طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||

ملتقى الخطباء

  • 304 /
  • 9 /
  • 0
366

عفو

1438/10/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
التعريف

العفو لغة:



مصدر قولهم عفا يعفو عفوا وهو مأخوذ من مادّة (ع ف و) الّتي تدلّ على معنيين أصليّين الأوّل: ترك الشّيء، والاخر طلبه، ومن المعنى الأوّل عفو اللّه تعالى عن خلقه، وذلك تركه إيّاهم فلا يعاقبهم، فضلا منه تعالى، قال الخليل: العفو تركك إنسانا استوجب عقوبة فعفوت عنه، واللّه سبحانه هو العفوّ الغفور، قال ابن فارس: وقد يكون أن يعفو عن الإنسان بمعنى التّرك، ولا يكون ذلك عن استحقاق، ألا ترى إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «عفوت عنكم عن صدقة الخيل» فليس العفو هاهنا عن استحقاق، ويكون معناه تركت أن أوجب عليكم الصّدقة (أي الزّكاة) في الخيل. وذهب الرّاغب إلى أنّ العفو له معنى واحد هو: القصد لتناول الشّيء، يقال من ذلك: عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده وعفت الرّيح الدّار أي قصدتها متناولة آثارها، ومن هذا أيضا العفو بمعنى التّجافي عن الذّنب، وقولهم عفوت عنه: قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه، فالمفعول في الحقيقة متروك (وهو الذّنب)، وقول اللّه تعالى (خُذِ الْعَفْوَ) [الأعراف: 199] أي ما يسهل قصده وتناوله، وقيل معناه: تعاطي العفو عن النّاس، وقولهم في الدّعاء: أسألك العفو والعافية أي ترك العقوبة والسّلامة. وقال الجوهريّ: يقال: عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه، والعفوّ على فعول: الكثير العفو، ويقال: عفوته أي أتيته أطلب معروفه، واعتفيته مثله، وعفو المال: ما يفضل عن الصّدقة، ويقال: أعفني من الخروج معك: أي دعني منه (وهذا راجع إلى معنى التّرك)، واستعفاه من الخروج أي سأله الإعفاء منه، والعافية دفاع اللّه عن العبد، وهي اسم وضع موضع المصدر: يقال: عافاه اللّه عافية.



وقال ابن الأثير: أصل العفو: المحو والطّمس، ومنه حديث أمّ سلمة، قلت لعثمان: لا تعف سبيلا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحبها. أي لا تطمسها، والعفو في حديث أبي بكر- رضي اللّه عنه- سلوا اللّه العفو والعافية والمعافاة. معناه: محو الذّنوب، وقال ابن منظور: وأمّا العافية فهي أن يعافيه اللّه تعالى من سقم أو بليّة، وهي: الصّحّة ضدّ المرض، يقال: عافاه اللّه وأعفاه أي وهب له العافية من العلل والبلايا، وأمّا المعافاة فأن يعافيك اللّه من النّاس ويعافيهم منك، أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك ويصرف أذاك عنهم، وقيل: هي مفاعلة من العفو وهو أن يعفو عن النّاس ويعفوا هم عنه [مقاييس اللغة (4/ 56- 61)، وكتاب العين للخليل بن أحمد (2/ 258)، والمفردات للراغب (340)، والصحاح (6/ 2433)، والنهاية 2/ 265، ولسان العرب (4/ 3020)- ط. دار المعارف] .



 



العفو اصطلاحا:



قال المناويّ: العفو: القصد لتناول الشّيء والتّجاوز عن الذّنب [التوقيف (243)] . وقال الكفويّ: العفو: كفّ الضّرر مع القدرة عليه، وكلّ من استحقّ عقوبة فتركها فهذا التّرك عفو [الكليات (53)، وانظر أيضا (598)] . وقال أيضا: العفو عن الذّنب يصحّ رجوعه إلى ترك ما يستحقّه المذنب من العقوبة، وإلى محو الذّنب، وإلى الإعراض عن المؤاخذة كما يعرض المرء عمّا يسهل على النّفس بذله [انظر الكليات للكفوي (632)] .


العناصر

1- فضل العفو وكظم الغيظ .


 


 


2- الفرق بين العفو والصفح .


 


 


3- الله سبحانه يحب العفو .


 


 


4- العفو والصفح ينقي القلب من الغيظ والحقد .


 


 


5- نماذج من عفو النبي صلى الله عليه وسلم .


 


 


6- العفو من صفات المتقين .


 


 


7- العفو من صفات الله تعالى .


 


 


8- الفرق بين العفو والعافية والمعافاة .


 


 


9- أهمية الإكثار من سؤال الله العفو والعافية .


 


 


10- العفو عند المقدرة شجاعة وقوة .


 

الايات
1- قَالَ الله تَعَالَى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ) [الأعراف:199].
2- قال تَعَالَى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [الحجر: 85].
3- قال تَعَالَى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ) [النور:22].
4- قال تَعَالَى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ) [آل عمران:134].
5- قال تَعَالَى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [الشورى:43].
الاحاديث
1- عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هَلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ: ( لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أشَدُّ مَا لَقيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْني إِلَى مَا أرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إِلاَّ وأنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا أنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبريلُ عليه السلام، فَنَادَاني، فَقَالَ: إنَّ الله تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأنا مَلَكُ الجِبال، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ). فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: (بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً) متفقٌ عَلَيْهِ.
( الأخْشَبَان): الجَبَلان المُحيطان بمكَّة. وَالأخشبُ: هُوَ الجبل الغليظ.
2- وعنها، قالت: مَا ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى. رواه مسلم.
3- عن أنس رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.
4- عن ابن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: كأني أنظر إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأنبياءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُه عَلَيْهِمْ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، ويقول: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) متفقٌ عَلَيْهِ.
5- عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (لَيْسَ الشَّديدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) متفقٌ عَلَيْهِ.
الاثار
1- قال عمر رضي الله عنه: " إن الله تعالى لا يَرحم من لا يَرحم، ولا يَغفر لمن لا يَغفر، ولا يتوب على من لا يتوب " الأدب المفرد.
2- وقال رضي الله عنه: " أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة " إحياء علوم الدين.
3- قال علي رضي الله عنه: " إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكراً للقدرة عليه " الإعجاز والإيجاز للثعالبي.
4- قال الفضيل بن عياض: " إذا أتاك رجلاً يشكو رجلاً، فقل: يا أخي اعف عنه؛ إن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله -عز وجل- فقل له: فإن كنت تحسن تنتصر بمثل، وإلا فارجع إلى باب العفو؛ فإنه باب واسع؛ فإنه من عفى وأصلح فأجره على الله؛ فصاحب العفو ينام الليل على فراشه، وصاحب الانتصار يقلب الأمور ".
5- قال المهلب: " ما شيء أبقى للملك من العفو، خير مناقب الملك العفو " سير أعلام النبلاء.
6- قال ابن القيم: " يا ابن آدم إن بينك وبين الله خطايا وذنوب لا يعلمها إلا هو، وإنك تحب أن يغفرها لك الله، فإذا أحببت أن يغفرها لك فاغفر أنت لعباده، وأن وأحببت أن يعفوها عنك فاعف أنت عن عباده، فإنما الجزاء من جنس العمل.. تعفو هنا يعفو هناك، تنتقم هنا ينتقم هناك، تطالب بالحق هنا يطالب بالحق هناك ".
7- وقال رحمه الله: " وما رأيت أحداً أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه.
وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له - فنهرني، وتنكَّر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه،ونحو هذا من الكلام، فسُرُّوا به، ودعو له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه ".
8- قال ابن حبان: " .. توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها " روضة العقلاء.
9- قال –تعالى-: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:19].
* قال عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- في هذه الآية: " أمر الله نبيَّهُ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس " رواه البخاري.
* وقال مجاهد: " يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل قبول الأعذار، والعفو، والمساهلة، وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم " تفسير الطبري.
القصص
1- قول النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة: " يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال صلى الله عليه وسلم: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ".
2- كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه قريب يدعى مسطح بن أثاثة، وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه ويحسن إليه فلما خاض مسطح فيمن خاض في حادثة الإفك ورمى أم المؤمنين عائشة بالفاحشة، حلف أبو بكر ألا يحسن إليه كما كان يحسن في السابق فعاتبه ربه عز وجل وأنزل { ولا يأتل ألوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } فقال: أبو بكر رضي الله عنه بلى، أحب أن يغفر الله لي، وعاد إلى ما كان عليه من الإحسان إليه وكفّر عن يمينه.
3- يقع يوم من الأيام بين أبي ذر -رضي الله عنه- وبلال -رضي الله عنه- خصومة، فيغضب أبو ذر وتفلت لسانه بكلمة يقول فيها لبلال: يا ابن السوداء فيتأثر بلال، يوم أكرمه الله بالإسلام، ثم يعير بالعصبيات والعنصريات والألوان، ويذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويشكو أبا ذر، ويستدعي النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا ذر، فيقول -كما في الحديث المتفق علي صحته- يقول النبي صلى الله عليه وسلم-: " أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية"، فيتأثر أبو ذر ويتحسَّر ويندم، ويقول: وددت -والله- لو ضُرب عنقي بالسيف، وما سمعت ذلك من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ويأخذ بلال –رضي الله عنه- كما روي ويضع خده على التراب ويقول: يا بلال؛ ضع قدمك على خدي، لا أرفعه حتى تضعه، فتذرف عينا بلال -رضي الله عنه- الدموع، ويقول: يغفر الله لك يا أبا ذر، يغفر الله لك يا أبا ذر، والله ما كنت لأضع قدمي على جبهة سجدت لله رب العالمين، ويعتنقان ويبكيان.
4- ظفر الرشيد برجل من الخارجين عليه فقال له: ما تريد أن أصنع بك؟ قال الرجل: الذي تريد أن يصنع بك الإله إذا وقفت بين يديه، ولا أجد الآن أذلَّ مني بين يديك.
فأطرق الرشيد، ثم قال: اذهب حيث شئت، فأغراه جلساؤه به، وحذروه منه، فأمر بردِّه، فلما حضر قال: يا إمام الأئمة لا تطعهم فيَّ؛ فلو أطاع الله فيك خلقه ما أستخلفك عليهم، فعجب من قوله، وكمال فطنته، وخلى سبيله؛ لقوة حجته وتمام ذكائه.
5- قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون يوماً، فنادى بالخادم: يا غلام، فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانياً وصاح: يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب؟ كلما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام، يا غلام، إلى كم يا غلام؟!.. فنكس المأمون رأسه طويلاً؛ فما شككت في أن يأمرني بضرب عنقه، ثم نظر إليّ، فقال: يا عبد الله؛ إن الرجل إذا حسنتْ أخلاقه، ساءت أخلاق خدمه، وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لنحسن أخلاق خدمنا!.
6- ذكر ابن كثير عن هارون الرشيد: أنه كلف خادماً له أن يصب عليه الماء، فصب عليه ماءً حاراً، ثم أطلق الإناء من يده، فوقع على رأس هارون الرشيد -وهو خليفة- فغضب غضباً شديداً، وقد تغير لونه من الماء الحار، فقال له الخادم: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران:134] قال: قد كظمت، قال: وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ قال: عفوت عنك، قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال: أعتقتك لوجه الله الحي القيوم.
7- قال ابن الأثير متحدثاً عن صلاح الدين الأيوبي: " وكان حليماً حسنَ الأخلاق، متواضعاً، صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم مايكره، ولا يُعلمه بذلك، ولا يتغير عليه.
وبلغني أنه كان جالساً وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضاً بسرموز فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه; ليتغافل عنها ".
8- شتم رجل الحسن، وأربى عليه، فقال له: أما أنت فما أبقيت شيئاً، وما يعلم الله أكثر.
9- عن عبد الملك أو قيس عبد الملك قال: " قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته -يعني لنومة القيلولة- فعرض له رجل بيده طومار -صحيفة مطوية- فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف أن يحبس دونه، فرماه بالطومار، فالتفت عمر، فوقع في وجهه، فشجَّه.
قال: فنظرتُ إلى الدماء تسيل على وجهه وهو قائم في الشمس، فلم يبرح حتى قرأ الطومار، وأمر له بحاجته، وخلَّى سبيله.
10- قال ابن القيم - رحمه الله - متحدثاً عن حسن الخلق والعفو، والإحسان إلى من أساء: " وما رأيت أحداً أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له - فنهرني، وتنكَّر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسُرُّوا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه ".
11- عن أبي سلمة: أن جبير بن مطعم تزوج امرأة، فسمى لها صداقها، ثم طلقها قبل الدخول، فتلا هذه الآية: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة: 237].
فقال: أنا أحق بالعفو منها.
فسلم إليها الصداق كاملاً.
الاشعار
يَسْتَوِجبُ الْعَفوَ الْفَتَى إِذَا اعْتَـرَفْ *** ثُمَّ انْتَهَى عَمَّـا أَتَـاهُ وَاقْتَـرَفْ
لِقَوْلِـهِ سُبْحَـانَـهُ فِي الْمُعْتَـرِفْ *** إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَـرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفْ
[عبد المُحسن الصّوريّ]

أَلا إِنَّ خَيْرَ الْعَفْـوِ عَفْـوٌ مُعَجَّـلُ *** وَشَرُّ الْعِقَابِ مَا يُجَازُ بِهِ الْقَـدْرُ
[............]

وَفِي الْحِلْمِ إِدْهَـانٌ وَفِي العَفْوِ دُرْبَةٌ *** وَفِي الصِّدْقِ مَنْجَاةٌ مِنَ الشَّرِّ فَأصْدُقِ
[زُهَير]

وَلَمَّا قَسَا قَلْبِـي وَضَـاقَتْ مَذَاهِبِي *** جَعَلْتُ رَجَائِي دُونَ عَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَـاظَمَنِـي ذَنْبِـي فَلَمَّـا قَرَنْتُـهُ *** بِعَفْوِكَ رَبِّي كَـانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ *** تَجُـودُ وَتَعْفُـو مِنَّـةً وتَكَرُّمَـا
[الشَّافِعِيّ]

لَمَّا عَفَـوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَـدٍ *** أَرَحْتُ نَفْسِي مِـنْ هَمٍّ الْعَدَوَاتِ
[الشَّافعيِّ]

فَخُذْ مِنْ أَخِيكَ الْعَفْوَ وَاغْفِـرْ ذُنُوبَهُ *** وَلا تَكُ فِي كُـلِّ الأُمُورِ تُعَاتِبُهْ
[بَشَّار بن بُرْدِ]

مَـاذَا تَقُولُ لأَفْـرَاخٍ بِذِي مَـرَخٍ *** حُمْـرِ الْحَواصِلِ لا مَاءٌ ولا شَجَرُ
أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُهْ فِي قَعْـرِ مُظْلِمَـةٍ *** فَاغْفِـرْ عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ يَا عُمَـرُ
[الحُطَيئة]

نُبِّئْـتُ أَنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَدَنِـي *** وَالْعَفْـوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُـولُ
مَهْلاً هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَـةً الـ *** ـقُرْآنِ فِيهَـا مَوَاعيـظٌ وَتَفْصِيلُ
لا تَأْخُـذَنِّي بِأَقْـوَالِ الْوُشَـاةِ وَلَمْ *** أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِي الأَقَاوِيـلُ
[كَعْب بن زُهير بن أَبي سُلْمَى]

صَفُـوحُ عَـنِ الإِجْـرامِ كَأَنَّـهُ *** مِنَ الْعَفْوِ لَمْ يَعْرِفْ مِنَ النَّاسِ مُجْرِمَا
[الحسن بن رجاء]

بَشَاشَةُ وَجْـهِ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنَ الْقِرَى *** فَكَيْـفَ بِمَـنْ يَأَتِي بِهِ وَهْوَ ضَاحِكُ
[شمس الدين البديويّ]

أَخُو الْبِشْرِ مَحْبُوبٌ عَلَى حُسْنِ بِشْرِهِ *** وَلَنْ يَعْـدَم الْبَغْضَـاءَ مَنْ كَانَ عَابِسًا
[الأبرش]

وَإِنِّـي لأَلْقَـى الْمَـرءَ أَعْلَـمُ أَنَّهُ *** عَدُوِّي وَفِي أَحْشَـائِهِ الضِّغْنُ كَـامِنُ
فَأَمْنَحُـهُ بِشْـرِي فَيَرْجِـعُ قَلْبُـهُ *** سَلِيمًا وَقَـد مَاتَتْ لَدِيـهِ الضَّغَائِـنُ
[........]
وَرُبَّ تَقَطُّـبٍ مِـنْ غَيْـرِ بُغْـضٍ *** وَبُغْـضٍ كَـامِـنٍ تَحْـتَ ابْتِسَـامِ
[ابن رشيق القيرواني]

ولا يَغـرُّكَ مَـنْ يُبْـدِي بَشَاشَتَهُ *** إِليكَ خَـدْعًا فَـإِنَّ السُّمَّ فِي الْعَسَـلِ
[صلاح الدين الصفدي]

إِذَا رَأَيْـتَ نُيُـوبَ اللَّيْثِ بَـأرِزَةُ *** فَـلا تَظُنَّـنَّ أَنَّ اللَّـيْـثَ يَبْتَسِـمُ
[المتنبي]
وراجعـه بعفـوك حـين يَثْنـي *** عِنـاناً للـرجـوع أو الإيـاب
فإن العفـو عن ذي الحـزم أولى *** إذا قـدرت يـداك على العتـاب
فإنـك واجـد للـحي ذنبـاً *** وتعـدم ذنبَ من تحـت التـرابِ
[..............]
الحكم
1- (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانِ).
2- اجعل تأنيبك أمام عجلتك، وحلمك رسول شدتك، وعفوك مالك وقدرتك، ولا يتم حسن الكلام إلا بحسن العمل.
3- أحسن المكارم عفو المقتدر.
4- من لا يَرْحَم لا يُرْحَم.
5- العفو أقرب للتقوى.
6- صاحب العفو ينام الليل على فراشه، وصاحب الانتصار يقلب الأمور.
7- لا يظهر العفو إلا مع الاقتدار.
8- ما قُرِن شيء إلى شيء أزين من حِلْم إلى علم، ومن عفوٍ إلى قدرة.
9- قيل لحكيم: أي الرجال أفضل؟ قال: الذي إذا حاورته وجدته حكيماً، وإذا غضب كان حليماً، وإذا ظفر كان كريماً، وإذا استمنح منح جسيماً، وإذا وعد أوفى وإن كان الوعد عظيماً، وإذا شكي إليه كان رحيماً.
10- قال أحدهم:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم
11- قال أحدهم:
وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام
12- قال أحدهم:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً *** صديقك لم تلق الذي تعاتبه
الإحالات

1- نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم المؤلف : عدد من المختصين بإشراف الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي الناشر : دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة الطبعة : الرابعة (7/2889) .



2- الآداب - البيهقي تحقيق عبد القدوس نذير ص 66 ,68 مكتبة الرياض الطبعة الأولى 1407 .



3- الأخلاق الإسلامية عبد الرحمن الميداني 2/69 , 309 دار القلم الطبعة الأولى 1399 .



4-بهجة المجالس وأنس المجالس - ابن عبد البر تحقيق محمد الخولي 1/370 دار الكتب العلمية .



5- تفسير وبيان مفردات القرآن - محمد حسن الحمصي ص 67 , 487 دار الرشيد .



6- جامع الأصول - ابن الأثير 8/38 الرئاسة العامة 1389 .



7- العفو فى القرآن والسنة - حسني المصري دار المنار الطبعة الأولى 1407 . 



8- عمل المسلم فى اليوم والليلة - محمد طارق، محمد صالح ص 265 , 267 مكتبة الغزالي .



9- فتح الباري - ابن حجر 5/100 دار الفكر .



10- فضل الله الصمد فى توضيح الأدب المفرد فضل الله الجيلاني 1/338 مكتبة ابن تيمية الطبعة الثالثة 1407 .



11- مختصر منهاج القاصدين - ابن قدامة المقدسي تحقيق على عبد الحميد ص 236 , 238 دار الفيحاء – دار عمار الطبعة الأولى 1406 .



12- المنهج المسلوك فى سياسة الملوك عبد الرحمن الشيزري ص 316 مكتبة المنار الطبعة الأولى 1407 .



13- موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين القاسمي ص 315 , 320 , 210 , 257 دار النفائس الطبعة الرابعة 1405 .



14- نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء محمد حسن موسى ص 1758 دار الأندلس جدة الطبعة الأولى 1411 .

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات