نصر

2022-10-04 - 1444/03/08

التعريف

المعنى اللغوي:

 

النون والصاد والراء أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه، ونصر الله المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم، ينصرهم نَصْرًا، وانتصر: انتقم، وأما الإتيان فالعرب تقول: نَصَرْتُ بلد كذا: إذا أتيته، ويسمى المطر نَصْرًا، ونصرت الأرض، فهي منصورة، والنصر: العطاء، والنصر: العون (انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس: ٥-٤٣٥، مجمل اللغة، ابن فارس: ١-٨٧٠).

 

نَصَرَهُ على عَدوِّه، يَنْصُرُه نَصْرًا، والاسم النُّصْرَةُ، والنَّصيرُ، والناصِرُ، وجمعه أنصارٌ كشريفٍ وأشرافٍ، وجمع الناصر: نصرٌ كصاحبٍ وصحبٍ، واستنصره على عدوه: سأله أن ينصره عليه، وتناصر القوم: نصر بعضهم بعضًا، والنصارى جمع نصرانٍ ونصرانةٍ (انظر: مختار الصحاح، الرازي: ص٣٠٥).

 

المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف النصر في معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهو يتضمن عدة معانٍ، منها: العون، والتأييد، والعطاء، ودفع الضر، فنصر فردٍ أو جماعة يشمل إعانتهم بالقول أو الفعل، وتأييدهم بالقول أو الفعل، وإعطاءهم ما ينصرهم، ويدفع الضر عنهم، وإلى هذا أشار الشوكاني رحمه الله بقوله: “هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم”(فتح القدير، الشوكاني: ٥-٥٠٩).

 

وجاء النصر في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه:

 

الأول: المنع: ومنه قوله تعالى: (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)[البقرة: ٤٨]. يعني: ولا هم يمنعون.

 

الثاني: العون: ومنه قوله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ)[الحج: ٤٠].

 

الثالث: الظفر: ومنه قوله تعالى: (وَمَا النَّصْرُ) يعني: وما الظفر (إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)[آل عمران:١٢٦].

 

الرابع: الانتقام: ومنه قوله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ)[الشورى:٤١]. يعني: انتقم.

(انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٤٥٣، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٥٨٦-٥٨٧)

 

العناصر

1- كثرة مآسي المسلمين

 

2- مفهوم النصر  

 

3- من أنواع النصرة 

 

4- ضرورة التناصر وأهميته 

 

5- الحذر من أعداء الإسلام 

 

5- واجبنا تجاه أعداء الإسلام 

 

6- تربية النفس على استجلاب النصر والتمكين 

 

7- موانع النصر 

 

8- الأخذ بالأسباب الحسية للنصر على الأعداء

 

الايات

1- قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة:214].

 

2- قوله تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله)[البقرة:250-251].

 

3- قوله تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)[الْبَقَرَةِ: 270]

 

4- قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)[آل عمران: 81].

 

5- قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) [آل عمران:123-126].

 

6- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)[آل عمران: 149- 150].

 

7- قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[الأنفال: 26].

 

8- قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[الأنفال: 72].

 

9- قوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التوبة: 40].

 

10- قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)[الإسراء: 33].

 

11- قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[الحج: 39- 40].

 

12- قوله تعالى: (ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)[الحج: 60].

 

13- قوله تعالى: (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)[الحج: 78].

 

14- قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)[القصص: 14-15]

 

قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)[الروم: 47].

 

15- قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ)[غافر: 51].

 

16- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ)[محمد:7].

 

17- قوله تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ)[الطارق: 9-10].

 

الاحاديث

1- عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” فقال رجل: يا رسول اللّه أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: “تحجزه أو تمنعه من الظّلم، فإنّ ذلك نصره”(رواه البخاري:6952).

 

2- عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضي اللّه عنهما أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لبث عشر سنين يتبع النّاس في منازلهم في الموسم ومجنّة وعكاظ، ومنازلهم من منى “من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتّى أبلّغ رسالات ربّي فله الجنّة”، فلا يجد أحدا ينصره ولا يؤويه حتّى إنّ الرّجل ليرحل من مصر أو من اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتننّك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى اللّه عزّ وجلّ يشيرون إليه بالأصابع، حتّى بعثنا اللّه من يثرب فيأتيه الرّجل منّا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتّى لم يبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام. وبعثنا اللّه إليه فائتمرنا واجتمعنا، وقلنا: حتّى متى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يطرد في جبال مكّة ويخاف؟ فرحلنا حتّى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا بيعة العقبة، فقال له عمّه العبّاس: يابن أخي لا أدري ما هؤلاء القوم الّذين جاؤوك، إنّي ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلمّا نظر العبّاس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول اللّه علام نبايعك؟، قال: “تبايعوني على السّمع والطّاعة في النّشاط والكسل، وعلى النّفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في اللّه لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنّة” فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السّبعين إلّا أنّه قال: رويدا يا أهل يثرب، إنّا لم نضرب إليه أكباد المطيّ إلّا ونحن نعلم أنّه رسول اللّه، وإنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافّة، وقتل خياركم، وأن يعضكم السّيف، فإمّا أنتم قوم تصبرون عليها إذا مسّتكم وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافّة، فخذوه وأجركم على اللّه، وإمّا أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه فهو عذر عند اللّه عزّ وجلّ. فقالوا: يا أسعد، أمط عنّا يدك، فو اللّه لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. قال: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا ليعطينا بذلك الجنّة (رواه أحمد:3- 322). وذكره الحاكم في المستدرك (2- 624) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي).

 

3- عن معاوية بن سويد بن مقرّن، قال: دخلت على البراء بن عازب فسمعته يقول: أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسبع، ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الدّاعي، وإفشاء السّلام. ونهانا عن خواتيم، أو عن تختّم بالذّهب، وعن شرب بالفضّة، وعن المياثر، وعن القسّيّ، وعن لبس الحرير والإستبرق والدّيباج”(رواه البخاري:2445، مسلم:2066).

 

4- عن شرحبيل بن السّمط أنّه قال لعمرو ابن عبسة: هل أنت محدّثي حديثا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس فيه نسيان ولا كذب. قال: نعم. سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: “قال اللّه عزّ وجلّ: قد حقّت محبّتي للّذين يتحابّون من أجلي، وقد حقّت محبّتي للّذين يتزاورون من أجلي، وقد حقّت محبّتي للّذين يتباذلون من أجلي، وقد حقّت محبّتي للّذين يتصادقون من أجلي، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقدّم اللّه له ثلاثة أولاد من صلبه لم يبلغوا الحنث إلّا أدخله اللّه الجنّة بفضل رحمته إيّاهام” وفي رواية: “وحقّت محبّتي للّذين يتناصرون من أجلي، وحقّت محبّتي للّذين يتصادقون من أجلي” (رواه أحمد:4- 386 وقال الهيثمي (10- 279): رواه الطبراني في الثلاثة وأحمد بنحوه ورجال أحمد ثقات واللفظ للهيثمي).

 

5- عن جابر وأبي أيّوب الأنصاري رضي اللّه عنهما قالا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: “ما من امرئ يخذل مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا خذله اللّه في موطن يحبّ فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا نصره اللّه في موطن يحبّ فيه نصرته”(قال  الهيثمي في مجمع الزوائد (7- 267)، وقال: رواه أبو داود:4884، ورواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن واللفظ في مجمع الزوائد).

 

6- عن سهل بن حنيف؛ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: “من أذلّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذلّه اللّه عزّ وجلّ على رءوس الخلائق يوم القيامة” (رواه أحمد:3- 487، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7-267): رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف، وقد صرح بالحديث هنا، وبقية رجاله ثقات).

 

7- عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: “الدّين النّصيحة” ثلاث مرار، قالوا: يا رسول اللّه لمن؟ قال: “للّه، ولكتابه، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم، المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كلّ المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه، التّقوى ههنا بحسب امرئ من الشّرّ أن يحتقر أخاه المسلم، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، إنّ أحدكم مرآة أخيه: فإن رأى به أذى فليمطه عنه” (رواه الترمذي:1926. وقال محقق “جامع الأصول” (6- 563): حديث حسن).

 

8- عن أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه عنه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا” وشبّك بين أصابعه (رواه البخاري:2446، ومسلم:2585).

 

9- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما رَجَعَت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُهَاجرة البحر، قال: "ألا تُحَدِّثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟" قال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينا نحن جلوس مرَّت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قُلَّة من ماء، فمرَّت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثمَّ دفعها، فخرَّت على ركبتيها، فانكسرت قلَّتها، فلمَّا ارتفعت، التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم -يا غُدر- إذا وضع الله الكرسيَّ، وجمع الأولين والآخرين، وتكلَّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا، قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَت صَدَقَت، كيف يقدِّس الله أمَّة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!"(رواه ابن ماجه:3255، وحسَّنه الألباني).

 

10- قال صلى الله عليه وسلم في ذلك: "شَهِدت حلف المطَيَّبين مع عُمُومَتي وأنا غلام؛ فما أحبُّ أنَّ لي حُمْر النَّعم وأنِّي أنكُثه"(رواه أحمد (1/190) (1655)، والبزار (3/213) من حديث عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه. قال البزار: رُوِي من غير وجه، وهذا الإسناد أحسن إسنادًا يُرْوى في ذلك. وصحَّحه الطَّبري في ((تفسيره)) (4/1/77)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر).

 

11- عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسُّوط، فسمعت صوتًا من خلفي: "اعلم أبا مسعود". فلم أفهم الصَّوت من الغضب، قال: فلمَّا دنا منِّي إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول: "اعلم، أبا مسعود، اعلم، أبا مسعود". قال: فألقيت السَّوط من يدي، فقال: "اعلم، أبا مسعود، أنَّ الله أقدر عليك منك على هذا الغلام". قال: فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله، فقال: "أما لو لم تفعل لَلَفَحتك النَّار، أو لمسَّتك النَّار"(رواه مسلم:1659).

 

الاثار

1- عن سعيد بن جبير قال: "سألت عبد الله بن عبَّاس عن قول الله عزَّ وجلَّ لموسى عليه السَّلام (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا)[طه: 40]  فسألته عن الفُتُون، ماهو؟ فقال... فلمَّا بلغ أشدَّه، وكان من الرِّجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظُلم ولا سُخْرة، امتنعوا كلَّ الامْتِنَاع

القصص

1- عن عروة عن المسور بن مخرمة أنّه كان في الشّرط: من أحبّ أن يدخل في عقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعهده فليدخل، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل، فدخلت بنو بكر- أي ابن عبد مناة بن كنانة- في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قال ابن إسحاق: وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهليّة، فتشاغلوا عن ذلك لمّا ظهر الإسلام، فلمّا كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الدّيليّ من بني بكر في بني الدّيل حتّى بيّت خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير، فأصاب منهم رجلا يقال له منبّه، واستيقظت لهم خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال، وأمدّت قريش بني بكر بالسّلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية، فلمّا انقضت الحرب خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ، حتّى قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو جالس في المسجد فقال:

يا ربّ إنّي ناشد محمّدا *** حلف أبينا وأبيه الأتلدا

فانصر هداك اللّه نصرا أيّدا *** وادع عباد اللّه يأتوا مددا

إنّ قريشا أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

هم بيّتونا بالوتير هجّدا *** وقتّلونا ركّعا وسجّدا

وزعموا أن لست أدعو أحدا *** وهم أذّلّ وأقلّ عددا

 

قال ابن إسحق: فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «نصرت يا عمرو بن سالم» فكان ذلك ما هاج فتح مكّة (فتح الباري:7-593).

 

2- قال الشّيخ أبو بكر الطّرطوشيّ رحمة اللّه تعالى عليه دخلت على الأفضل بن أمير الجيوش، وهو أمير على مصر فقلت: السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، فردّ السّلام على نحو ما سلّمت ردّا جميلا، وأكرمني إكراما جزيلا، أمرني بدخول مجلسه وأمرني بالجلوس فيه، فقلت: أيّها الملك إنّ اللّه تعالى قد أحلّك محلّا عليّا شامخا، وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملّكك طائفة من ملكه، وأشركك في حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشّكر منك، وليس الشّكر باللّسان، وإنّما هو بالفعال والإحسان، قال اللّه تعالى: (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً) [سبأ: 13]

 

واعلم أنّ هذا الّذي أصبحت فيه من الملك إنّما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك، فاتّق اللّه فيما خوّلك من هذه الأمّة فإنّ اللّه تعالى سائلك عن الفتيل والنّقير والقطمير، قال اللّه تعالى: (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 92- 93] وقال تعالى: (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] واعلم أيّها الملك أنّ اللّه تعالى قد آتى ملك الدّنيا بحذافيرها سليمان بن داود عليهما السّلام، فسخّر له الإنس والجنّ والشّياطين والطّير والوحش والبهائم وسخّر الرّيح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثمّ رفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال له: (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) [ص: 39] فو اللّه ما عدّها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن تكون استدراجا من اللّه تعالى ومكرا به فقال: (هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل: 40].

 

فافتح الباب وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم، وأغث الملهوف أعانك اللّه على نصر المظلوم، وجعلك كهفا للملهوف، وأمانا للخائف، ثمّ أتممت المجلس بأن قلت: قد جبت البلاد شرقا وغربا فما اخترت مملكة وارتحت إليها، ولذّت لي الإقامة فيها غير هذه المملكة، ثمّ أنشدته:

 

والنّاس أكيس من أن يحمدوا رجلا *** حتّى يروا عنده آثار إحسان

(المستطرف:1-125).

 

3- عن سماك قال: سمعت عياضا الأشعريّ قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض- وليس عياض هذا بالّذي حدّث سماكا- قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، قال: فكتبنا إليه: إنّه قد جاش إلينا الموت، واستمددناه، فكتب إلينا: إنّه قد جاءني كتابكم تستمدّوني، وإنّي أدلّكم على من هو أعزّ نصرا وأحضر جندا، اللّه عزّ وجلّ فاستنصروه، فإنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد نصر يوم بدر في أقلّ من عدّتكم، فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني، قال: فقاتلناهم فهزمناهم وقتلناهم أربع فراسخ، قال: وأصبنا أموالا، فتشاوروا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كلّ رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنّي؟ فقال شابّ: أنا إن لم تغضب، قال: فسبقه، فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان وهو خلفه على فرس عري (رواه أحمد (1- 49)، وقال الشيخ أحمد شاكر (1- 304): إسناده صحيح، وقال ابن كثير في تفسيره (2- 409): هذا إسناد صحيح).

 

4- عن عبد اللّه بن عمر- رضي اللّه عنهما قال: عن عمر رضي اللّه عنه قال: بينما هو في الدّار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السّهميّ أبو عمرو، عليه حلّة حبر وقميص مكفوف بحرير- وهو من بني سهم وهم حلفاؤنا في الجاهليّة- فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنّهم سيقتلونني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك. بعد أن قالها أمنت، فخرج العاص فلقي النّاس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطّاب الّذي صبأ، قال: لا سبيل إليه. فكرّ النّاس (رواه البخاري:3864).

 

5- عن ابن أخي عبد اللّه بن سلام: لمّا أريد عثمان جاء عبد اللّه بن سلام، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك، قال: اخرج إلى النّاس فاطردهم عنّي فإنّك خارجا خير لي منك داخلا، فخرج عبد اللّه إلى النّاس فقال: أيّها النّاس، إنّه كان اسمي في الجاهليّة فلان فسمّاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عبد اللّه، ونزل فيّ آيات من كتاب اللّه. نزلت فيّ (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [الأحقاف: 10]، ونزلت فيّ (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) [الرعد: 43] إنّ للّه سيفا مغمودا عنكم، وإنّ الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الّذي نزل فيه نبيّكم، فاللّه اللّه في هذا الرّجل أن تقتلوه، فو اللّه إن قتلتموه، لتطردنّ جيرانكم الملائكة ولتسلّنّ سيف اللّه المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة، قال: فقالوا: اقتلوا اليهوديّ واقتلوا عثمان (رواه الترمذي:3256، وقال: هذا حديث حسن غريب).

 

6- لمّا ضرب ابن ملجم- لعنه اللّه- عليّا- رضي اللّه عنه- دخل منزله فاعترته غشية، ثمّ أفاق فدعا الحسن والحسين- رضي اللّه تعالى عنهما- وقال: أوصيكما بتقوى اللّه تعالى والرّغبة في الآخرة والزّهد في الدّنيا ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، فإنّكما عنها راحلان، افعلا الخير وكونا للظّالم خصما، وللمظلوم عونا، ثمّ دعا محمّدا ولده وقال له: أما سمعت ما أوصيت به أخويك، قال: بلى. قال: فإنّي أوصيك به (المستطرف:1-123).

 

7- عن عروة بن الزُّبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشدِّ ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بَيْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ)"(رواه البخاري:4815).

 

8- دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب ابنه - وهو يومئذ وليُّ عهده، قد عُقِد له من بعده -، فجاء إنسان يطلب ميراثًا من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما إخال النِّساء يرثن في العقار شيئًا. فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله، وأين كتاب الله؟ فقال: يا غلام، اذهب فأْتني بسجلِّ عبد الملك بن مروان الذي كتب في ذلك، فقال له عمر: لكأنَّك أرسلت إلى المصحف؟ قال أيوب: والله ليوشكنَّ الرَّجل يتكلَّم بمثل هذا عند أمير المؤمنين، ثمَّ لا يشعر حتى تفارقه رأسه، فقال له عمر: إذا أفضى الأمر إليك وإلى مثلك، فما يدخل على هؤلاء أشدُّ مما خشيت أن يصيبهم من هذا، فقال سليمان: مه، ألأبي حفص تقول هذا؟ قال عمر: والله لئن كان جَهِل علينا -يا أمير المؤمنين- ما حَلُمنا عنه (رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء:5-280).

 

9- جاء إليه رجل متَّزر بِبُرْد قَطَري، متعصِّب بآخر، حتى أخذ بلجام بغلته، ما يُنَهْنِهه أحدٌ، فقال:

تدعون حرَّان مَظْلومًا ليأتيكم *** فقد أتاكم لعند الدَّار مظْلوم

 

فقال ممن أنت؟ قال: من أهل حضرموت. قال: ما ظُلَامتك؟ قال: أرضي وأرض آبائي أخذها الوليد وسليمان، فأكلاها. فنزل عمر عن دابَّته يتكئ حتى جلس بالأرض، فقال: من يعلم ذلك؟ قال: أهل البلد قاطبة. قال: يكفيني من ذلك شاهدا عدلٍ، اكتبوا له إلى بلاده، إن أقام شاهدي عدلٍ، اكتبوا على أرضه وأرض آبائه وأجداده، فادفعوها إليه. فحسب الوليد وسليمان ما أكلا من غلَّتها، فلمَّا ولَّى الرَّجل، قال: هلمَّ، هل هلكت لك من راحلة؟ أو أَخْلق لك من ثوب؟ أو نفذ لك من زاد؟ أو تخرَّق لك من حِذاء؟ فحَسَب ذلك، فبلغ اثنين وثلاثين دينارًا، أو ثلاثة وثلاثين دينارًا، فأتى بها من بيت المال، فكأنِّي أنظر إليها تُعدُّ في يده (رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق:7-152).

 

10- مرَّ عامر بن عبد الله برجل من أعوان السُّلطان، وهو يَجُرُّ ذمِّيًّا، والذِّمِّيُّ يستغيث به، قال: فأقبل على الذِّمِّيِّ، فقال: أدَّيت جزيتك؟ قال: نعم. فأقبل عليه، فقال: ما تريد منه؟ قال: أذهب به يَكْسَح دار الأمير، قال: فأقبل على الذِّمِّيِّ، فقال: تطيب نفسك له بهذا؟ قال: يشغلني عن ضَيْعَتي. قال: دعه. قال: لا أدعه. قال: دعه. قال: لا أدعه. قال: فوضع كساءه، ثمَّ قال: لا تُخْفَر ذمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم وأنا حيٌّ. قال: ثمَّ خَلَّصه منه (رواه أبو نعيم في حلية الأولياء:2-91).

 

 

متفرقات

قال ابن العربي في هذه الآية (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) قال: "يريد: إن دعوا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم، فأعينوهم، فذلك عليكم فرض، إلَّا على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تقاتلوهم عليهم حتى يتمَّ العهد، أو ينبذ على سواء. إلَّا أن يكونوا أُسَراء مستضعفين؛ فإنَّ الوِلَاية معهم قائمة، والنُّصْرَة لهم واجبة بالبدن، بألَّا يبقى منَّا عين تَطْرف حتى نخرج إلى استنقاذهم، إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء: فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون على ما حلَّ بالخَلْق في تركهم إخوانهم في أَسْر العدوِّ، وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال، والعُدَّة والعدد، والقوَّة والجَلَد"(أحكام القرآن:8-132).

 

قال الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) قال: "يحرِّض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السَّعي في استنقاذ المستضعفين بمكَّة من الرِّجال والنِّساء والصِّبيان، المتبرِّمين بالمقام بها؛ ولهذا قال تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ)[النِّساء: 75]  يعني: مكَّة، كقوله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ)[محمَّد: 13]"(تفسير ابن كثير).

 

قال الطَّبري في قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ) يقول: (إن استنصركم هؤلاء -الذين آمنوا ولم يهاجروا- في الدِّين، يعني بأنَّهم من أهل دينكم، على أعدائكم وأعدائهم من المشركين، فعليكم أيُّها المؤمنون -من المهاجرين والأنصار- النَّصر، إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق، يعني: عهد قد وَثِق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه"(تفسير الطَّبري).

 

قال العلائي عند حديث: "انصر أخاك ظالـمًا، أو مَظْلومًا" قال: "هذا من بليغ الكلام، الذي لم يُنْسج على منواله، و((أو)) للتَّنويع والتَّقسيم، وسمِّي رَدُّ المظالم نَصْرًا؛ لأنَّ النَّصْر هو العون، ومنع الظَّالم عون له على مصلحته، والظَّالم مَقْهور مع نفسه الأمَّارة، وهي في تلك الحالة عاتية عليه، فردُّه عونٌ له على قَـهْرها، ونُصْرةٌ له عليها"(فيض القدير؛ للمناوي:5-805).

 

قال البيهقي "لينصر الرَّجل أخاه ظالـمًا أو مَظْلومًا، إن كان ظالـمًا فلينهه": "معنى هذا: أنَّ الظَّالم مظْلوم من جهته، كما قال الله عزَّ وجلَّ: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [النِّساء: 110] ، فكما ينبغي أن يُنْصر المظْلوم -إذا كان غير نفس الظَّالم ليدفع الظُّلم عنه- كذلك ينبغي أن يُنْصر إذا كان نفس الظَّالم؛ ليدفع ظلمه عن نفسه"(شعب الإيمان:10-84) وقال ابن بطَّال: "النَّصْر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنَصْر الظَّالم: بمنعه من الظُّلم؛ من تسمية الشَّيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة"(فتح الباري؛ لابن حجر:7-350).

 

قال الحافظ ابن حجر عند حديث: "المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمه": "قوله ((لا يَظْلِمه)) هو خَبَر بمعنى الأمر، فإنَّ ظُلم المسلم للمسلم حرام، وقوله: ((ولا يُسْلِمه)) أي: لا يتركه مع من يُؤذيه، ولا فيما يُؤذيه، بل يَنْصُره، ويدفع عنه، وهذا أخصُّ مِنْ تَرْك الظُّلم"(فتح الباري:5-97).

 

قال السِّندي عند حديث: " كيف يقدِّس الله أمَّة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!" قال: (يقدِّس الله) أي: يُطَهِّرهم من الدَّنس والآثام"(حاشية السِّندي على سنن ابن ماجه:2-486)، وقال المناوي: "استخبار فيه إنكار وتعجُّب، أي: أخبروني كيف يُطهِّر الله قومًا لا ينصرون العاجز الضَّعيف على الظَّالم القويِّ، مع تمكُّنهم من ذلك؟ أي: لا يطهِّرهم الله أبدًا"(فيض القدير:5-59).

 

قال ابن الجوزي: "وأما نَصْر المظْلوم فلمعنيين، أحدهما: إقامة الشَّرع بإظهار العدل، والثَّاني: نَصْر الأخ المسلم، أو الدَّفع عن الكِتَابِي وفاءً بالذِّمَّة"(كشف المشكل من حديث الصَّحيحين:1-454).

 

قال ابن تيمية: "إنَّ الله يقيم الدَّولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدَّولة الظَّالمة، وإن كانت مسلمة"(مجموع الفتاوى:28-146).

 

قال الطبري: "فبيِّنٌ أنَّ أولى التأويلين بقوله: (إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)، تأويلُ من قال: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض"(تفسير الطبري).

 

قال ابن بطَّال: "وأمَّا نَصْر المظْلوم، ففرضٌ على من يقدر عليه، ويُطَاع أمره"(شرح صحيح البخارى:3-238).

 

قال النَّووي: "وأمَّا نَصْر المظْلوم، فمن فروض الكِفَاية، وهو من جُمْلة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وإنَّما يتوجَّه الأمر به لمن قَدِر عليه، ولم يخَفْ ضررًا"(شرح النووي على صحيح مسلم:6-34).

 

قال الحافظ ابن حجر: "هو فرض كِفَاية، وهو عامٌّ في المظْلومين، وكذلك في النَّاصرين، بناء على أنَّ فرض الكِفَاية مُخَاطب به الجميع، وهو الرَّاجح، ويتعيَّن -أحيانًا- على من له القُدْرة عليه وحده، إذا لم يترتَّب على إنكاره مَفْسدةٌ أشدُّ من مفسدة المنكَر، فلو علم أو غَلَب على ظنِّه أنَّه لا يفيد، سَقَط الوجوب، وبَقِي أصل الاستحباب بالشَّرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تَخَيَّر، وشَرْط النَّاصر أن يكون عالـمًا بكون الفعل ظُلمًا"(فتح الباري:5-99).

 

قال الحافظ ابن حجر: "ويقع النَّصْر مع وقوع الظُّلم، وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه، كمن أنقذ إنسانًا من يد إنسان طالبه بمال ظُلمًا، وهدَّده إنْ لم يبذله، وقد يقع بَعْدُ، وهو كثير"(فتح الباري:5-99).

 

قال ابن عثيمين: "إذا رأيت شخصًا يظلم جاره بالإساءة إليه، وعدم المبالاة به، فإنَّه يجب عليك أن تَنْصُر هذا وهذا -الظَّالم والمظْلوم-: فتذهب إلى الظَّالم الجار، الذي أخلَّ بحقوق جاره، وتنصحه، وتبيِّن له ما في إساءة الجِوَار من الإثم والعقوبة، وما في حُسْن الجِوَار من الأجر والمثوبة، وتُكرِّر عليه، حتى يهديه الله فيرْتَدع، وتنصر المظْلوم الجار، وتقول له: أنا سوف أنصح جارك، وسوف أكلِّمه، فإن هداه الله، فهذا هو المطلوب، وإن لم يهتد فأخبرني، حتى نكون أنا وأنت عند القاضي أو الحاكم سواء، نتعاون على دفع ظلم هذا الظَّالم.

وكذلك إذا وجدت شخصًا جحد لأخيه حقًّا، تدري أنَّه جحده، أنَّ أخيه عليه هذا الحقُّ، فتذهب إلى هذا الظَّالم الذي جحد حقَّ أخيه، وتنصحه، وتبيِّن له ما في أكل المال بالباطل من العقوبة، وأنَّه لا خير في أكل المال بالباطل، لا في الدُّنْيا ولا في الآخرة، بل هو شَرٌّ، حتى يؤدي ما عليه"(شرح رياض الصالحين:2/608، 609).

 

قال ابن بطال: "النصرة عند العرب: الإعانة والتأييد، وقد فسره رسول الله أنَّ نصر الظالم منعه من الظلم؛ لأنَّه إذا تركته على ظلمه، ولم تكفَّه عنه، أدَّاه ذلك إلى أن يُقتصَّ منه؛ فمنعك له مما يوجب عليه القصاص نصره، وهذا يدلُّ من باب الحكم للشيء، وتسميته بما يؤول إليه"(شرح صحيح البخاري:6-572).

 

الإحالات

1- فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم؛ لعلي محمد الصلابي.

 

2- تثبيت أفئدة المؤمنين بذكر مبشرات النصر والتمكين؛ د. سيد حسين العفاني.

 

3- عوامل النصر والهزيمة عبر تاريخنا الإسلامي؛ ‬ لشوقي أبو خليل.‏

 

4- بشائر النصر في القران والسنة؛ لفوزي سمارة.