طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الكشاف العلمي > صمت وحفظ اللسان

ملتقى الخطباء

  • 277 /
  • 7 /
  • 0
337

صمت وحفظ اللسان

1438/10/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
التعريف

الصمت لغة:


 


مصدر قولهم: صمت يصمت إذا سكت، وهو مأخوذ من مادّة (ص م ت) الّتي تدلّ على إبهام وإغلاق، يقال من ذلك صمت الرّجل وأصمت إذا سكت، ومنه قولهم: لقيت فلانا ببلدة إصمت، وهي القفر الّتي لا أحد بها، كأنّها صامتة ليس بها ناطق، وقيل: أصمت معناه أطال السّكوت مثله، والتّصميت: التّسكيت ومثله السّكوت، ورجل صمّيت أي سكّيت،  وقال ابن الأثير: يقال صمت العليل وأصمت فهو صامت ومصمت إذا اعتقل لسانه.


 [انظر المقاييس (3/ 308)، الصحاح (1/ 256)، النهاية (3/ 51)، لسان العرب (3/ 2492) ] .


 


الصمت اصطلاحا:


 


قال الكفويّ: الصّمت إمساك عن قول الباطل دون الحقّ.


 وقال المناويّ: الصّمت: فقد الخاطر بوجد حاضر، وقيل: سقوط النّطق بظهور الحقّ، وقيل: انقطاع اللّسان بظهور العيان [انظر الكليات للكفوي (507)، والتوقيف على مهمات التعاريف (218) ] .


 


الحفظ لغة:


 


مصدر قولهم حفظ يحفظ وهو مأخوذ من مادّة (ح ف ظ) الّتي تدلّ على مراعاة الشّيء، يقال حفظت الشّيء حفظا، والتّحفّظ: قلّة الغفلة، والحفاظ: المحافظة على الأمور [انظر مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 87) ] .


قال الرّاغب ما خلاصته: الحفظ يقال تارة لهيئة النّفس الّتي بها يثبت ما يؤدّي إليه الفهم ويضادّه النّسيان كما في حفظ القرآن الكريم مثلا، ثمّ استعمل في كلّ تفقّد وتعهّد ورعاية وقوله سبحانه: (وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ) [الأحزاب: 35] كناية عن العفّة. أمّا قوله سبحانه: (حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ ) [النساء: 34]، أي يحفظن عهد الأزواج عند غيبتهم بسبب أنّ اللّه تعالى يحفظهنّ أن يطّلع عليهنّ، وقرأ (بِما حَفِظَ اللَّهُ) بالنّصب أي بسبب رعايتهنّ حقّ اللّه تعالى لا لرياء وتصنّع منهنّ.


وقال الجوهريّ: حفظت الشّيء حفظا أي حرسته، وحفظته أيضا بمعنى استظهرته. والحفظة: الملائكة الّذين يكتبون أعمال بني آدم، والمحافظة: المراقبة، والحفيظ: المحافظ ومنه قوله تعالى: (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)، [الأنعام: 104]، والتّحفّظ: التّيقّظ وقلّة الغفلة. وقال في اللّسان: والحفيظ من صفات اللّه عزّ وجلّ- لا يعزب عن حفظه مثقال ذرّة في السّماوات والأرض [مفردات الراغب (124) بتصرف، وبصائر ذوي التمييز (2/ 480)، ولسان العرب (7/ 441- 442) ] .


 


حفظ اللسان اصطلاحا:


 


أن يصون المرء لسانه عن الكذب، والغيبة والنّميمة، وقول الزّور، وغير ذلك ممّا نهى عنه الشّارع الحكيم.


قال الجاحظ: ومن الأخلاق الفاضلة: اللّهجة وهى الإخبار عن الشّيء على ما هو به، وهذا الخلق مستحسن، ما لم يؤدّ إلى ضرر مجحف، فإنّه ليس بمستحسن صدق الإنسان إن سئل عن فاحشة كان قد ارتكبها، إذ لا يفى صدقة بما يلحقه في ذلك من العار والمنقصة الباقية اللّازمة [تهذيب الأخلاق للجاحظ (26) بتصرف يسير] .


 


اللسان لغة:


 


اللّسان في اللّغة هو جارحة الكلام، وقد يكنى به عن الكلمة فتؤنّث حينئذ كما في قول أعشى باهلة:


إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها.


فمن ذكّره قال في الجمع ثلاثة ألسنة ومن أنّثه قال: ثلاث ألسن؛ لأنّ ذلك قياس ما جاء على فعال من المذكّر والمؤنّث وإن أردت به اللّغة أنّثت، واللّسن بالتّحريك الفصاحة، وقد لسن بالكسر فهو لسن وألسن، وقوم لسن. ويقال: لسنته إذا أخذته بلسانك، والملسون: الكذّاب، واللّسن: الكلام واللّغة، يقال لكلّ قوم لسن: أي لغة يتكلّمون بها واللّسان: اللّغة، قال تعالى: ( وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) [الروم: 22] ومن ذلك قولهم: فلان يتكلّم بلسان قومه. أي بلغتهم، واللّسان أيضا الرّسالة، واللّسان: المقول، واللّسان: الثّناء، والإلسان: إبلاغ الرّسالة، وألسنه ما يقول أي أبلغه، وألسن عنه بلّغ، ولسنه يلسنه لسنا: كان أجود لسانا منه، ولسنه: كلّمه، ولسنه أخذه بلسانه، وفي حديث عمر- رضي اللّه عنه- وذكر امرأة فقال: إن دخلت عليك لسنتك، أي أخذتك بلسانها، يصفها بالسّلاطة وكثرة الكلام والبذاء، ولسان الميزان: عذبته، ولسان النّار ما يتشكّل منها على شكل اللّسان[ انظر الصحاح (6/ 2195)، ولسان العرب (13/ 387) ] .


 

العناصر

1- اللسان نعمة من نعم الله علينا .


 


 


2- الإسلام يرشد إلى الصمت ويدعو المسلمين إليه .


 


 


3-  عظم خطر اللسان و تهاون الناس به .


 


 


4- حفظ اللسان من علامات حسن الإسلام ومن صفات المتقين .


 


 


5- وجوب حفظ اللسان باستعماله في قول الخير وترك قول الشر .


 


 


6- كيفية ضبط اللسان .


 


 


7- هديه صلى الله عليه وسلم في الكلام والصمت .


 


 


8- تبجح الكفر وأهله نتيجة حتمية لصمت دعاة الإسلام عن قول الحق والصدع به .


 


 


9- انشغال أكثر الناس اليوم بلغو الكلام وفضول القول .


 


 


10- خوف السلف من اللسان .


 

الاحاديث

1-  عن عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من صمت نجا" [رواه الترمذي (2503) وهذا لفظه، وقال: هذا حديث غريب. وقال الحافظ العراقي في الإحياء (3/ 118): رواه الطبراني بسند جيد، وقال الحافظ بن حجر في الفتح (11/ 315) رواته ثقات ] .


 


 


2- عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: " من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه" [رواه البخاري- الفتح 10 (6018)، ومسلم (47) واللفظ له] .


 


 


3- عن الحارث بن هشام- رضي اللّه عنه- أنّه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أخبرني بأمر أعتصم به، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "املك هذا"، وأشار إلى لسانه.[ المنذري في الترغيب والترهيب (3/ 527) وقال: رواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (2864) ].


 


 


4- عن عبد اللّه- رضي اللّه عنه- أنّه ارتقى الصّفا فأخذ بلسانه، فقال: يا لسان، قل خيرا تغنم، واسكت عن شرّ تسلم، من قبل أن تندم، ثمّ قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: " أكثر خطأ ابن آدم في لسانه" [المنذري في الترغيب والترهيب (3/ 534). وقال: رواه الطبراني، ورواته رواة الصحيح، وأبو الشيخ في الثواب والبيهقي بإسناد حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (2872) ] .


 


 


5- عن أبي موسى- رضي اللّه عنه- قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أيّ المسلمين أفضل؟. قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده" [رواه البخاري- الفتح 1 (10)، ومسلم (40). والترمذي (2504) واللفظ له ] .


 


 


6- عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " إنّ اللّه يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل اللّه  جميعا ولا تفرّقوا، ويكره لكم قيل وقال  وكثرة السّؤال  وإضاعة المال" [رواه مسلم (1715). وبعضه عند البخاري 9 (5975) ] .


 


 


7- عن معاذ بن جبل- رضي اللّه عنه- قال: كنت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول اللّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنّة، ويباعدني من النّار. قال: " لقد سألتني عن عظيم، وإنّه ليسير على من يسّره اللّه عليه.تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت". ثمّ قال: "ألا أدلّك على أبواب الخير: الصّوم جنّة، والصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار، وصلاة الرّجل من جوف اللّيل". قال: ثمّ تلا (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حتّى بلغ يَعْمَلُونَ) [السجدة: 16] ثمّ قال: " ألا أخبرك برأس الأمر كلّه وعموده وذروة سنامه ؟"  قلت: بلى. يا رسول اللّه! قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصّلاة، وذروة سنامه الجهاد". ثمّ قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه".قلت: بلى، يا نبيّ اللّه. فأخذ بلسانه. قال: "كفّ عليك هذا". فقلت: يا نبيّ اللّه! وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟. قال: "ثكلتك  أمّك يا معاذ، وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم أو على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم" [رواه الترمذي (2616) واللفظ له وقال: حسن صحيح وأحمد (5/ 237)، وابن ماجة (3973) وقال الألباني في صحيح الجامع (3/ 29، 30): صحيح الإسناد، والبيهقي ] .


 


 


8- عن عقبة بن عامر- رضي اللّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللّه ما النّجاة؟. قال: " أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" [رواه الترمذي (2406) وقال: حديث حسن. وقال محقق جامع الأصول (11/ 698): وهو كما قال، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (888) ] .


 

الاثار

1- كان أبو بكر الصّدّيق- رضي اللّه عنه- يضع حصاة في فيه، يمنع بها نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول: هذا الّذي أوردني الموارد.[ إحياء علوم الدين (3/ 120) ] .


 


 


2- قال عمر بن الخطّاب- رضي اللّه عنه-:من كثر كلامه كثر سقطه.[ الصمت لابن أبي الدنيا (241) ] .


 


 


3- قال عليّ بن أبي طالب- رضي اللّه عنه-: اللّسان قوام البدن، فإذا استقام اللّسان استقامت الجوارح، وإذا اضطرب اللّسان لم تقم له جارحة.[الصمت لابن أبي الدنيا (249) ] .


 


 


4- عن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: أنذرتكم فضول الكلام، بحسب أحدكم ما بلغ حاجته.[الصمت لابن أبي الدنيا (239- 240) ] .


 


 


5- قال عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه-: واللّه الّذي لا إله إلّا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من اللّسان. [إحياء علوم الدين (3/ 120) ] .


 


 


6- قال محمّد بن واسع لمالك بن دينار:يا أبا يحيى حفظ اللّسان أشدّ على النّاس من حفظ الدّينار والدّرهم.[إحياء علوم الدين (3/ 120) ] .


 


 


7- عن يزيد بن أبي حبيب- رحمه اللّه- قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحبّ إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه؛ فإنّ في الاستماع سلامة، وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلّم في الكلام إلّا من عصم اللّه، ترمّق، وتزيّن، وزيادة، ونقصان.[الصمت لابن أبي الدنيا (253) ] .


 

الاشعار

1- ذكر ابن عبد البرّ ما أنشده بعضهم :


 


سأرفض ما يخاف عليّ منه *** وأترك ما هويت لما خشيت


 


 


لسان المرء ينبي عن حجاه *** وعيّ المرء يستره السّــــكوت


 


[الآداب الشرعية (1/ 38) ] .


 


2- قال الشاعر:


 


الصمت زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مكثارا


 


 


فلئن ندمت على سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مـــــــــــــرارا


 


 


3- وما أحكم قول الشاعر :


 


يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه *** وليس يصاب المرء من عثرة الرجل


 


 


فعثرته في القول تذهب رأسه *** وعثرته بالرجل تبرأ على مهــــــــــــــــــــــل


 


 


4- وقول الآخر :


 


احفظ لسانك أيها الإنســــــان *** لا يلدغنك إنه ثعبــــــــــــــــــــــــــــــــانُ


 


 


كم في المقابر من قتيل لسانه  ***كانت تهاب لقاءه الشجعانُ


 


[الأذكار للنووي (ص 298) ] .


 


5- وقول الآخر :


 


الصمت زين والسكوت شجاعة  ***فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً


 


 


فإذا ندمت على سكوتك مـــــــــرة *** فلتندمن على الكلام مـــــــــــراراً


 

متفرقات

1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الصمت عن الكلام مطلقاً في الصوم أو الاعتكاف، أو غيرهما فبدعة مكروهة باتفاق أهل العلم.[مجموع الفتاوى (25/292) ] .


 


 


2- قال موفق الدين ابن قدامة عند ذكره ِلمسائل الاعتكاف: فأما التزام الصمت فليس من شريعة الإسلام.[ الكافي (2/293) وانظر: المجموع شرح المهذب (6/376) ] .


 


 


3- قال الإمام الغزاليّ: إنّ اللّسان من نعم اللّه العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة. فإنّه صغير جرمه ، عظيم طاعته وجرمه، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلّا بشهادة اللّسان، وهما غاية الطّاعة والعصيان. وأعصى الأعضاء على الإنسان اللّسان، فإنّه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريكه. وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله، والحذر من مصائده وحبائله. وإنّه أعظم آلة للشّيطان في استغواء الإنسان .


واللّسان رحب الميدان، ليس له مردّ، ولا لمجاله منتهى وحدّ. له في الخير مجال رحب، وله في الشّرّ ذيل سحب، فمن أطلق عذبة  اللّسان، وأهمله مرخيّ العنان سلك به الشّيطان في كلّ ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطرّه إلى البوار، ولا يكبّ النّاس في النّار على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شرّ اللّسان إلّا من قيّده بلجام الشّرع، فلا يطلقه إلّا فيما ينفعه في الدّنيا والآخرة، ويكفّه عن كلّ ما يخشى غائلته في عاجله وآجله.ذلك أنّ خطر اللّسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلّا بالصّمت، فلذلك مدح الشّرع الصّمت وحثّ عليه.فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: "من صمت نجا" [إحياء علوم الدين (3/ 108) ] .


 


 


2- يقول الماورديّ: اعلم أنّ الكلام ترجمان يعبّر عن مستودعات الضّمائر، ويخبر بمكنونات السّرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على ردّ شوارده، فحقّ على العاقل أن يحترز من زللّه، بالإمساك عنه، أو بالإقلال منه. وفى شروط الكلام يقول الماورديّ: واعلم أنّ للكلام شروطا لا يسلم المتكلّم من الزّلل إلّا بها، ولا يعرى من النّقص إلّا بعد أن يستوفيها. وهي أربعة :


الشّرط الأوّل: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إمّا فى اجتلاب نفع، أو دفع ضرر. ذلك أنّ مالا داعي له هذيان، وما لا سبب له هجر، ومن سامح نفسه في الكلام إذا عنّ، ولم يراع صحّة دواعيه، وإصابة معانيه، كان قوله مرذولا، ورأيه معلولا .


الشّرط الثّاني: أن يأتي به في موضعه، ويتوخّى به إصابة فرصته؛ لأنّ الكلام في غير حينه لا يقع موقع الانتفاع به، وما لا ينفع من الكلام فقد تقدّم القول بأنّه هذيان وهجر، فإن قدّم ما يقتضي التّأخير كان عجلة وخرقا، وإن أخّر ما يقتضي التّقديم كان توانيا وعجزا، لأنّ لكلّ مقام قولا، وفي كلّ زمان عملا .


الشّرط الثّالث: أن يقتصر منه على قدر حاجته، فإنّ الكلام إن لم ينحصر بالحاجة، ولم يقدّر بالكفاية، لم يكن لحدّه غاية، ولا لقدره نهاية، وما لم يكن من الكلام محصورا كان إمّا حصرا إن قصر، أو هذرا إن كثر .


الشّرط الرّابع: اختيار اللّفظ الّذي يتكلّم به، لأنّ اللّسان عنوان الإنسان، يترجم عن مجهوله، ويبرهن عن محصوله، فيلزم أن يكون بتهذيب ألفاظه حريّا، وبتقويم لسانه مليّا .


ومن آداب الكلام: قال- رحمه اللّه-: واعلم أنّ للكلام آدابا إن أغفلها المتكلّم أذهب رونق كلامه وطمس بهجة بيانه، ولها النّاس عن محاسن فضله، بمساوئ أدبه، فعدلوا عن مناقبه، بذكر مثالبه .


ومن آدابه:


1- أن لا يتجاوز في مدح، ولا يسرف في ذمّ، وإن كانت النّزاهة عن الذّمّ كرما، والتّجاوز في المدح قلقا يصدر عن مهانة؛ والسّرف في الذّمّ انتقام يصدر عن شرّ، وكلاهما شين، وإن سلم من الكذب .


 


2- أن لا تبعثه الرّغبة والرّهبة في وعد أو وعيد يعجز عنهما، ولا يقدر على الوفاء بهما؛ فإنّ من أطلق بهما لسانه، وأرسل فيهما عنانه، ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل صار وعده نكثا، ووعيده عجزا .


 


3- أنّه إن قال قولا حقّقه بفعله، وإذا تكلّم بكلام صدّقه بعمله، فإنّ إرسال القول اختيار، والعمل به اضطرار، ولأن يفعل ما لم يقل أجمل من أن يقول ما لم يفعل .


 


4- أن يراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده وأغراضه، فإن كان ترغيبا قرنه باللّين واللّطف، وإن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف، فإنّ لين اللّفظ في التّرهيب، وخشونته في التّرغيب، خروج عن موضعهما، وتعطيل للمقصود بهما، فيصير الكلام لغوا، والغرض المقصود لهوا .


 


5- ألّا يرفع بكلامه صوتا مستكرها، ولا ينزعج له انزعاجا مستهجنا، وليكفّ عن حركة تكون طيشا، وعن حركة تكون عيّا، فإنّ نقص الطّيش أكثر من فضل البلاغة .


 


6- أن يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عمّا يستقبح صريحه، ويستهجن فصيحه، ليبلغ الغرض ولسانه نزه، وأدبه مصون، وكما أنّه يصون لسانه عن ذلك، فهكذا يصون عنه سمعه، فلا يسمع خنى، ولا يصغي إلى فحش، فإنّ سماع الفحش داع إلى إظهاره، وذريعة إلى إنكاره؛ وإذا وجد عن الفحش معرضا، كفّ قائله وكان إعراضه أحد النّكيرين، كما أنّ سماعه أحد الباعثين .


 


7- أن يجتنب أمثال العامّة الغوغاء، ويتخصّص بأمثال العلماء الأدباء. فإنّ لكلّ صنف من النّاس أمثالا تشاكلهم، فلا تجد لساقط إلّا مثلا ساقطا، وتشبيها مستقبحا، وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب، لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثّر تأثيرها؛ لأنّ المعاني بها لائحة والشّواهد بها واضحة، والنّفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة، فلذلك ضرب اللّه الأمثال في كتابه العزيز وجعلها من دلائل رسله، وأوضح بها الحجّة على خلقه؛ لأنّها في العقول معقولة، وفي القلوب مقبولة.[أدب الدنيا والدين (266- 276) بتصرف] .


 

الإحالات

1- الآداب – البيهقي تحقيق عبد القدوس نذير ص 156 مكتبة الرياض الطبعة الأولى 1407 .



2- الآداب الشرعية – ابن مفلح الحنبلي 1/36 مؤسسة قرطبة . 3- بهجة المجالس وأنس المجالس – القرطبي 1/77 دار الكتب العلمية .



4- جامع العلوم والحكم – ابن رجب تحقيق شعيب الأرناؤوط حديث رقم (15) مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1412 .



5- حسن السمت في الصمت – السيوطي دار المأمون للتراث الطبعة الأولى 1405 .



6- حصائد اللسن – حسين العوايشة ص 5 دار عمار الطبعة الثانية 1409 .



7- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء – ابن حبان تحقيق محمد عبد الحميد ص 41 دار الكتب العلمية .



8- الصمت وآداب اللسان – ابن أبي الدنيا .



9- نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء – محمد حسن الشريف ص 1749 دار الأندلس جدة الطبعة الأولى 1411 .

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات