأولى 1410 .



6- قاعدة مهمة في رحمة أهل السنة - ابن تيمية تحقيق خالد أبو صالح 6-10 , 36-51 الطبعة الأولى 1414 .



7- مجموع الفتاوى - ابن تيمية 11/406 الرئاسة العامة .



8- الموسوعة الفقهية 16/198 وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت الطبعة الثانية 1404 .

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات