طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

  • 13٬125 /
  • 10 /
  • 0
56

ابتلاء ومحن

1438/10/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
التعريف
للبلاء في اللغة معان أشهرها ما ذكره الإمام القرطبي رحمه الله (عند تفسير الآية الثانية بعد المائة من سوره الصافات في الجزء الخامس عشر من تفسيره).

 

أولاً: الإنعام، وهو بذل النعمة للغير، كما في قوله تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين) أي النعمة الظاهرة؛ يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه.

 

وقد يقال بلاه، كما قال زهير: فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو أي: صَنَع بهما خيرَ الصَّنِيع الذي يَبْلُو به عباده.

 

ثانياً: الاختبار والامتحان بالخير أو الشر، كما في قوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)[الأنبياء: 35]، أي اختباراً وامتحاناً، يُقال: بلاه يبلوه إذا اختبره، ولا يقال من الاختبار إلا بلاه يبلوه. والبلاء بالمعنى الثاني مرادف للابتلاء، فهما بمعنىً، وهو المقصود فيما نحن بصدده. قال ابن منظور [في مادة بَلا من المجلد الرابع عشر من لسان العرب]: (وابْتَلاه الله: امْتَحَنَه، والاسم البَلْوَى والبِلْوَةُ والبِلْيَةُ والبَلِيَّةُ والبَلاءُ، وبُلِيَ بالشيء بَلاءً وابْتُلِيَ؛ والبَلاءُ يكون في الخير والشَّر، والجمع: البَلايا. ويقال: أَبْلاه الله يُبْلِيه إبْلاءً حسناً إذا صنع به صُنْعاً جميلاً. وبَلاه اللهُ بَلاء وابْتَلاه أي: اختَبره. والتَّبالي: الاختبار. والبَلاء: الاختبار...

 

 

 
العناصر
1- معنى البلاء والابتلاء في اللغة والاصطلاح.

 

2- نعمة الابتلاء.

 

3- الابتلاء سنّة الله في خلقه.

 

4- سلوك المسلم عند الفتن والشدائد.

 

5- المسلم بين سنتي الابتلاء والعمل.

 

6- الابتــلاء طريق الدعاة إلى الله عز وجل.

 

7- النظر إلى ما حلّ بالعبد على أنّه مصيبة ولكنها أهون من غيرها.

 

8- أثر الابتلاء في حياة المؤمنين.

 

9- صور من ابتلاء الأنبياء والصالحين من السلف.

 
الايات
1- قال الله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) [البقرة:49] .

 

2- قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[البقرة:142].

 

3- قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة: 155-157].

 

4- قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة: 214].

 

5- قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ)[آلعمران:186].

 

6- قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الأنعام: 165].

 

7- قوله تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ([الأعراف:168].

 

8- قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الأنفال:17].

 

9- قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)[الأنفال:28].

 

10- قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[التوبة:16].

 

11- قوله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[العنكبوت:1-3].

 

12- قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين)[الحج: 11].

 

13- قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً)[الفرقان: 20].

 

14- قوله تعالى: ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات:99-107].

 

15- قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُـجَاهِدِينَ مِنكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ)[محمد: 31].

 

16- قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)[الحديد: 22].

 

17- قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ)[آل عمران: 186].

 
الاحاديث
1- عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة"(رواه مسلم:6727).

 

2- عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"(رواه البخاري:5641).

 

3- عن خباب بن الأرت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون (رواه البخاري في الصحيح:6943).

 

4- ‏ عن صهيب قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"(رواه مسلم في الصحيح:7692).

 

5- ‏ عن ‏عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال‏ ‏لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ‏‏يقول: "‏إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: ربِّ! وماذا أكتب ؟ قال: اكتُب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بُنَيَّ! إني سمعت رسول الله ‏‏يقول: "من مات على غير هذا فليس مني"(رواه أبو داود في سننه:4702، وقال الألباني: صحيح).

 

6- عن خالد بن أبي عمران أن ابن عمران قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"(سنن الترمذي:3502، وقال الألباني حسن).

 

7- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: "أن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"(رواه الترمذي:2396، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح).

 

8- عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء ؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة"(رواه الترمذي:2398، وقال الألباني حسن صحيح).

 

9- عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل القتل حتى يكثر فيكم المال فيفيض"(رواه البخاري:1036).

 
الاثار
1- يقول مسروق الوادعي رحمه الله: "إن أهل البلاء في الدنيا إذا لبثوا على بلائهم في الآخرة إن أحدهم ليتمنى أن جلده كان قرض بالمقاريض"(من كتاب المحن؛ لأبي العرب التميمي، ص: 283).

 

2- يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "ما أغبط أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء"(من كتاب المحن؛ لأبي العرب التميمي: ص: 283).
القصص
 

1- قال الحافظ ابن كثير: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة، وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها أكلت رجله كلها إلى وركه، وربما ترَقَّت إلى الجسد فأكلته. فطابَتْ نفسُه بنشرها. وقالوا له: ألا نَسقيك مُرَقِّداً حتى يذهب عقلك منه؛ فلا تُحس بألم النشر ؟ فقال: لا! والله ما كنت أظن أن أحداً يشرب شراباً أو يأكل شيئاً يُذهِب عقله، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة، فإني لا أحس بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة، من المكان الحي؛ احتياطاً أنه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تضوّرَ ولا اختلَج، فلما انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رِجله. فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً، فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت. قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزَّوه فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذتَ منهم واحداً وأبقيت ستةً، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة. قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال: (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً)[الكهف: 62]، فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه، ويُعزُّونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه. فأنشد عروة في ذلك أبياتاً لمعن بن أوس يقول فيها:

لعمـرك ما أهويـت كفى لريبـة *** ولا حملتنـي نحو فاحشة رجلي

و لا قادني سمعي ولا بصري لها *** ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

و لسـت بماش ما حييـت لمنكـر *** من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي

و لا مؤثـر نفسي على ذي قرابـة *** وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي

و أعلـم أني لـم تصبني مصيبـة *** من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي

(في البداية والنهاية: 9 / 103)

 
الاشعار
1- قال أبو الحسن التهامي:

جُبلت على كَدَرٍ وأنت تريدها *** صفواً من الآلام والأكدارِ

ومُكَلِّفُ الأيامِ ضدَّ طِباعِهـا *** مُتَطَلِّبٌ في الماء جذوةَ نارِ

(موسوعة فقه الابتلاء جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود:4-198).

 

2- قال ابن الرعلاء القلابي:

ليس من مات فاستراح بِمَيْتٍ *** إنما المَيْتُ ميِّتُ الأحياء

إنما المَيْتُ من يعيش كئيبـاً *** كاسِفاً بالَهُ قليلَ الرجـاء!

(النكت والعيون المؤلف: 1-385).

 
الحكم
1- الأحداث والنكبات تدقُّ وتقرعُ لتُوقِظَ الغافلين

(موسوعة البحوث والمقالات العلمية جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة حوالي خمسة آلاف وتسعمائة مقال وبحث علي بن نايف الشحود).

 

2- وُكِلَ البلاء بالولاء حتى لا يُدعى.

(كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله المؤلف: محمد علي محمد إمام تقديم: الشيخ علي سعد أبو الخير الناشر: مطبعة السلام، ميت غمر – مصر الطبعة: الأولي، 2005 م (1/297).
متفرقات
1- يقول المنبجي: "ليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها أصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظا لصحة عبوديته، واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة، فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه"(تسلية أهل المصائب: ص 34).

 

2- يقول محمد الغزالي: "وقد رتب الله سبحانه الأجر العظيم والثواب الجزيل على طاعته والعمل بمرضاته، وأخبر بذلك في آيات كثيرة في كتابه الكريم، منها: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)[الكهف: 107] (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)[الكهف: 108]. فإذا علمت النفس ذلك كله كرهت الراحة والبطالة في دار الفناء، رغبة منها في الحصول على الراحة الأبدية في دار البقاء. ولا سيما وأن التريث والمصابرة خصلة تتسق مع سنن الكون القائمة ونظمه الدائمة، فالزرع لا ينبت ساعة البذر، ولا ينضج ساعة النبت، بل لا بد من المكث شهورا حتى يجتنى الحصاد المنشود. والجنين يظل في بطن أمه شهورا حتى يستوي خلقه. وقد أعلمنا الله عز وجل أنه خلق العالم في ستة أيام، وما كان ليعجز أن يقيم دعائمه في طرفة عين أو أقل"(خلق المسلم، ص 135).

 

3- يقول ابن القيم رحمه الله: "ابتلاء العبد بالإعراض عنه: فالله _ عز وجل _ يذيق عبده ألم الحجاب عنه، وزوال ذلك الأنس به، والقرب منه؛ ليمتحن عبده، فإن أقام العبد على الرضا والحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأول مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره _ علم أنه لا يصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به. وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتَقَلَّقَ تَقَلُّقَ المكروب، ودعاه دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقَّاً، فهو يهتف بربه أن يرد عليه ما لا حياة له بدونه _ علم أنه موضعٌ لما أُهِّلَ له، فردَّ عليه أحوج ما هو محتاج إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذٍ مقداره، فعضَّ عليه بالنواجذ، وثنَّى عليه بالخناصر؛ فالعبد إذا بُليَ بَعْدَ الأنْسِ بالوحشة، وبعد القرب بنار البعاد _ اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة، فحنَّتْ، وأنَّتْ، وتصدَّعت، وتعرضت لنفحات مَنْ ليس لها عنه عوضٌ أبداً، ولاسيما إذا تذكر برَّه، ولطفه، وحنانه، وقربه"(انظر: مفتاح دار السعادة:1-296).

 

4- ويقول أيضا: "أن الله إذا أراد بعبد خيراً أنساه رؤية طاعاته، ورفعها من قلبه ولسانه: فإذا ابتلي العبد بالذنب جعله نصب عينيه، وجعل همه كله بذنبه، فلا يزال ذنْبه أمامه إن قام أو قعد، أو غدا أو راح، فيكون هذا عين الرحمة في حقه، كما قال بعض السلف: إن العبد ليعمل الخطيئةَ فلا تزال نصبَ عينيه كلما ذكرها بكى، وندم، واستغفر، وتضرع، وأناب إلى الله، وذل وانكسر، وعمل لها أعمالاً فتكون سبباً للرحمة في حقه. ويعمل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه، يمن بها، ويراها، ويعتد بها على ربه، وعلى الخلق، ويتكبر بها، ويتعجب من الناس كيف لا يعظمونه، ويكرمونه، ويجلونه عليها، فلا تزال هذه الأمور به حتى تقوى عليه آثارها فتدخله النار"(مفتاح دار السعادة: ص297، 298).

 

5- ذكر الإمام ابن القيم: "أن الله سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بأنواع النقم وعد ذلك كله ابتلاء، قال تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[الأعراف: 168]، وقال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)[الأنبياء: 35]، وقال: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي)[الفجر:16] (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي)، وقال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الكهف:7]، وقال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك:2] وقال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[هود:7]، فأخبر سبحانه وتعالى أنه خلق العالم العلوي والسفلي، وقدر أجل الخلق، وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار، وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر، والسراء والضراء، فالابتلاء من النعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة، وهي أعظم الابتلاءين، والصبر على طاعة الله أشق الصبرين، كما قال الصحابة رضي الله عنهم: ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر، فالرب تعالى يبتلي بنعمه وينعم بابتلائه، غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين، والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحس والحركة أيهما أفضل، وعن الطعام والشراب أيهما أفضل، وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل؛ فالمأمور لا يؤدى إلا بصبر وشكر، والمحظور لا يترك إلا بصر وشكر، وأما المقدور الذي يقدر على العبد من البلاء فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره، ومما يوضح هذا أن الله -سبحانه- امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما في الله في كل وقت حتى تأتي -أي نفسه- بالشكر المأمور به ويصبر عن الهوى المنهي فلا ينفك العبد عنهما غنيا كان أو فقيرا معافى أو مبتلى وهذه هي مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر"(انظر: عدة الصابرين ابن القيم: 1-125).

 

6- يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) وقوله: "بشيء من الخوف يعني من الخوف من العدو، وبالجوع وهو القحط، يقول: لنختبركم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسنة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة وتعذر المطالب عليكم فتنقص لذلك أموالكم وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار فينقص لها عددكم وموت ذراريكم وأولادكم وجدوب تحدث فتنقص لها ثماركم كل ذلك امتحان مني لكم واختبار مني لكم فيتبين صادقكم في إيمانه من كاذبيكم فيه ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه والشك والارتياب كل ذلك خطاب منه لأتباع رسول الله وأصحابه"(جامع البيان الطبري:1-41).

 

7- قال ابن القيم: "إن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو أنقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه"(إغاثة اللهفان 2-88).

 

8- يقول الشيخ محمد عمر البلامبورى - رحمه الله -: متى يعرف أنه الابتلاء لترقية العبد ومتى يعرف أنه ابتلاء عذاب ونقمة؟ إذا كان الابتلاء بعد الطاعة وامتثال الأوامر فهو نعمة لترقية العبد، أولاً يأتى المشقة ثم يأتى الراحة. أما إذا جاء الابتلاء بعد المعصية مثل فرعون... (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا... تُبْصِرُونَ)[الزخرف:51]. وقارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[الحج: 78] كانا أولاً في الراحة ثم أتى عليهما المشقة (كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله المؤلف: محمد علي محمد إمام).

 

 

 
الإحالات
1- أحاديث الفتن والفقه المطلوب – مأمون جرار.

 

2- آداب البلاء؛ عبد الحميد البلالي.

 

3- أصحاب الأخدود؛ رفاعي سرور.

 

4- الابتلاء؛ أحمد فائز.

 

5- الابتلاء في طريق الدعوة إلي الله؛ عبد الله معتوق المعتوق.

 

6- الابتلاء وأثره في حياة المؤمنين كما جاء في القرآن الكريم؛ عبد الله ميرغني محمد.

 

7- الابتلاء والمحن في الدعوات؛ محمد عبد القادر أبو فارس.

 

8- الاستبصار عند المحن؛ محمد العبدة.

 

9- اشتداد الفتن علي مر الزمن؛ مشهور حسن سلمان.

 

10- تسلية المصاب؛ جمع أحمد فريد.

 

11-غاية النفع شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع – ابن رجب تحقيق: إبراهيم العرف- مكتبة السوادي الطبعة الأولى 1408.

 

12- الفتن في الاثار والسنن؛ جزاع الشمري.

 

13- الفتن وعوامل التغير؛ مشهور حسن سلمان.

 

14- الفتنة وكيف نواجهها؛ محمد عبد الفتاح.

 

15- نظرات في مواقف المؤمنين عند المحن – عبد الحميد السحيباني – مكتبة ابن خزيمة.
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات