طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الكشاف العلمي > إصلاح بين الناس

ملتقى الخطباء

  • 4٬732 /
  • 10 /
  • 0
63

إصلاح بين الناس

1438/10/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
التعريف

الصلح في اللغة :



اسم بمعنى المصالحة والتصالح ، خلاف المخاصمة والتخاصم [المغرب للمطرزي ( ط . حلب ) 1 / 479 ، وانظر طلبة الطلبة للنسفي ص 292] . قال الراغب : والصلح يختص بإزالة النفار بين الناس .



يقال : اصطلحوا وتصالحوا [المفردات في غريب القرآن ( ط . الأنجلو المصرية ) ص 420] وعلى ذلك يقال : وقع بينهما الصلح ، وصالحه على كذا ، وتصالحا عليه واصطلحا ، وهم لنا صلح ، أي مصالحون [أساس البلاغة للزمخشري مادة صلح ص 257] .



وفي الاصطلاح : معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم ، ويتوصل بها إلى الموافقة بين المختلفين [تبيين الحقائق 5 / 29 ، البحر الرائق 7 / 255 ، الدر المنتقى صرح الملتقى 2 / 307 ، تكملة فتح القدير مع العناية والكفاية ( الميمنية ) 7 / 375 ، روضة الطالبين 4 / 193 ، نهاية المحتاج 4 / 371 ، والفتاوى الهندية 4 / 228 ، أسنى المطالب 2 / 214 ، كفاية الأخيار 1 / 167 ، شرح منتهى الإرادات 2 / 260 ، كشاف القناع 3 / 378 ، المغني ( ط . مكتبة الرياض الحديثة ) 4 / 527] . فهو عقد وضع لرفع المنازعة بعد وقوعها بالتراضي [انظر م 1531 من مجلة الأحكام العدلية و م 1026 من مرشد الحيران] ، وهذا عند الحنفية .



وزاد المالكية على هذا المدلول : العقد على رفعها قبل وقوعها - أيضا - وقاية ، فجاء في تعريف ابن عرفة للصلح : أنه انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع ، أو خوف وقوعه [مواهب الجليل 5 / 79 ، الخرشي على خليل 6 / 2 ، والبهجة شرح التحفة 1 / 219 ، وانظر للشافعية أسنى المطالب 2 / 215 ، نهاية المحتاج 4 / 372 ، روضة الطالبين 4 / 194] . ففي التعبير ب ( خوف وقوعه ) إشارة إلى جواز الصلح لتوقي منازعة غير قائمة بالفعل ، ولكنها محتملة الوقوع .



والمصالح : هو المباشر لعقد الصلح [ م 1532 من المجلة العدلية] والمصالح عنه : هو الشيء المتنازع فيه إذا قطع النزاع فيه بالصلح (4) والمصالح عليه ، أو المصالح به : هو بدل الصلح [م 1533 من المجلة العدلية] .


العناصر

1- أهمية إصلاح ذات البين وفضله .



2- فن الإصلاح بين الناس .



3- حكمة مشروعية الصلح .



4- فضل الإصلاح بين الناس .



5- أنواع الصلح وصوره .



6- أمور يجب مراعاتها في الصلح بين الناس .



7- ضرورة معرفة السنن والقوانين لإصلاح الأفراد والمجتمعات لتحقيقها في الواقع .



8- أهمية الإصلاح بين الزوجين .



9- أهمية العناية بإصلاح البيت .



10- وسائل إصلاح البيت .

الايات

1- قال الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: 114] .



 



2- قوله تعالى : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) . [الحجرات: 9، 10] .



 



3- قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) [النساء: 128].



 



4- قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: 1] .



 



5- قوله تعالى: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء:35] .

الاحاديث

1- عن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» [سنن ابن ماجه (2353) وقال الألباني صحيح] .



2- عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم» [رواه البخاري في الصحيخ (2693 ) ] .



3- عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» [رواه مسلم في صحيحه (2812) ] .



4- عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة» قالوا بلى قال: «إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة» [صحيح الترغيب والترهيب (2814) وقال الألباني صحيح] .



5- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة» [رواه البخاري في الصحيح (2707) ] .



6- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين» [أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب (2817) وصححه الألباني] .



7- عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» [متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7169)، واللفظ له، ومسلم برقم (1713) ] .



8- عن أمِّ كُلْثُوم بنت عُقْبَة بن أَبي مُعَيط رضي الله عنها، قَالَتْ: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيراً، أَوْ يقُولُ خَيْراً» [مُتَّفَقٌ عَلَيهِ] .

الاثار

1- يقول الأوزاعي رحمه الله: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين، وَمَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ [تفسير القرطبي تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة الطبعة: الثانية، 1384هـ - 1964 م (5/385)].



 



2- قال عمر رضي الله عنه: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن [سنن البيهقي الكبرى الناشر: مكتبة دار الباز - مكة المكرمة، 1414 – 1994 تحقيق: محمد عبد القادر عطا (6/66)].



 



3- قال أنس رضي الله عنه: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة [تفسير القرطبي تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة الطبعة: الثانية، 1384هـ - 1964 م (5/385)].



 



4- قال أبو أمامة: امش ميلاً وعد مريضاً، وامش ميلين وزر أخاً في الله، وامش ثلاثة أميال وأصلح بين اثنين [شرح الأربعين النووية للإمام النووي رحمه الله بقلم: سليمان بن محمد اللهيميد (1/77)].



 



5- عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ فَضْلَ الْعَابِدِينَ فَلْيُصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ [أنوار البروق في أنواع الفروق (6/442)].



 



6- قال بن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها [رواه البخاري].



 



7- عن موسى بن عقبة أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- كتب إلى أبي موسى أو معاوية: " أما بعد فالزم خمس خلال يسلم لك دينك، وتظفر بأفضل حظك: عليك بالبينة العادلة، والأيمان القاطعة وإدناء الضعيف حتى يبسط لسانه، ويقوى قلبه، وتعهد الغريب فإنه إذا طال احتباسه ترك حقه ولحق بأهله، وإنما أبطل حقه من أرجأ أمره، ولم يرفع به رأساً، واحرص على الصلح بين الناس ما لم يتبين لك وجه القضاء، والسلام [أنساب الأشراف (3/422)].



 



8- كتب عمر إلى معاوية "احرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء" [أخبار القضاة لوكيع (1/75)].



 



9- روي أنّ ابن أبي عذرة الدّؤليّ- وكان في خلافة عمر- رضي اللّه عنه- كان يخلع النّساء اللّاتي يتزوّج بهنّ، فطارت له في النّاس من ذلك أحدوثة يكرهها، فلمّا علم بذلك أخذ بيد عبد اللّه بن الأرقم حتّى أتى به إلى منزله، ثمّ قال لامرأته: أنشدك باللّه هل تبغضينني؟ قالت: لا تنشدني، قال: فإنّي أنشدك اللّه، قالت: نعم. فقال لابن الأرقم: أتسمع؟ ثمّ انطلقا حتّى أتيا عمر-رضي اللّه عنه- فقال: إنّكم لتحدّثون أنّي أظلم النّساء وأخلعهنّ فاسأل ابن الأرقم. فسأله فأخبره، فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمّتها، فقال: أنت الّتي تحدّثين لزوجك أنّك تبغضينه؟ فقالت: إنّي أوّل من تاب وراجع أمر اللّه تعالى. إنّه ناشدني فتحرّجت أن أكذب. أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فاكذبي، فإن كان إحداكنّ لا تحبّ أحدنا فلا تحدّثه بذلك؛ فإنّ أقلّ البيوت الّذي بني على الحبّ ولكنّ النّاس يتعاشرون بالإسلام والأحساب [البخاري- الفتح 5 (2693)].



 



10- قال ابن بابويه: "إنّ اللّه -عزّ وجلّ- أحبّ الكذب في الإصلاح، وأبغض الصّدق في الفساد" [منهاج الصالحين للبليق (420)].



 



11- قال الفضيل: "إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا فقل يا أخي اعف عنه فإنّ العفو أقرب للتّقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمرني اللّه -عزّ وجلّ- قل: فإن كنت تحسن تنتصر مثلا بمثل وإلّا فارجع إلى باب العفو فإنّه باب أوسع؛ فإنّه من عفا وأصلح فأجره على اللّه، وصاحب العفو ينام اللّيل على فراشه، وصاحب الانتصار يقلّب الأمور" [حلية الأولياء (5/ 112)].

القصص

1- عن حبيب بن الشهيد قال كنت جالسا عند إياس بن معاوية فأتاه رجل فسأله مسألة فطول فيهم فقال إياس إن كنت تريد الفتيا فعليك بالحسن معلمي ومعلم أبي وان كنت تريد القضاء فعليك بعبد الملك ابن يعلى وان كنت تريد الصلح فعليك بحميد الطويل وتدري ما يقول لك يقول لك حط شيئا ويقول لصاحبك زده شيئا حتى نصلح بينكما وان كنت تريد الشغب فعليك بصالح السدوسي وتدري ما يقول لك يقول لك أجحد ما عليك ويقول لصاحبك ادع ما ليس لك وادع بينة غيبا [فن الإصلاح بين الناس] .



 



2- قال محمد بن المنكدر: تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما، فلم أزل بهما حتى اصطلحا، فقال أبو هريرة: من أصلح بين اثنين استوجب ثواب الشهيد .

الاشعار

1- قال المقنع الكندي:



وإن الذي بيني وبين بني أبي *** وبين بني عمي لمختلف جدا



إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم *** قدحت لهم في كل مكرمة زندا



وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم *** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا



ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ *** وليس رئيس القوم من يحمل الحقدَا



[الإيمان لابن منده ص34] .

الحكم

1- قال ابن المعتز:



استصلاح الصديق أهون من اكتساب غيره.



[زهر الأداب وثمر الألباب المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1417 هـ - 1997م الطبعة: الأولى تحقيق: أ. د / يوسف على طويل (1/495)].



 



2- سفير السوء يفسد ذات البين.



[مجمع الأمثال المؤلف: أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري الناشر: دار المعرفة – بيروت تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد (1/356)].

متفرقات

1- قال محمد بن محمد المختار الشنقيطي: وأجمع العلماء وأئمة الإسلام عليهم رحمة الله عز وجل على مشروعية الصلح وفضله، وأن من أعظم وأجل الطاعات وأحبها إلى الله سبحان وتعالى إصلاح ذات البين، وأن فعلها مندوب إليه ومرغَّبٌ فيه، وقد يجب على المسلم في بعض الأحيان أن يُصلِح إذا كان مقبول القول ومأمون الفتنة بالدخول في الصلح، وإذا لم يُصلِح ترتب على عدم صلحه قطيعة الأرحام، أو حصول ضررٍ عظيم كسفك الدماء وانتهاك الأعراض، واغتصاب الأموال، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فإذا غلب على ظنه أنه لو دخل في هذه الخصومة أن الله يصلح ذات بين المسلمين، وأن الله يدفع هذه الشرور وهذه الفتن، وليس ثم ضرر عليه بالدخول؛ فإنه يتعين عليه أن يسعى، ويتعين عليه أن يصلح بين المسلمين [شرح زاد المستقنع للشنقيطي باب الصلح] .



 



2- قال محمد بن محمد المختار الشنقيطي: أمور يجب مراعاتها في الصلح بين الناس فننبه على مسائل ينبغي لمن يريد أن يُصلح بين الناس أن يراعيها: الإخلاص لله منها: أن يعلم أولاً أنه يتردد بين نيتين إذا دُعي للصلح بين طرفين، فإما أن تكون نيته لله والدار الآخرة، وإما أن تكون للدنيا، فالشخص ينبعث للصلح بين الناس لعلمه بعظيم الثواب عند الله، وهو يستشعر قول الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114]، ويستشعر قول الله سبحانه وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة:207].



فإذا انبعث بهذه النية الصالحة، فإن الله عز وجل يُعظِم له الأجر، ويجعل جميع ما يقع من العناء والتعب والنصب في ميزان حسناته، وهذا بخير المنازل عند الله عز وجل. وكذلك -أيضاً- بحسن النية يُوفَّق إلى السداد، وقل أن يُصلح نيته إلا ألهمه الله عز وجل أصلح الأمور. فمن أمثلة ذلك: إذا دخل في الصلح فأصلح ما بينه وبين الله بحسن النية؛ أصلح الله ما بينه وبين الناس، فعصَم لسانه عن الزلل، وعصم فعله عن الخلل، ووجهه وسدده، وكان له المعين والظهير معيناً على الخير، وظهيراً له على الطاعة والبر.



أولاً: فالنية هي الأساس والمنبعث الذي ينبعث به الإنسان للصلح.



ثانياً: هذه النية لها عوارض، فمنها حب الشرف، وحب الجاه، فإن الذي يدخل في الصلح ينتزعه الشيطان إلى نية الدنيا؛ لأن الناس يقولون: فلان أصلح بين فلان وفلان، وفلان وجه الخير، وفلان كذا، ينتظر من الخصمين أن لا يجلسا في مجلس فيطرأ ذكر الخصومة إلا قالوا: فلان هو الذي أصلح. فالصلح إذا دخل الإنسان فيه بنية السمعة هلك، وصرفه الله عز وجل، ولذلك تجده يتأثر في حدود السمعة، فلو كان أحد الطرفين قوياً أو له مكانة، مال إليه والعياذ بالله أكثر من الضعيف، وإذا دخل بنية الرياء والسمعة انحرف عن صراط الله، فإذا كان أحد الخصمين ممن ليس له مكانة في قلبه ضغط عليه وأحرجه، وألجأه إلى أمور لا تُحمد عقباها؛ فهذا لا يأمن أن يكون بصلحه مفسداً، فهو يظن أنه مصلح والواقع أنه -والعياذ بالله- مفسد. الحذر من الحمية والعصبية وكذلك أيضاً: ينبغي لمن يريد أن يصلح بين الناس أن ينتبه للحمية والعصبية، فإنه في غالب الأحوال إذا دخل في الصلح بين القرابة، تنتزعه نوازع الحمية والعصبية، فينبغي أن يحذر منها، وأن لا يجعل العادات والأمور التي هي من شأن الجاهلية محكمة له في صلحه، بل عليه أن يجعل نصب عينيه مرضاة الله. العلم بالقضية علماً تاماً ومنها العلم بالقضية علماً تاماً كاملاً، فلا تدخل للصلح بين طرفين حتى تكون على إلمام تام بالقضية، وهذا يستلزم منك أن تسمع القضية كاملة.



وإذا جاءك خصم وقد فُقئت عينه فلا تعجلن، فلعل خصمه قد فُقِئت عيناه، فلذلك ينبغي أن تسمع القضية كاملة، وحينئذٍ يتحتم عليك قواعد وأصول تنتبه لها، أولاً: تسمع القضية كاملة من الأصل، وهو الشخص المتّهم صاحب الحق المدَّعِي، وتعطيه حرِّيته في أن يقول جميع ما عنده، ثم تنتقل إلى الطرف الثاني بكل أمانة ونزاهة، فتسمع جميع ما عنده، ولا تقاطعه إلا إذا حصل استفهام أو سؤال، ولا تحاول أن تشككه فيما يقول، أو تميل للطرف الثاني ضده. العدل بين الخصمين كذلك أيضاً مما ينبغي أن يُتنبَّه له في الصلح: أن يُبنى على تقوى الله عز وجل بالعدل بين الطرفين، فإذا دخلت في القضية وأنت ترجو ما عند الله، وتصوَّرتَها تصوراً كاملاً ثم استشرت العلماء وقالوا لك: فلان المخطئ، وفلان المصيب، وفلان أخطأ في كذا وأصاب في كذا، والآخر أخطأ في كذا وأصاب في كذا، وأخذت نتيجة الأمر؛ فحينئذٍ إما أن تحل القضية حلاً وسطاً؛ بالجمع بين الطرفين بالحل الوسط، وهذا ما يكون به الصلح. وأما إذا بينت لكل ذي حق حقه، وأردت أن تفصل بينهم بذلك، فالذي يفعل هذا يسمى حَكَمَاً، وهو الذي يعرف حق كل واحد من الطرفين، ثم يعطي كل ذي حقٍ حقه.



لكن المصلح دائماً يُحدِث قولاً وسطاً بين الطرفين، وهذا يستلزم تنازل صاحب الحق عن شيءٍ من حقه، كأن تعرف أن المرأة مظلومة وأن الزوج ظالم، فتذهب إلى الزوج وتبيِّن له ظلمه، وتذهب إلى الزوجة، وتقول لها: نعم أنتِ مظلومة وأنت صاحبة حق؛ لأن الله يقول، ورسوله عليه الصلاة والسلام يقول، لكن يا فلانة هذا زوجك وبعلك، إن صبرت عليه واحتسبتِ فلك الأجر عند الله؛ يا فلانة! الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، فإن صبرتِ صبَّركِ الله، وإن احتسبتِ الأجر عند الله أثابكِ الله، ونحو ذلك من الكلام الطيب؛ فتلين قلبها للعفو، وتجعل قلبها ليناً للإصلاح وفي هذه الكلمات مثوبة الله، والأجر من الله، وإذا خرجت من قلب صادق فإنها تقع في الأذن وتقع في القلب، فالكلمة التي تخرج من القلب تلامس شغاف القلب.



اختيار الألفاظ المناسبة وعدم الإحراج فإذا عرفتَ الحق وأردت أن يتنازل صاحب الحق عن جزءٍ من حقه حتى يقع الصلح؛ فينبغي أن يكون بطريقة مناسبة، فلا ينبغي إحراج الناس، وظلم الضعفاء والإضرار بمصالحهم. في بعض الأحيان يدخل الرجل في صلح بين طرفين، وأحد الطرفين قوي ظالم، والطرف الثاني ضعيف مظلوم، وقد يكون الخصم الضعيف أيتاماً أو أرامل، فيأتي المصلح إلى الضعيف فيستغل نقاط ضعفه، ويضغط عليه من جهة هذه النقاط حتى يتنازل عن بعض حقه، قال بعض العلماء: لا يأمن من يفعل ذلك من الإثم في صلحه.



كذلك أيضاً: إذا فرضنا أن عاملاً اشتغل وكد فأصبح له حق عند صاحب العمل، وصاحب العمل رجل غني وثري، وثبت أن هذا العامل له خمسون ألفاً عند هذا الرجل الثري الغني الذي لا تضره الخمسون الألف شيئاً، وهذا الرجل جلس السنة والسنتين في عمله وكدِّه وتعبه ونصبه، ولربما كان عليه ديون وحقوق للناس، فنأتي إلى العامل ونضغط عليه حتى يتنازل عن جزء من المبلغ، أو عن جملة من حقوقه، ولربما أُخذت أطراف من قرابته وجماعته ممن يستحي منهم، فأُخذت الأموال بسيف الحياء، فمثل هذا لا يبعد أن يبوء صاحبه بالإثم، وهذا ليس بصلح، بل إفساد ومعونة على الإفساد.



فينبغي النظر في أحوال الناس، والنظر في حدود إمكاناتهم وطاقاتهم والأشياء التي يمكن أن يضحوا بها، فما كان في وسعهم سألناهم أن يعفوا، ويكون السؤال بطريقة طيبة مهذبة، لا بطريقة الإلحاح والإزعاج والإحراج، ففي بعض الأحيان يبلغ بالصلح أن الشخص يأخذ أطرافاً أقوياء، لا يمكن أن يرد الشخص شفاعتهم، وفي بعض الأحيان يكون المصلح رجلاً له مكانة وجاه، فإذا جاء إلى ابن عمه وقريبه؛ قال له: طلبتك، وإذا طلبتك فلا تردَّني وهذا الكلام لا يصلح! كيف تطلبني شيئاً فيه إجحاف وإضرار بي، ولربما فيه إجحاف بأهلي وعرضي وزوجي وقرابتي، فهذا لا يصلح وينبغي أن يكون هناك شيء من التعقل والبصيرة، فنعرف ماذا نجني إذا أصلحنا، ولو حصلت غلطة أو هفوة أو زلة من رجل معروف في الصلاح والاستقامة، وأقلناه فمن باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)، أو علمنا أن الرجل غلط ثم ندم، وممكن أن يُصلح، أو كانت الغلطة في إمكان الشخص أن يعفو عنها، فهذا ممكن، لكن أن ندخل بالإجحاف والإحراج فلا.



وأيضاً قد يُختار أشخاص لا يمكن أن يتكلم الإنسان معهم، فقد يأتيه بعمه أو بخاله، فيأتي العم أو الخال ويدخل بكلمات يُحرج بها قريبه، وهذا لا يجوز، وإذا رفض يقول له: أهنتني أمام الناس، ليس لي عندك قدر ولا وجه، فهذا لا ينبغي، ومثل هذه العبارات ينبغي أن تُصرف عن الصلح، وينبغي أن يكون الصلح بشيء من الرضا، فالأخذ بالإحراج لا يجوز، أو أن يستعمِل القوة كأن يكون موظفاً عند مديره، فيأخذ مديره من أجل أن يعفو، فهذا لا يجوز، بل لا يجوز للمدير أن يدخل إذا علم أن في مثل هذا ظلماً؛ لأن هذا إساءة في استخدام مكانة الإنسان، ونعمة الله التي أنعم عليه، فينبغي أن يكون دخول الإنسان بالتي هي أحسن. ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة بريرة عندما أُعتِقت فأصبح لها الخيار في البقاء تحت زوجها أو تركه إذا كان عبداً فاختارت بريرة الفسخ، فلقيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألها أن تعود لزوجها، فقالت: (يا رسول الله! أتأمرني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أنا شافع) أي: لا أملك إلا الشفاعة، فما قال لها: من حقي عليك أو أحرجها، بل قال لها: (إنما أنا شافع)، أي: لا أُكرهك على عِشرة لا تريدينها، ولا أُكرهك على شيءٍ لا ترغبين فيه. وهذا هو الإنصاف والعدل والقسط الذي أمر الله به، ولذلك يقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1]. سماحة النفس إذا لم يقبل صلحه ينبغي أن يكون الصلح بتقوى الله، وأن يكون في حدود طاقة الناس، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعلى المصلح إذا لم تقبل شفاعته أن لا يحقد، وأن لا يحمل في نفسه على من رد شفاعته، فإن الإمام مالكاً رحمه الله يقول قولته المشهورة: (ليس كل الناس يستطيع أن يُبدي عذراً) فلربما كان هذا الرجل يحبك ويكرمك.



بل إن واحداً من مشايخنا رحمة الله عليهم دخل في قضية فشفع فلم يُشفَّع، وكان الرجل صريحاً معه، فلما رجع قال له بعض طلابه: إن فلاناً أساء برد شفاعتك، فقال له: لا تغتب، والله إني أحببته لصدقه. وهذا شأن العقلاء: إن فلاناً له ظرف كذا وكذا وذكر ظرفه فالإنسان العاقل الحكيم يقدِّر ظروف الناس، والعالم علِم بعذر هذا الرجل دون أن يحدِّثه الرجل فقدَّر ظرفه، فينبغي لمن رُدَّت شفاعته في الصلح أن لا يحقد وأن لا يحمل في نفسه على من سأله أن يعفو فلم يفعل [شرح زاد المستقنع للشنقيطي باب الصلح باختصار] .



 



3- قال ابن القيم رحمه الله عن الصلح: فالصلح الجائز بين المسلمين هو أن يعتمد فيه رضا الله سبحانه ورضا الخصمين فهذا أعدل الصلح وأحقه وهو يعتمد العلم والعدل فيكون المصلح عالماً بالوقائع عارفاً بالواجب قاصداً العدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم [الإيمان لابن منده ص 34] .



 



4- قال النووي: قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها [صحيح مسلم] . 5- قال العلاَّمة السعدي رحمه الله: عنوان سعادة العبد: إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق [ تفسير ابن

الإحالات

1- الأخلاق الإسلامية – عبد الرحمن الميداني 2/221 دار القلم الطبعة الأولى 1399 .



2- الآداب – البيهقي تحقيق عبد القدوس نذير ص 51 مكتبة الرياض الطبعة الأولى 1407 .



3- الأدب المفرد – البخاري – كمال الحوت 1/482 عالم الكتب الطبعة الثانية 1405 .



4- تفسير الطبري – الطبري – تحقيق أحمد شاكر – محمود شاكر 13/383 دار المعارف بمصر الطبعة الثانية .



5- تفسير القرآن العظيم – ابن كثير 3/550 ، 4/205 الشعب الطبعة الأولى 1390 .



6- تفسير وبيان مفردات القرآن – محمد حسن الحمصي ص 277 دار الرشيد – مؤسسة الإيمان .



7- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان – ابن سعدي 3/141، 7/132 الرئاسة العامة .



8- دليل الفالحين – ابن علان 3/52 دار الكتاب العربي .



9- روح المعاني – الألوسي 26/149 دار إحياء التراث العربي الطبعة الثانية .



10- رياض الصالحين – النووي – تحقيق الألباني ص 137 المكتب الإسلامي الطبعة الثانية 1404 .



11- زاد المسير – ابن الجوزي 3/320، 7462 المكتب الإسلامي الطبعة الثالثة .



12- صحيح مسلم بشرح النووي – النووي 12/9 دار الفكر .



13- فتح الباري – ابن حجر 5/297 دار الفكر .



14- فتح البيان في مقاصد القرآن – صديق حسن خان 4/4، 9/75 دار الفكر العربي .



15- فتح القدير – الشوكاني 5/65 دار المعرفة .



16- فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد – فضل الله الجيلاني 1/482 مكتبة ابن تيمية الطبعة الثالثة 1407 .



17- في ظلال القرآن – سيد قطب 3/1474، 6/3343 دار الشروق الطبعة الثامنة 1399 .



18- كتاب الزهد – ابن المبارك – تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ص 256 دار الكتب العلمية .



19- محاسن التأويل – محمد القاسمي 8/8، 15/120 دار الفكر .



20- مختصر شعب الإيمان – أبو المعالي القزويني – تحقيق عبد القادر الأرناؤوط ص 141 دار ابن كثير الطبعة الثانية 1405 .



21- موارد الظمآن لدروس الزمان – عبد العزيز السلمان 2/716 الطبعة الثامنة عشرة 1408 .

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات